صورة لقبة المسجد الأموي في دمشق عام 2010.
صورة لقبة المسجد الأموي في دمشق عام 2010.

بدأ التوسع العربي الإسلامي في الأراضي الشامية في السنة الثانية عشر للهجرة. وسرعان ما تحولت أرض سوريا لتصبح جزءاً مهماً من دولة الخلافة الإسلامية. عرفت سوريا الكثير من الأنظمة السياسية الإسلامية التي تعاقبت على حكمها جيلاً بعد جيل. وبُنيت على أرضها في تلك الفترة المئات من المباني المعمارية التي تشهد على التطور الحضاري والثقافي والعمراني في البلاد. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أهم وأشهر المساجد التي عرفتها سوريا عبر القرون.

 

الجامع الأموي الكبير بدمشق

 

يُعرف هذا الجامع باسم جامع بني أمية، أو الجامع الأموي الكبير بدمشق. ويُعدّ واحداً من أهم المساجد الأثرية التاريخية الإسلامية على الإطلاق.

شهد موقع الجامع الأموي الكبير بدمشق بناء مجموعة من المعابد والأبنية الدينية المتعاقبة على مر القرون. في سنة 1200 ق.م تقريباً شهد هذا المكان بناء معبد الإله "حُدَد" الأرامي، وهو إله الخصب والرعد والأمطار. وفي القرن الأول الميلادي، بنى الرومان عقب دخولهم لدمشق معبد للإله جوبيتر في هذا المكان.

أما في نهايات القرن الرابع الميلادي فقد أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول بتحويل المعبد إلى كاتدرائية باسم القديس يوحنا المعمدان. وبقيت الكاتدرائية على هذا الوضع حتى وصل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى السلطة فقام بتحويلها إلى جامع كبير وذلك بعدما اتفق مع المسيحيين الدمشقيين. بموجب ذلك الاتفاق، أخذ الوليد مكان الكاتدرائية وحولها إلى جامع وبالمقابل حصل المسيحيون على أربع كنائس كانت بيد المسلمين.

يحتوي الجامع على عدد من الأضرحة والمشاهد المهمة، ومنها حسب الاعتقاد الشائع ضريح يوحنا المعمدان/النبي يحيى، وقبر النبي هود. وينضاف إليها إلى مدفن السلطان صلاح الدين الأيوبي.

 

جامع خالد بن الوليد بحمص

 

يقع جامع خالد بن الوليد في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة حمص الواقعة على نهر العاصي. بُني هذا الجامع عدة مرات. كانت المرة الأولى عقب دخول المسلمين لمدينة حمص في القرن الأول الهجري. ويُقال إن خالدا بن الوليد مدفون في القبر الموجود بجوار الجامع.

في العصر المملوكي أُعيد بناء الجامع مرة أخرى. وفي سنة 664ه، مر السلطان الظاهر بيبرس بحمص أثناء مسيره لخوض الحرب ضد مملكة أرمينيا. عندما شاهد بيبرس أطلال المسجد أمر بإعادة بنائه مرة أخرى، وسُجّل ذلك على بعض الكتابات الموجودة بالمسجد.

يعود البناء الحالي للجامع إلى العصر العثماني، ويُقال إن المعماريين أرادوا أن يبنوا الجامع بحيث يصبح نسخة طبق الأصل من جامع السلطان أحمد في إسطنبول. تعرض الجامع لأضرار بالغة في سنة 2013، بعد اندلاع أحداث الثورة السورية. وفي سنة 2015، انطلقت عملية لترميم الجامع بتمويل من الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، وأعيد افتتاحه في فبراير سنة 2019 بحضور مفتي جمهورية الشيشان.

 

مسجد المنصور بالرقة

 

يُعدّ هذا المسجد واحداً من أقدم المساجد الأثرية الموجودة في سوريا. في سنة 155ه، قام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ببناء مدينة الرافقة -والتي تُعرف حالياً باسم الرقة- وبنى فيها هذا المسجد. وكان يُعرف باسم المسجد العتيق أو مسجد المنصور.

تم ترميم المسجد في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، لكنه تصدع على مر القرون لأنه كان مبنياً من الطوب اللبن. لم يبق من المسجد حالياً إلا السور الخارجي وواجهة الحرم والمئذنة التي بُنيت في عهد الدولة الزنكية في القرن السادس الهجري. بشكل عام، يُعتبر هذا المسجد "المدرسة المعمارية الأولى في العصر الذهبي للعرب خلال الفترة العباسية الأولى، وقد انتشر النمط المعماري الفني لهذا المسجد الفريد في أنحاء مختلفة من العالمين العربي والإسلامي آنذاك".

 

المسجد العمري بدرعا

 

يقع المسجد العمري وسط البلدة القديمة بمدينة درعا الواقعة في جنوبي سوريا. يُنسب المسجد إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وتذكر المصادر التاريخية أن الخليفة أمر ببناء المسجد عندما زار المدينة في سنة 14ه. يُقال أيضاً أن بعض الصحابة أشرفوا على عملية البناء ومنهم كل من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل.

تمت إعادة بناء المسجد لأكثر من مرة على مر القرون. وأصبح المسجد في صورته الحالية نسخة مصغرة عن الجامع الأموي بدمشق. من الجدير بالذكر أن للمسجد العمري رمزية كبيرة في الوجدان السوري المعاصر، انطلقت منه أولى المظاهرات ضد النظام السوري في أوائل مارس من سنة 2011. تعرض المسجد بعدها للقصف مراراً أثناء أحداث الثورة. الأمر الذي تسبب في انهيار مئذنته سنة 2013.

 

المسجد الكبير في قلعة حلب

 

يُعدّ المسجد الكبير واحداً من أهم المعالم الأثرية الموجود في قلعة حلب، ويقع بجوار سور القلعة الشمالي.

بُني هذا المسجد في زمن الملك الغازي الأيوبي سنة 610ه. ويوضح الأمين الأسبق للمتحف الوطني في حلب، شوقي شعث، في كتابه "قلعة حلب"، الأهمية التي حظي بها المسجد في العصور القديمة. يقول: "يُظن أنّ المسجد كان يضم مدرسةً ينهل الطلاب من معين مشايخها ويقيمون في الغرف الموجودة خلف الرواق، وتشير إلى ذلك كتابة موجودة على واجهة المدخل الرئيسي للمسجد إلى يسار الساكف -وهو الجزء المستعرض الذي يعلو الباب- وتعود إلى العصر المملوكي 865 -866 هجرية".

 

الجامع الكبير في معرة النعمان

 

يقع الجامع الكبير في معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، ويُعدّ واحدا من أقدم المساجد التاريخية في سوريا. بُني هذا الجامع على يد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح وذلك عقب دخول الجيش الإسلامي إلى المدينة في السنة السابعة عشر من الهجرة. تذكر المصادر التاريخية أن المكان الذي يوجد فيه الجامع كان معبداً وثنياً في العصور السحيقة. بعد انتشار المسيحية، تم تحويل المعبد إلى كاتدرائية كبيرة، ثم تم تحويلها إلى جامع بعد دخول المسلمين.

يتألف الجامع حالياً من مجموعة من الأقسام المتمايزة والتي يرجع كل منها إلى حقبة تاريخية مختلفة. "أولاً مئذنة الجامع الكبير وتعود إلى العهد الأيوبي، ثم صحن المسجد الذي يضم "الميضأة" و"المزولة" اللتين تعودان إلى الفترة المملوكية، كما يوجد في الصحن بئر قديم كان يُستخرج منه الماء للشرب، وفي المسجد حَرمان يطلان على الصحن هما الحرم القبلي والحرم الشمالي، ويعودان إلى الفترة المملوكية أيضاً".

يتحدث الباحث عبد الرحيم المصري في كتابه "نبذ من أوابد المعرة" عن أهم الملامح المميزة للجامع فيقول: "أهم ما في الجامع منارته المربعة، وهي أجمل أثر عمراني أبقاه الزمان في "المعرة" وأنفس ذخيرة حفظتها الأيام لتكون مثلاً يدل على مبلغ الفن العمراني في ذلك العهد، وهي- والحق يقال- بديعة الرواء محكمة البناء لا تدانيها في أحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في حلب".

 

الجامع النوري الكبير بحمص

 

يقع الجامع النوري في وسط مدينة حمص القديمة. وكان في بدايته معبداً لإله الشمس إيل جبل، وبعد انتشار المسيحية تحول المعبد إلى كنيسة في زمن الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الأول.

بعد دخول المسلمين إلى مدينة حمص، تم تحويل الكنيسة إلى مسجد، وبُني هذا المسجد على النمط المعماري الشائع في شتى المدن السورية في تلك الفترة.

تعرض الجامع للتخريب والهدم في القرن الثاني عشر الميلادي بسبب الزلزال الكبير الذي وقع في بلاد الشام، وبعدها بعقود قام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بترميمه، ولذلك نُسب إليه المسجد فيما بعد فعُرف باسم الجامع النوري.

 

المسجد الأعلى بحماة

 

يقع المسجد الأعلى في غربي قلعة حماة. ويعود بناؤه الأول إلى أصول وثنية. كان معبداً مكرساً لعبادة الإله الروماني جوبيتر. في بدايات القرن الرابع الميلادي، أمر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول بتحويل المعبد إلى كنيسة. تحولت الكنيسة فيما بعد إلى مسجد عقب دخول المسلمين إلى المدينة.

يحظى المسجد بشهرة واسعة في سوريا. وقد قام الخليفة المهدي العباسي بزيادة بناء الجامع في القرن الثاني الهجري. وكذلك قام نور الدين محمود بترميم بعض أبنيته في القرن السادس الهجري.

 

الجامع الأموي في حلب

 

يقع الجامع الأموي في حي الجلوم قرب سوق مدينة حلب القديمة، ويُعرف بعدة أسماء منها الجامع الكبير، وجامع بني أمية، ومسجد النبي زكريا وذلك بسبب الاعتقاد الشائع بأن جزء من جثمان النبي زكريا قد دُفن داخل الجامع.

تم البدء في بناء هذا الجامع في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان. واكتمل بناؤه بعد سنتين في زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك. تعرض الجامع للتخريب على يد البيزنطيين الذين دخلوا حلب في القرن العاشر الميلادي، كما خُرب مرة أخرى على يد المغول في سنة 1260م. على الجانب الآخر، حاول بعض الحكام ترميم الجامع في الكثير من الفترات التاريخية. من أهم تلك المحاولات المحاولة التي قام بها سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري، والمحاولة التي قام بها نور الدين زنكي في القرن السادس الهجري.

أسهب المؤرخون والرحالة في وصف الجامع الأموي بحلب في مؤلفاتهم. على سبيل المثال يقول الرحالة الأندلسي ابن جبير في رحلته: "إنه -أي الجامع الأموي- من أحسن الجوامع وأجملها في كافة البلاد الإسلامية، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح، كله أبواب قصرية الحسن إلى الصحن، عددها ينيف على الخمسين، والبلاط القبلي الحرم لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع".

في السياق نفسه، وصف ابن جبير منبر الجامع فقال: "ما أرى في بلدٍ من البلاد منبراً على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها خشباً على تلك الصنعة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب، وعلا حتى اتصل بسُمك السقف وقد قوّس أعلاه، وهو مرصع كله بالعاج والأبنوس".

لكن المنبر والمحراب الذين وصفهما ابن جبير في المسجد الأموي بحلب لم يبقيا هناك، بل نُقلا إلى المسجد الأقصى؛ فقد صنع نور الدين زنكي المحراب والمنبر وأراد أن يضعهما في المسجد الأقصى بعد استعادة بيت المقدس. لكنه لم يتمكن من ذلك في حياته، وبقي المحراب والمنبر في الجامع الكبير حتى استطاع صلاح الدين الأيوبي طرد الصليبيين، وعندها نقلهما إلى المسجد الأقصى. وقد رآهما ابن جبير خلال زيارته لحلب في عهد صلاح الدين، قبل نقلهما.

 

التكية السليمانية بدمشق

 

تقع التكية السليمانية غربي دمشق. وترتبط قصة بنائها بقصة عجيبة. يذكر نجم الدين الغزي في كتابه "الكواكب السائرة في أعين المائة العاشرة" أن السلطان العثماني الأشهر سليمان القانوني حلم بأنه يقف في مكان التكية، وأن النبي وقف أمامه. صحا القانوني من منامه وقرر أن يبني تكية عظيمة في تلك البقعة، وأمر أن يُقام المحراب في الموضع الذي وقف فيه النبي (كذا)!

تذكر المصادر التاريخية أن سليمان القانوني أمر المعماري العثماني الشهير معمار سنان بوضع التصميمات اللازمة لبناء تلك التكية. وفي سنة 960ه بدأ مئات العمال في تشييد ذلك المبنى، واستغرق البناء مدة 6 سنوات كاملة. يذكر عبد القادر الريحاوي في كتابه "العمارة في الحضارة العربية الإسلامية" عظمة هذه التكية وأهميتها الكبرى كواحدة من أهم الآثار الدينية الإسلامية في سوريا، فيقول: "هي مجموعة عمرانية فخمة تخلب الألباب بقبابها المنتظمة كالعقد حول قبة رئيسية كبيرة، يحيط بها مئذنتان ممشوقتان، وتتخللها حدائق وأشجار باسقة يمتزج جمالها بمحاسن العمارة فيجعل من هذه البقعة في دمشق من أجمل البقع وأكثرها جمالاً".

مواضيع ذات صلة:

الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.
الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.

وصل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في زيارة رسمية، الخميس، إلى العراق. وقالت وزارة الخارجية السعودية على منصة "إكس" إنه سيبحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات.

تعيدنا هذه الزيارة، إلى البحث عن تفاصيل العلاقة بين البلدين، والمحطات التي مرت بها، والتغيرات التي طرأ عليها.

 

تاريخياً

في السنوات الأولى من عشرينيات القرن العشرين، وصل الملك فيصل بن الحسين إلى عرش العراق. آنذاك، كان عبد العزيز آل سعود سلطانَ نجد قد تمكن من فرض سيطرته على معظم أراضي شبه الجزيرة العربية.

تسبب الصراع القديم بين الأسرة الهاشمية في الحجاز، وأسرة آل سعود في نجد في اندلاع بعض المشكلات الحدودية بين الدولتين الناشئتين في تلك الفترة.

 في جنوبي العراق، وقعت مجموعة من الصدامات المسلحة بين القبائل التابعة للحكومة العراقية والقبائل التابعة للحكومة النجدية، التي ستتحول في ما بعد للمملكة العربية السعودية. 

على إثر ذلك بعث السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق إلى سلطان نجد عبد العزيز آل سعود، يطلب منه إرسال وفد إلى بغداد لبحث موضوع الحدود بين البلدين، فرفض الأخير لتخوفه من تأثر الوفد بالضغوط الإنجليزية العراقية.

أمام هذا الرفض، عرض كوكس إقامة المؤتمر في الأراضي النجدية ووافق آل سعود وقتها، ليُعقد مؤتمر "المحمرة"، حيث التقى كوكس مع الملك السعودي بهدف الاتفاق على إقامة حدود بين نجد والعراق. 

وقع المجتمعون اتفاقية "المحمرة" في مايو 1922، التي نصت على تبعية العشائر الساكنة على الحدود لأي من الدولتين، وجاء في المادة الأولى منها أن حكومتي العراق ونجد "تتعهدان أن تمنعا تعديات عشائرهما على الطرف الآخر ويكون الطرفان مُكلفان في تأديب عشائرهما".

بعد سبعة أشهر، تجدد اللقاء بهدف ترسيم الحدود الثلاثية بين نجد والعراق والكويت. وفي ديسمبر 1922، شهد ميناء العقير -الواقع قرب الإحساء- اجتماع عبد آل سعود وصبيح بك نشأت وزير المواصلات والأشغال ممثلاً عن الملك فيصل الأول ملك العراق، وجون مور الوكيل السياسي البريطاني في الكويت ممثلاً عن الكويت، والسير بيرسي كوكس. 

نتج عن هذا الاجتماع، ترسيم كوكس للحدود بين الدول الثلاث مستخدماً اللون الأحمر، وتقرر إنشاء منطقتين محايدتين الأولى بين الكويت ونجد، والثانية بين العراق ونجد.

خلال شهر فبراير 1930، وبعد سنوات طويلة من الصراع بين الأسرة السعودية في نجد والأسرة الهاشمية في الحجاز وسوريا والعراق، وقع الملك فيصل الأول من العراق والملك عبد العزيز معاهدة السلام على متن إحدى السفن الحربية البريطانية في الخليج العربي، ليتم بذلك تدشين العلاقات الثنائية بين البلدين بشكل رسمي.

 

حرب الخليج الأولى

مثّل حكم النظام البعثي في العراق تهديداً مبطناً للمملكة العربية السعودية، خاصة أن البعثيين في بغداد رفعوا رايات القومية والاشتراكية. كان من الطبيعي أن تثير تلك الشعارات شكوك الرياض التي تعتمد نظام حكم ملكي وراثي.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع حراك آية الله الخميني في إيران وانتصار الثورة الإسلامية، تقاربت مصالح الطرفين -السعودية والعراق- بعدما وجدا في حكم الملالي خصماً مشتركا لكليهما، ذلك أن الخميني أعلن صراحةً عن نيته في تصدير مبادئ الثورة للدول العربية المجاورة.

أعلنت الرياض دعمها لصدام حسين في حرب الخليج الأولى التي دارت في ثمانينيات القرن العشرين، وظهر ذلك الدعم في التأييد الدبلوماسي والمساعدات المالية وشراء الأسلحة.

بحسب بعض المصادر الإيرانية، فإن الرياض قدمت للعراق نحو 30 مليار دولار من مجموع المساعدات التي قدمتها الدول العربية -البالغ حجمها 70 مليار دولار- خلال سنوات الحرب ضد إيران.

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية- صورة تعبيرية.
احتجزوا كرهائن إبان الغزو العراقي للكويت.. ركاب رحلة طيران يعتزمون مقاضاة الحكومة البريطانية
يعتزم ركاب وطاقم رحلة شركة الخطوط الجوية البريطانية (بريتيش إيرويز) الذين تم احتجازهم رهائن في الكويت عام 1990 رفع دعوى ضد الحكومة البريطانية وشركة الطيران للمطالبة بتعويضات، وفق ما أفادت شركة محاماة، الثلاثاء.
 

حرب الخليج الثانية

في 1990، تزايدت حدة التصريحات العدائية بين العراق والكويت بسبب الخلاف حول حصص إنتاج النفط. ومحاولة منه لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، قام الملك السعودي فهد بن عبد العزيز بدعوة البلدين لعقد مباحثات في جدة للتوصل إلى حل بشأن خلافاتهما. 

عُقدت تلك المباحثات في يوليو 1990 لكنها لم تثمر في تخفيف حدة التوتر. ففي بداية أغسطس، أعلن صدام حسين الحرب على الكويت، وقام باجتياحها خلال ساعات معدودة، الأمر الذي عارضته السعودية بشكل قاطع، واعتبرته تهديداً لسلامة أراضيها.

بناءً على ذلك، طلبت الرياض من واشنطن الاستعانة بالقوات الأميركية للتصدي لأي هجوم مُحتمل من القوات العراقية المتمركزة على الحدود العراقية الكويتية السعودية.

في يناير 1991، وبالتزامن مع انطلاق عملية "ثعلب الصحراء"، قامت العراق بإطلاق العشرات من صواريخ سكود على عدد من المدن السعودية، مثل الرياض والجبيل البحرية والظهران وحفر الباطن. 

كما ألغت بغداد جميع المواثيق التي عقدتها مع السعودية منذ سنة 1968 بسبب مشاركتها في التحالف الدولي. 

مع نهاية يناير 1991، شهدت العلاقات السعودية العراقية تطوراً مهماً بعدما قامت القوات العراقية بالسيطرة على مدينة الخفجي، الواقعة شرقي السعودية، قبل أن تتمكن قوات التحالف الدولي من استعادة السيطرة عليها.

ما بعد الغزو الأميركي 

قامت الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين. حينها، أكدت الرياض على عدم دعمها لتلك الحرب، وأعلن وزير الخارجية السعودي أن بلاده لن تقصف العراق أو تسمح باستخدام قواعدها للهجوم على أراضيه. 

على الرغم من ذلك، نقلت بعض التقارير الإخبارية عن عدد من المسؤولين الأميركيين أن السعودية وافقت على استخدام القوات الأميركية لمجالها الجوي وقواعدها الجوية مركزاً للعمليات أثناء اندلاع الحرب.

بحسب دراسة "تطور العلاقات السعودية العراقية... الدوافع والتحديات"، لم تتغير العلاقات بين العراق والسعودية عقب سقوط صدام حسين، حيث حافظت على توترها بالتزامن مع صعود التيار السياسي الشيعي العراقي.

 آثرت الرياض أن تبتعد عن الساحة العراقية مفسحةً الطريق لغريمها العتيد إيران لمقاسمة الولايات المتحدة الأميركية النفوذ داخل بلاد الرافدين.

وفقاً لما يذكره الباحث جوزيف مكميلان في دراسته "المملكة العربية السعودية والعراق.. النفط والدين وتناحر طويل مستمر" المنشورة على موقع "معهد السلام الأميركي"، فإن الرؤية السعودية للعلاقات مع العراق في تلك الفترة تركزت على مشكلة التدفق المُحتمل للعناصر الجهادية من الشمال إلى الجنوب "نظراً إلى صعوبة السيطرة الفعلية على الحدود".

وشعر السعوديون بمخاوف حقيقية من أن يصبح العراق الذي تعمّه الفوضى نقطة جذب للإرهابيين، الذين يعتبرون أن الصراع في العراق تكرار إلى حد ما لتجربة المجاهدين الأجانب في أفغانستان في الثمانينات.

رغم سياستها التي تميل للبعد عن الشأن العراقي في تلك المرحلة، عملت الرياض في بعض الأحيان على إظهار التقارب مع بغداد. ففي أكتوبر 2006، حاولت أن تستغل نفوذها الديني والروحي لوضع حد للتناحر الطائفي المتزايد في الأراضي العراقية.

بعد حادثة تفجير مرقد "الإمامين العسكريين" بمدينة سامراء، استضافت السعودية مؤتمراً للمصالحة العراقية برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي، نتج عنه توقيع أطراف سنية وشيعية على الوثيقة المعروفة باسم "وثيقة مكة"، التي حرّمت الاقتتال المذهبي والاعتداء على المساجد في العراق.

هذا الاهتمام بالشأن العراقي ظهر مرة أخرى عام 2007، إذ انتقد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، عبر خطابه، بقاء القوات الأميركية في العراق، قائلاً "في العراق الحبيب تُراق الدماء بين الإخوة في ظل احتلال أجنبي غير مشروع.. لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة".

محاولات للتقارب

شهدت السنوات الأخيرة، محاولات جادة لإعادة العلاقات الثنائية بين السعودية والعراق. في ديسمبر 2015 تم الإعلان عن افتتاح السفارة السعودية بالعراق، بعد ربع قرن من إغلاقها. ولكن بعد شهر واحد، ساءت العلاقات بين الجانبين مرة أخرى، بعدما أدلى السفير السعودي في بغداد ببعض التصريحات التي حملت انتقاداً للحشد الشعبي.

لاقت تلك التصريحات ردود فعل غاضبة من جانب البرلمانيين العراقيين، وطُلب من السعودية سحب سفيرها من بغداد. في أكتوبر 2016، أرسلت السعودية عبد العزيز الشمري سفيراً جديداً لها في العراق.

بعد سنة واحدة، مرت العلاقة بين البلدين بتطور مهم، إذ استؤنفت رحلات الطيران من السعودية إلى بغداد، بعد انقطاع دام 27 سنة. في الوقت ذاته، زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر عبادي الرياض، لحضور مراسم توقيع اتفاقية مجلس التنسيق السعودي العراقي. 

في يوليو من السنة نفسها، زار زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر السعودية. وأجرى مقابلة مهمة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة. 

من جهة أخرى، شهد عام 2021 تطورا نوعيا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بعد أن تم الاتفاق بين بغداد والرياض على تأسيس صندوق مشترك يقدر رأس ماله بـ3 مليارات دولار يضمن مشاركة القطاع الخاص، وإنجاز مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، والاتفاق على تعزيز فرص الاستثمار للشركات السعودية في العراق.