بدأ التوسع العربي الإسلامي في الأراضي الشامية في السنة الثانية عشر للهجرة. وسرعان ما تحولت أرض سوريا لتصبح جزءاً مهماً من دولة الخلافة الإسلامية. عرفت سوريا الكثير من الأنظمة السياسية الإسلامية التي تعاقبت على حكمها جيلاً بعد جيل. وبُنيت على أرضها في تلك الفترة المئات من المباني المعمارية التي تشهد على التطور الحضاري والثقافي والعمراني في البلاد. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أهم وأشهر المساجد التي عرفتها سوريا عبر القرون.
الجامع الأموي الكبير بدمشق
يُعرف هذا الجامع باسم جامع بني أمية، أو الجامع الأموي الكبير بدمشق. ويُعدّ واحداً من أهم المساجد الأثرية التاريخية الإسلامية على الإطلاق.
شهد موقع الجامع الأموي الكبير بدمشق بناء مجموعة من المعابد والأبنية الدينية المتعاقبة على مر القرون. في سنة 1200 ق.م تقريباً شهد هذا المكان بناء معبد الإله "حُدَد" الأرامي، وهو إله الخصب والرعد والأمطار. وفي القرن الأول الميلادي، بنى الرومان عقب دخولهم لدمشق معبد للإله جوبيتر في هذا المكان.
الجامع الاموي دمشق pic.twitter.com/oYuC3sBwnw
— ☀️إشراقة 📝 (@saharjawhari) December 16, 2022
أما في نهايات القرن الرابع الميلادي فقد أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول بتحويل المعبد إلى كاتدرائية باسم القديس يوحنا المعمدان. وبقيت الكاتدرائية على هذا الوضع حتى وصل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى السلطة فقام بتحويلها إلى جامع كبير وذلك بعدما اتفق مع المسيحيين الدمشقيين. بموجب ذلك الاتفاق، أخذ الوليد مكان الكاتدرائية وحولها إلى جامع وبالمقابل حصل المسيحيون على أربع كنائس كانت بيد المسلمين.
يحتوي الجامع على عدد من الأضرحة والمشاهد المهمة، ومنها حسب الاعتقاد الشائع ضريح يوحنا المعمدان/النبي يحيى، وقبر النبي هود. وينضاف إليها إلى مدفن السلطان صلاح الدين الأيوبي.
جامع خالد بن الوليد بحمص
يقع جامع خالد بن الوليد في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة حمص الواقعة على نهر العاصي. بُني هذا الجامع عدة مرات. كانت المرة الأولى عقب دخول المسلمين لمدينة حمص في القرن الأول الهجري. ويُقال إن خالدا بن الوليد مدفون في القبر الموجود بجوار الجامع.
في العصر المملوكي أُعيد بناء الجامع مرة أخرى. وفي سنة 664ه، مر السلطان الظاهر بيبرس بحمص أثناء مسيره لخوض الحرب ضد مملكة أرمينيا. عندما شاهد بيبرس أطلال المسجد أمر بإعادة بنائه مرة أخرى، وسُجّل ذلك على بعض الكتابات الموجودة بالمسجد.
جامع خالد بن الوليد - حمص
— صور سوريا (@SY_Photos) July 27, 2019
by: ramez alsaj pic.twitter.com/4D3DZfeidS
يعود البناء الحالي للجامع إلى العصر العثماني، ويُقال إن المعماريين أرادوا أن يبنوا الجامع بحيث يصبح نسخة طبق الأصل من جامع السلطان أحمد في إسطنبول. تعرض الجامع لأضرار بالغة في سنة 2013، بعد اندلاع أحداث الثورة السورية. وفي سنة 2015، انطلقت عملية لترميم الجامع بتمويل من الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، وأعيد افتتاحه في فبراير سنة 2019 بحضور مفتي جمهورية الشيشان.
مسجد المنصور بالرقة
يُعدّ هذا المسجد واحداً من أقدم المساجد الأثرية الموجودة في سوريا. في سنة 155ه، قام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ببناء مدينة الرافقة -والتي تُعرف حالياً باسم الرقة- وبنى فيها هذا المسجد. وكان يُعرف باسم المسجد العتيق أو مسجد المنصور.
مدينة الرقة من الجو القرن الماضي.ويبدو الجامع العتيق في وسط الصورة.
— jaret alaassi (@jaretalaassi) December 14, 2021
Recca pic.twitter.com/XmfvctB118
تم ترميم المسجد في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، لكنه تصدع على مر القرون لأنه كان مبنياً من الطوب اللبن. لم يبق من المسجد حالياً إلا السور الخارجي وواجهة الحرم والمئذنة التي بُنيت في عهد الدولة الزنكية في القرن السادس الهجري. بشكل عام، يُعتبر هذا المسجد "المدرسة المعمارية الأولى في العصر الذهبي للعرب خلال الفترة العباسية الأولى، وقد انتشر النمط المعماري الفني لهذا المسجد الفريد في أنحاء مختلفة من العالمين العربي والإسلامي آنذاك".
المسجد العمري بدرعا
يقع المسجد العمري وسط البلدة القديمة بمدينة درعا الواقعة في جنوبي سوريا. يُنسب المسجد إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وتذكر المصادر التاريخية أن الخليفة أمر ببناء المسجد عندما زار المدينة في سنة 14ه. يُقال أيضاً أن بعض الصحابة أشرفوا على عملية البناء ومنهم كل من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل.
13-4-2013
— فطوم أحمد عبد الفتاح (@fattumabdulfat1) April 14, 2022
الذكرى السابعة لاستشهاد مئذنـــة الجامع العمري في مدينة درعـــا
المسجد الذي أمر ببنائه عمــر بـن الخطـاب عندما زارحوران متوجها إلى القدس
وأعيد ترميمه من قبل المحتل الفرنسي
ومرت عليه كلُّ حقب التاريخ ولم يدمره لا غاز ولا مستعمر وسقطت مئذنته شهيدة على يد عصابات الأسد pic.twitter.com/zXI5JnFEcT
تمت إعادة بناء المسجد لأكثر من مرة على مر القرون. وأصبح المسجد في صورته الحالية نسخة مصغرة عن الجامع الأموي بدمشق. من الجدير بالذكر أن للمسجد العمري رمزية كبيرة في الوجدان السوري المعاصر، انطلقت منه أولى المظاهرات ضد النظام السوري في أوائل مارس من سنة 2011. تعرض المسجد بعدها للقصف مراراً أثناء أحداث الثورة. الأمر الذي تسبب في انهيار مئذنته سنة 2013.
المسجد الكبير في قلعة حلب
يُعدّ المسجد الكبير واحداً من أهم المعالم الأثرية الموجود في قلعة حلب، ويقع بجوار سور القلعة الشمالي.
#قلعة #حلب التاريخية الواقعة شمال #دمشق هي أضخم قلعة في العالم بحسب موسوعة #جينيس فهي مجمع ضخم به مباني #أثرية هامة مثل #قصر #العرش و #المسجد الكبير والبوابات والأسوار تابعنا في هذه الرحلة إلى #قلعة_حلب https://t.co/DPNSc3K2nv #موسوعة_المسافر pic.twitter.com/CVQxwSUVmA
— معلومات سياحية (@TravelerPedia) February 17, 2020
بُني هذا المسجد في زمن الملك الغازي الأيوبي سنة 610ه. ويوضح الأمين الأسبق للمتحف الوطني في حلب، شوقي شعث، في كتابه "قلعة حلب"، الأهمية التي حظي بها المسجد في العصور القديمة. يقول: "يُظن أنّ المسجد كان يضم مدرسةً ينهل الطلاب من معين مشايخها ويقيمون في الغرف الموجودة خلف الرواق، وتشير إلى ذلك كتابة موجودة على واجهة المدخل الرئيسي للمسجد إلى يسار الساكف -وهو الجزء المستعرض الذي يعلو الباب- وتعود إلى العصر المملوكي 865 -866 هجرية".
الجامع الكبير في معرة النعمان
يقع الجامع الكبير في معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، ويُعدّ واحدا من أقدم المساجد التاريخية في سوريا. بُني هذا الجامع على يد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح وذلك عقب دخول الجيش الإسلامي إلى المدينة في السنة السابعة عشر من الهجرة. تذكر المصادر التاريخية أن المكان الذي يوجد فيه الجامع كان معبداً وثنياً في العصور السحيقة. بعد انتشار المسيحية، تم تحويل المعبد إلى كاتدرائية كبيرة، ثم تم تحويلها إلى جامع بعد دخول المسلمين.
مأذنة الجامع الكبير في معرة النعمان pic.twitter.com/ONfAzguSBR
— تسنيم على (@alinor565) August 12, 2019
يتألف الجامع حالياً من مجموعة من الأقسام المتمايزة والتي يرجع كل منها إلى حقبة تاريخية مختلفة. "أولاً مئذنة الجامع الكبير وتعود إلى العهد الأيوبي، ثم صحن المسجد الذي يضم "الميضأة" و"المزولة" اللتين تعودان إلى الفترة المملوكية، كما يوجد في الصحن بئر قديم كان يُستخرج منه الماء للشرب، وفي المسجد حَرمان يطلان على الصحن هما الحرم القبلي والحرم الشمالي، ويعودان إلى الفترة المملوكية أيضاً".
يتحدث الباحث عبد الرحيم المصري في كتابه "نبذ من أوابد المعرة" عن أهم الملامح المميزة للجامع فيقول: "أهم ما في الجامع منارته المربعة، وهي أجمل أثر عمراني أبقاه الزمان في "المعرة" وأنفس ذخيرة حفظتها الأيام لتكون مثلاً يدل على مبلغ الفن العمراني في ذلك العهد، وهي- والحق يقال- بديعة الرواء محكمة البناء لا تدانيها في أحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في حلب".
الجامع النوري الكبير بحمص
يقع الجامع النوري في وسط مدينة حمص القديمة. وكان في بدايته معبداً لإله الشمس إيل جبل، وبعد انتشار المسيحية تحول المعبد إلى كنيسة في زمن الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الأول.
بعد دخول المسلمين إلى مدينة حمص، تم تحويل الكنيسة إلى مسجد، وبُني هذا المسجد على النمط المعماري الشائع في شتى المدن السورية في تلك الفترة.
الجامع النوري الكبير بحمص في بداية القرن الماضي pic.twitter.com/W0GUSegxpb
— أرض الذكريات (@Awter9) September 1, 2017
تعرض الجامع للتخريب والهدم في القرن الثاني عشر الميلادي بسبب الزلزال الكبير الذي وقع في بلاد الشام، وبعدها بعقود قام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بترميمه، ولذلك نُسب إليه المسجد فيما بعد فعُرف باسم الجامع النوري.
المسجد الأعلى بحماة
يقع المسجد الأعلى في غربي قلعة حماة. ويعود بناؤه الأول إلى أصول وثنية. كان معبداً مكرساً لعبادة الإله الروماني جوبيتر. في بدايات القرن الرابع الميلادي، أمر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول بتحويل المعبد إلى كنيسة. تحولت الكنيسة فيما بعد إلى مسجد عقب دخول المسلمين إلى المدينة.
كان يوجد في موقع المسجد كتابات باللغتين الحثية والهيروغليفية كانتا موجودتين على حجرين في منتصف الواجهة الجنوبية للحرم سرق الحجرين أجداد #أردوغان خلال فترة الحكم #العثماني وهي الآن موجودة في متحف #اسطنبول#الجامع_الأعلى_الكبير #حماه pic.twitter.com/g2qJFFY0H3
— 🇵🇸🇵🇸 هاشتاغ سوري (@syria_hashtag) January 11, 2018
يحظى المسجد بشهرة واسعة في سوريا. وقد قام الخليفة المهدي العباسي بزيادة بناء الجامع في القرن الثاني الهجري. وكذلك قام نور الدين محمود بترميم بعض أبنيته في القرن السادس الهجري.
الجامع الأموي في حلب
يقع الجامع الأموي في حي الجلوم قرب سوق مدينة حلب القديمة، ويُعرف بعدة أسماء منها الجامع الكبير، وجامع بني أمية، ومسجد النبي زكريا وذلك بسبب الاعتقاد الشائع بأن جزء من جثمان النبي زكريا قد دُفن داخل الجامع.
تم البدء في بناء هذا الجامع في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان. واكتمل بناؤه بعد سنتين في زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك. تعرض الجامع للتخريب على يد البيزنطيين الذين دخلوا حلب في القرن العاشر الميلادي، كما خُرب مرة أخرى على يد المغول في سنة 1260م. على الجانب الآخر، حاول بعض الحكام ترميم الجامع في الكثير من الفترات التاريخية. من أهم تلك المحاولات المحاولة التي قام بها سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري، والمحاولة التي قام بها نور الدين زنكي في القرن السادس الهجري.
أسهب المؤرخون والرحالة في وصف الجامع الأموي بحلب في مؤلفاتهم. على سبيل المثال يقول الرحالة الأندلسي ابن جبير في رحلته: "إنه -أي الجامع الأموي- من أحسن الجوامع وأجملها في كافة البلاد الإسلامية، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح، كله أبواب قصرية الحسن إلى الصحن، عددها ينيف على الخمسين، والبلاط القبلي الحرم لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع".
في السياق نفسه، وصف ابن جبير منبر الجامع فقال: "ما أرى في بلدٍ من البلاد منبراً على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها خشباً على تلك الصنعة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب، وعلا حتى اتصل بسُمك السقف وقد قوّس أعلاه، وهو مرصع كله بالعاج والأبنوس".
لكن المنبر والمحراب الذين وصفهما ابن جبير في المسجد الأموي بحلب لم يبقيا هناك، بل نُقلا إلى المسجد الأقصى؛ فقد صنع نور الدين زنكي المحراب والمنبر وأراد أن يضعهما في المسجد الأقصى بعد استعادة بيت المقدس. لكنه لم يتمكن من ذلك في حياته، وبقي المحراب والمنبر في الجامع الكبير حتى استطاع صلاح الدين الأيوبي طرد الصليبيين، وعندها نقلهما إلى المسجد الأقصى. وقد رآهما ابن جبير خلال زيارته لحلب في عهد صلاح الدين، قبل نقلهما.
التكية السليمانية بدمشق
تقع التكية السليمانية غربي دمشق. وترتبط قصة بنائها بقصة عجيبة. يذكر نجم الدين الغزي في كتابه "الكواكب السائرة في أعين المائة العاشرة" أن السلطان العثماني الأشهر سليمان القانوني حلم بأنه يقف في مكان التكية، وأن النبي وقف أمامه. صحا القانوني من منامه وقرر أن يبني تكية عظيمة في تلك البقعة، وأمر أن يُقام المحراب في الموضع الذي وقف فيه النبي (كذا)!
التكية السليمانية بدمشق عام 1914م pic.twitter.com/fWzk6xH0Av
— أرض الذكريات (@Awter9) October 28, 2020
تذكر المصادر التاريخية أن سليمان القانوني أمر المعماري العثماني الشهير معمار سنان بوضع التصميمات اللازمة لبناء تلك التكية. وفي سنة 960ه بدأ مئات العمال في تشييد ذلك المبنى، واستغرق البناء مدة 6 سنوات كاملة. يذكر عبد القادر الريحاوي في كتابه "العمارة في الحضارة العربية الإسلامية" عظمة هذه التكية وأهميتها الكبرى كواحدة من أهم الآثار الدينية الإسلامية في سوريا، فيقول: "هي مجموعة عمرانية فخمة تخلب الألباب بقبابها المنتظمة كالعقد حول قبة رئيسية كبيرة، يحيط بها مئذنتان ممشوقتان، وتتخللها حدائق وأشجار باسقة يمتزج جمالها بمحاسن العمارة فيجعل من هذه البقعة في دمشق من أجمل البقع وأكثرها جمالاً".
