على مدار الأيام الثلاثة التي تلت إعلان سقوط العاصمة العراقية بغداد عام 2003، تعرض المتحف الوطني العراقي لعملية نهب وتخريب واسعة، عندما أصبح هدفاً للمهاجمين الذين سرقوا وحطموا آلاف القطع الأثرية.
تشير سجلات المتحف العراقي إلى أن عدد القطع المعروضة لحظة الهجوم كانت تبلغ 220 ألف قطعة، تمكن اللصوص من نهب قرابة 15 ألفاً منها، كما دمّروا آلاف القطع التي لم يتمكنوا من نقلها.
الجهود العراقية لاستعادة القطع المسروقة، أثمرت عن استعادة نصف المسروقات فقط، بالتزامن مع ذلك تتواصل عمليات ترميم القطع التي جرى تخريبها خلال الهجوم. في هذا العرض نقدم نّبذة عن أبرز القطع التي تعرضت للسرقة أو التخريب.
"أنتمينا".. الملك مقطوع الرأس
حَكم الملك، أنتمينا سومر خلال الفترة 2400 قبل الميلاد، وهو ملك من سلالة (لكش)، ويعتبر واحداً من أوائل ملوك العراق، وينسب إليه الفضل في تدعيم قوة مملكة لكش، وتوسيع نفوذها.
خَلدت العديد من المباني والآثار فترة الملك، غير أن أبرزها تمثاله "الضخم" الذي عثر عليه مقطوع الرأس، وعدّ من أثمن موجودات المتحف العراقي، ما أهله ليكون على قائمة القطع المنهوبة.
يبلغ وزن التمثال 136 كيلوجراماً، وهو مصنوع من حجر الديوريت الأسود الذي يشبه الجرانيت، ووثّقت على ظهر التمثال كتابات بالخط المسماري تلخص جانب من سيرة إنجازاته والمعارك التي خاضها.
عثر على التمثال في سوريا عام 2006، حيث نقل إلى نيويورك للتأكد من أصالته قبل إعادته إلى المتحف العراقي.
إناء الوركاء.. عودة سريعة
يعتبر الإناء أسطواني الشكل المصنوع من حجر المرمر مع نقوش ملساء بارزة، من أثمن القطع الأثرية في المتحف العراقي، وهو أقدم قطعة فنية عثر عليها في العراق، يعود تاريخ صنعه بين 3200- 3000 قبل الميلاد.
عثر على الإناء البالغة طوله 94 سم، خلال حملة التنقيب التي شهدتها مدينة أور الأثرية عام 1934. إلى جانب القيمة التاريخية والفنية للإناء، تظهر النقوش التي تحيط فيه جانباً من الثقافة التي كانت سائدة في الحضارة السومرية، التي تتمحور حول الخَصب وعبادة الآلهة.
وتتوّزع النقوش التصويرية على أربعة طبقات، الطبقة السلفى تصوّر نمو النباتات في دلتا نهري دجلة والفرات، تعلوها طبقة ترصد واقع الحياة الريفية وتربية الحيوانات، فيما تظهر الطبقة الثالثة طقوس تقديم القرابين للآلهة، أما الطبقة العليا فخصصت لنقش صورة "إنياتا"، وهي آلهة المعبد الذي وُجد به الإناء.
وسُرق خلال اقتحام المتحف عام 2003، وتسبب نزعه العنيف من حافظة العرض إلى كسره، حيث خضع لإعادة ترميم بعد أن أعاده إلى المتحف بعد نحو ثلاثة أشهر ثلاثة شبان مستفيدين من العفو الذي منحته الحكومة العراقية للسارقين حينها.
سيدة الوركاء.. أقدم تصوير لوجه بشري
وجه من الحجر الأبيض يمثل سيدة سومرية، عثرت عليه بعثة تنقيب ألمانية في مدينة أوروك جنوب بغداد عام 1939، يعود تاريخه 3100 قبل الميلاد.
الوجه البالغة طوله 21.2 سم، الذي عثر عليه في معبد "إنانا"، يعتبر أقدم تصوير دقيق للوجه البشري في التاريخ، ودليلاً على تقدم فن النحت في الحضارة السومرية.
تعرض الوجه للسرقة خلال اقتحام المتحف، وتمت إعادته بجهود محلية بعد ورود بلاغ عن وجوده داخل حديقة منزل في بغداد، حيث أعيد إلى المتحف العراقي في سبتمبر 2003.
تمثال باسيتكي.. سرقة مُتعبة
تمثال نصفي مصنوع من نحاس يعود إلى الفترة الأكادية، يبلغ وزنه نحو 150 كيلوغراماً، ويصور رجلاً عارياً يجلس على قاعدة مُستديرة تحتوي على نقوش مكتوبة باللغة الأكدية القديمة.
عُثر على التمثال عام 1960، قرب قرية باسيتكي في محافظة دهوك التابعة لإقليم كردستان شمال العراق، ويعود تاريخه إلى العصر الأكدي بين 2350- 2100 قبل الميلاد.
تشير المعاينة التي أجراها علماء الآثار للمتحف العراقي بعد عملية النهب في 2003، إلى أن سرقة التمثال أجهدت اللصوص، حيث سقط منهم أكثر من مرة على أرضية المتحف تاركاً شقوقاً فيها.
وجرى استرجاعه في أكتوبر 2003، حيث ألقي القبض على اللصوص الذين عثر بحوزتهم على مجموعة من القطع المسروقة من المتحف.
سرجون الثاني.. العودة من نيويورك
حكم سرجون الثاني آشور خلال الفترة من 722 إلى 705 قبل الميلاد، ويعتبر من واحداً من أقوى ملوك العراق القديم، والوحيد الذي مات ودفن خارج بلده.
وسع حكمه ليشمل سوريا وفلسطين، وقاد الجيوش في العديد من المعارك قبل أن يقتل خلال إحداها على حدود آسيا الصغرى حيث دفن هناك.
ترك سرجون الثاني العديد من الآثار التي تشير إلى الإمبراطورية القوية التي بناها، والعديد من الرموز التي تخلده، منها التمثال الذي سُرق من المتحف عام 2003، وأعادته الولايات المتحدة الأميركية في عام 2015، إلى جانب 60 قطعة من الآثار العراقية المهربة، حيث ضبط في أغسطس 2008، خلال عملية شحنه من دبي إلى نيويورك.
القيثارة الذهبية.. صورة للدمار
تحولت صورة القيثارة السومرية المحطمة في أرضية المتحف العراقي عام 2003، إلى أحد الصور الأيقونية للتدليل على حجم الدمار والتخريب الذي تعرض له المتحف على أيدي المهاجمين واللصوص.
تعتبر القيثارة السومرية، أو قيثارة أور، أقدم آلة وترية موسيقية في التاريخ، وتم اكتشاف العديد من القيثارات المماثلة خلال أعمال التنقيب التي جرت في مقبرة أور الأثرية جنوب العراق عام 1929، لكن أهّمهما القيثارة الذهبية التي حفظت في المتحف العراقي وتعرضت للتخريب، والقيثارة الفضية الموجود في المتحف البريطاني.
يعود تاريخ القيثارة إلى 4500 قبل الميلاد، وتتكون من صندوق صوتي مصنوع من خشب الأرز، وساقين يمتدان إلى الأعلى في نهايتهما حامل الأوتار، وتحتوي على 11 وتراً مثبتة بمسامير ذهبية، وهي مطعمة بالذهب والصدف، يتصدر مقدمتها رأس عجل مصنوع من الذهب.
أقدم اللصوص على العبث بالقيثارة من خلال تدميرها فحطموا رأس العجل الذهبي، كما جردوها من الصفائح الذهبية والفضية، وجرى ترميمها بعد الاستعادة، وهي معروضة حالياً في المتحف العراقي.
