حظيت أطروحة آية الله الخميني حول مسألة ولاية الفقيه بانتشار واسع بين العديد من الأوساط الشيعية منذ سبعينيات القرن العشرين. على الرغم من ذلك، توجد الكثير من الأفكار الشيعية المقابلة التي ترفض ولاية الفقيه، وتعدّها نوعاً من أنواع البدع التي تعارض الأسس التقليدية للتشيع الإمامي الاثني عشري، وجماعة الحجتية من أشهرها.
يذكر الباحث المصري محمد الصياد في كتابه "فقه الانتظار"، أن جماعة الحجتية ظهرت للمرة الأولى في إيران في خمسينيات القرن العشرين في مدينة مشهد على يد الشيخ محمود ذاكر زادة المعروف باسم محمود الحلبي.
عُرفت الجماعة باسم الحجتية نسبةً إلى الإمام الحجة محمد بن الحسن العسكري، وهو الإمام الثاني عشر بحسب التقاليد الشيعية الاثني عشرية.
يمكن القول إن ظهور الجماعة كان بمثابة ردة فعل بعد انتشار الكثير من الأفكار المخالفة للتشيع التقليدي في المجتمع الإيراني في تلك الحقبة، حيث سعت الجماعة للدفاع عن التشيع من خلال التأكيد على مفهوم الإمام الغائب الذي لا يزال على قيد الحياة وينتظر أمر الله من أجل الظهور مرة أخرى.
ولتحقيق هذا الهدف، هاجمت الجماعة العقائد البابية والبهائية، كما انتقدت الأيديولوجيا الشيوعية التي انتشرت بشكل كبير في إيران خلال تلك المرحلة.
تنظيم الجماعة
في كتابه "حزب قاعدين زمان" تحدث عماد الدين باقي، وهو واحد من الأعضاء السابقين في الجماعة الحجتية، عن الشكل التنظيمي الذي عُرفت به الجماعة منذ تأسيسها.
يقول باقي: "الجماعة تألفت من مجموعة من اللجان النوعية، واختصت كل منها بعدد من المهام المحددة. من أهم تلك اللجان لجنة التجنيد، المسؤولة عن البحث عن الأعضاء الجدد بغية ضمهم للجماعة. ولجنة التدريس، ويقوم أفرادها بتدريس بعض المعلومات البسيطة عن أفكار البابية والبهائية والماركسية لباقي أعضاء الجماعة، حتى يتمكنوا من الرد على شبهات الفرق المنحرفة".
"كذلك وجدت لجنة للتجسس، وتضم مجموعة من الجواسيس الذين يجمعون المعلومات من كافة الأماكن، ويرفعونها في تقارير إلى قيادة الجمعية. وجدت أيضاً لجنة مسؤولة عن العلاقات الخارجية، وتمحورت وظيفتها حول مواجهة المد البهائي خارج إيران، من خلال إقامة علاقات قوية مع المجتمعات الشيعية المسلمة في دول الهند وإنجلترا وأميركا والنمسا وأستراليا ودول أخرى"، وفق باقي.
واشتهر الحجتية بالرؤى والأحلام، إذ كان من المعتاد أن يتحدث أعضاء الجمعية عن رؤيتهم للمهدي في أحلامهم، ومن خلال تلك الأحلام تلقوا الكثير من الأوامر المهمة، كما زعموا,
يقول باقي موضحاً أهمية تلك الأحلام في الدعاية للجمعية: "كان أعضاء الجمعية يُرسلون بانتظام من طهران إلى المدن ويروون حلماً ويعطونه للآخرين على شكل شريط، حتى يُعاد هذا الشريط بعد الاستماع إلى الجمعية...".
في الحقيقة، ظهرت الكثير من الانتقادات التي وُجهت للجماعة الحجتية. يوضح باقي أن "أعداء الجمعية أشاعوا باعتقاد أعضائها بأنه يجب أن يزداد القهر والفساد حتى يظهر إمام الزمان، ولهذا السبب لم يكن عندهم -أي الحجتية- اعتقاد بضرورة محاربة الظلم والفساد فحسب، بل إنهم ساعدوا أحيانًا على الترويج للفساد".
ينفي باقي ذلك الرأي، ويستشهد ببعض أدبيات الجمعية التي ورد فيها تشجيع أعضاء الجمعية على ما سماه بالانتظار الإيجابي. جاء في تلك الأدبيات "في مدرسة الانتظار على المرء أن يبذل قصارى جهده لتحسين البيئة الاجتماعية. لذلك فإن الانتظار يتطلب خلق الخير والجدارة والاستحقاق والإصلاحات والعمل والجهد والحركة وما شابه ذلك. الانتظار هو حالة مجتمع ديناميكية. لا تجلس صامتاً وتتحلى بالصبر وتنتظر أن يأتي غيرك ويصلح الأمور... يجب أن تخلق البيئة بتضحياتك وتنير أفكار الناس، وخاصة أولئك الذين ضلوا طريقهم عن الإسلام، حتى يتمكنوا من الاستعداد لانتفاضة وحكم الإمام...".
في السياق نفسه برأ المفكر الإيراني عبد الكريم سروش جماعة الحجتية من تهمة خلق الفوضى وإشاعة الظلم والجور في دراسته "التشيع والمعضل الثلاثي"، مبيناً: "...وينبغي التذكير بأنّ أعضاء منظمة الحجتية يبرأون بشدّة من هذه النسبة والتهمة، ويعدّونها أكذوبة اختلقها أعداؤهم. ربما كان الأصح اعتبار المهدوية الحجتية من الناحية السياسية من الذي يميلون إلى اعتزال السياسة، وإلى التعايش مع جميع الحكومات، حتى يظهر الإمام المهدي في آخر الزمان من تلقاء نفسه...".
الحجتية والخميني
مرت علاقة جماعة الحجتية بآية الله الخميني بالكثير من المنعطفات المهمة. يقول الباحث مهدي خليجي في دراسته "Apocalyptic Politics: On the Rationality of Iranian Policy"، إن "الشيخ محمود الحلبي حاول أن يبعد جماعته عن الانخراط في العمل السياسي. كانت النظرية السياسية للحجتية في تلك الفترة تتطابق مع الآراء الشيعية التقليدية، التي تعترف بالحكومة غير الدينية وتحظر أي محاولة للإطاحة بها".
ينقل خليجي بعض التصريحات التي أدلى بها حلبي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، التي أكدت على موقف الجماعة الرافض للعمل السياسي. من تلك التصريحات أنه -أي حلبي- قال في خطاب عام ذات مرة: "الحكومة الإسلامية فكرة جيدة، ولكن عليك أولاً العثور على شخص معصوم من الخطأ. القائد الذي يستطيع قيادة المجتمع بحكم عصمته. دماء الناس وممتلكاتهم وشرفهم ونساؤهم لا يمكن تسليمهم لمن يخطئ أو يتبع غرائزه، يجب أن يتم تسليمها إلى الإمام المعصوم وحده".
وينقل كذلك بعض بيانات الجمعية في تلك الفترة، جاء في بعضها: "الجمعية لن تتدخل في الشؤون السياسية بأي شكل من الأشكال. كما أنها لن تتحمل مسؤولية النشاط السياسي لأي شخص من التابعين للمنظمة".
يذكر محمد الصياد في كتابه أن الحجتية في تلك المرحلة كانوا على علاقة جيدة بآية الله الخميني، حيث سمح الخميني لأتباعه في تلك الفترة بدفع الزكاة والأخماس إلى محمود الحلبي وجماعته، وذلك للإنفاق على أعمالهم المتمحورة حول مكافحة المد البهائي.
وفي سبعينيات القرن العشرين، مع تبلور نظرية الخميني عن ولاية الفقيه، ظهرت الخلافات بين الجماعة والخميني، وعندئذ أصدر الخميني بعض التصريحات التي ترفض أفكار الجماعة.
وعلى الجهة المقابلة اختارت الجماعة أن تبتعد عن مظلة الخميني وأن تنضوي تحت لواء مرجعية السيد أبي القاسم الخوئي في العراق.
بسبب أفكار الحجتية الرافضة للمشاركة في العمل السياسي لم تشارك الجماعة بشكل رسمي في أحداث الثورة الإسلامية سنة 1979. رغم ذلك شارك الكثير من أعضائها في المناصب الرسمية عقب إعلان قيام الجمهورية الإٍسلامية، واضطُرت الجماعة حينذاك لمسايرة الأمر الواقع فعدلت ميثاقها لينص على أن "الجمعية تدعم استمرار الجمهورية الإسلامية حتى قيام المهدي المنتظر، ونجد من واجبنا أن نقوم بأي خدمة في المجالات السياسية والاجتماعية اتباعاً لتوجيهات الزعيم العالي القدر -الخميني-...".
تذكر الباحثة فاطمة الصمادي في كتابها "التيارات السياسية في إيران"، أن الحجتية اصطدموا مع الخميني في الكثير من المواقف التي وقعت بعد الثورة. على سبيل المثال، أدانت الجماعة الحرب ضد العراق بسبب أن الإمام الثاني عشر لا يقودها بنفسه، وهو ما يتعارض مع الروايات الشيعية التقليدية التي تذكر أن "كل راية تُرفع قبل ظهور المهدي فهي راية تدعو إلى النار".
أدى ذلك إلى انتقاد الخميني للجماعة في بعض خطاباته عندما هدد "بكسر كل من يعمل ضد الثورة وقدمه".
في سنة 1983، ومع تزايد الضغوط على الجماعة، قام الشيخ محمود الحلبي بالإعلان عن حل التنظيم.
يذكر خليجي أن الكثير من أعضاء الحجتية انضموا بعدها إلى صف الخميني، من هؤلاء كل من علي أكبر ولايتي، وكمال خرازي وزير الخارجية السابق،وعلي أكبر بارفاريش وزير التربية الأسبق، ومصطفى جمران وزير الدفاع الأسبق، وغيرهم.
وفي عام 1997، توفي الشيخ محمود الحلبي مؤسس الجماعة ليُسدل الستار بذلك على المرحلة الأهم في تاريخ الحجتيين.
توضح الصمادي في كتابها بعض الأمور التي ظهر فيها الخلاف الكبير بين خطاب الجماعة الحجتية من جهة، وخطاب نظام الخميني من جهة أخرى. من ذلك أن الجماعة كانت تنظر بلامبالاة إلى الإمبريالية العالمية والأميركية، بعكس موقف الخميني الذي أطلق لقب "الشيطان الأكبر" على أميركا، وعدّها مسؤولة عن الظلم الذي تتعرض له أغلبية الشعوب الفقيرة في العالم.
أيضاً، لم تشجع الجماعة على تقديم الدعم للقضية الفلسطينية بسبب أن الفلسطينيين من أهل السنة والجماعة، وذلك بعكس السياسة التقليدية للنظام الإيراني الذي اعتاد أن يجعل من القدس محوراً لخطابه الدعائي والسياسي.
أحمدي نجاد والحجتية
ارتبط اسم الجماعة الحجتية في السنوات الأخيرة بشخصية الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي اعتلى كرسي الرئاسة في إيران بين 2005- 2013.
يوضح الباحث رشيد يلوح في دراسته "المهدوية في إيران المعاصرة"، أسباب هذا الارتباط في عدد من النقاط، منها إصرار نجاد على افتتاح كل خطاباته وأحاديثه الرسمية بدعاء التعجيل بخروج الإمام الغائب، وكذلك قربه الشديد من اسفنديار رحيم مشائي، الذي اُتهم بتزعم جماعة سرية منبثقة عن جماعة الحجتية.
تذكر فاطمة الصمادي في كتابها أن أحد نواب مجلس الشورى الإيراني سأل نجاد يوماً ما إذ كان يتبع جماعة الحجتية، فرد نجاد عليه بالنفي قائلاً: "هذا اتهام لا ينسجم مع صفاتي الشخصية...".
في الحقيقة، يفرق بعض الباحثين بين الأفكار التي ظهرت في تصريحات أحمدي نجاد من جهة، وأفكار جماعة الحجتية من جهة أخرى. على سبيل المثال يقول مهدي خليجي في دراسته، إن الفصيل الذي ينتمي إليه نجاد يعتقد بأن "التعاليم الشيعية الفريدة تجعل العلم الحديث غير ضروري. هذا نهج مختلف تماماً عن نهج الحجتية، التي لا يعارض أعضاؤها عادةً العلم الحديث".
بشكل عام، يوجد اعتقاد قوي بأن جماعة الحجتية تمكنت من استعادة الكثير من قواها وزخمها في السنوات الأخيرة.
يوضح خليجي: "هناك بعض التقارير المخابراتية التي تذكر أن نشاط جماعة الحجتية عاد -بشكل سري- من جديد. وأن الشيخ حسن افتخار زاده -الذي كان من تلاميذ الشيخ محمود الحلبي- هو الزعيم الجديد للتنظيم".
المعنى نفسه ذهب إليه الباحث محمد الصياد في كتابه عندما قال، إن "الجماعة اليوم من أقوى التنظيمات الدينية في إيران، ولا تريد إستراتيجياً المواجهة مع هذا النظام أو غيره، ولا يريد النظام حتى الآن -تكتيكياً- مواجهة الجماعة أو استئصالها من التربة الإيرانية...".
