وردت أخبار الغزوات العربية في بلاد العراق والشام في القرن السابع الميلادي في العديد من المصادر التاريخية الإسلامية، منها كل من "المغازي" لمحمد بن عبدالله الواقدي، و"تاريخ الرسل والملوك" للطبري، و"الكامل في التاريخ" لابن الاثير.
قُدمت تلك الغزوات في السردية الإسلامية باعتبارها فتوحاً مجيدة، جاهد فيها المسلمون بغية إعلاء راية الدين الإسلامي والقضاء على "معاقل الشرك المجوسية والنصرانية على حد سواء".
في المقابل، وصلتنا القليل من الكتابات السريانية التي عبرت عن وجهة نظر العراقيين والشاميين في تلك الغزوات. فما الظروف التي سبقت وقوع الفتوحات الإسلامية في العراق والشام؟ وكيف نظر المؤرخون السريان للفاتحين العرب الذين تمكنوا من غزو بلادهم في سنوات معدودة؟ وكيف قيّم السريان تلك الفتوحات في كتاباتهم؟
بين البيزنطيين والساسانيين
عاشت كل من سوريا والعراق في مطلع القرن السابع الميلادي تحت الحكم البيزنطي والفارسي على الترتيب. يذكر المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه الشهير "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها"، أن البيزنطيين فرضوا سلطانهم على بلاد الشام ومصر، أما الفرس الساسانيين فأقاموا إمبراطورية قوية في الهضبة الإيرانية وبلاد الرافدين.
بشكل عام، لا نعرف الكثير عن الظروف التي عاش فيها السوريون والعراقيون تحت حكم الإمبراطوريتين العظميتين، ولكن تذكر المصادر التاريخية أن كلاً من الشعبين عاش في ظروف قلقة ومتوترة إلى حد بعيد.
كانت الحروب بين البيزنطيين والساسانيين لا تكاد تتوقف حتى تندلع من جديد، وعاش الشعبان طوال الوقت تحت تهديد الإغارة والغزو.
من جهة أخرى، لعبت الأوضاع الدينية السائدة في تلك الفترة دوراً مهماً في زيادة القلاقل والاضطرابات في المنطقة. يلقي المؤرخ الأميركي ويل ديورانت الضوء على تلك الأوضاع في كتابه "قصة الحضارة"، بقوله إن "المعتقدات المذهبية والطائفية أسهمت -بحظ وافر- في تشكيل كل من الهويتين العراقية والشامية. كان المذهب النسطوري المدعوم من الإمبراطورية الساسانية منتشراً بشكل كبير بين المسيحيين العراقيين، أما في الشام، فكان المذهب اليعقوبي والمذهب الملكاني الأكثر انتشاراً وتأثيراً".
وبحسب ديورانت " وقعت الجولة الأخيرة من الحرب الساسانية البيزنطية في الربع الأول من القرن السابع الميلادي، وحقق الفرس بعض الانتصارات في بداية الحرب. وأشار لها النص القرآني في الآية الثانية من سورة الروم (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)…".
ولكن سرعان ما تبدلت الأوضاع بالتزامن مع وصول الإمبراطور هرقل إلى العرش لتتمكن الجيوش البيزنطية من تحقيق العديد من الانتصارات المهمة على الفرس.
تسببت تلك الحرب الطويلة في إنهاك الساسانيين والبيزنطيين معاً، وهيأت الفرصة لصعود نجم العرب المسلمين الذين انطلقت جيوشهم لغزو البلاد الشامية والعراقية في ثلاثينيات القرن السابع الميلادي.
أسموهم "السراسنة"
كان العرب معروفين بشكل جيد جداً لدى شعوب العراق والشام قبل وقوع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، وكان الاسم الأشهر الذي عُرفوا به في الكتابات السريانية هو السراسنة.
لا نعرف -بشكل دقيق- أصل كلمة سراسنة، والاحتمال الأكبر أنها تعود لاسم السيدة سارة زوجة النبي إبراهيم، ومن الممكن أن يكون معناها "عبيد سارة"، كما ذكر الدكتور جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".
استدعى السريان قصص العهد القديم بالتزامن مع بدء الغزوات العربية للعراق والشام، وربطوا بين ما ورد في سفر التكوين لإسماعيل بأنه "يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ…"، وما حدث من تغلب للجيوش العربية على القوات البيزنطية والساسانية.
في السياق نفسه، ربط بعض الإخباريين بين العرب السراسنة وبعض النبوءات الواردة في العهد القديم. على سبيل المثال ذكر المؤرخ الأرميني سيبيوس الذي عاش في القرن السابع الميلادي في كتابه "تاريخ هرقل"، أن الجيوش العربية هي المقصودة في قصة الوحوش الأربعة الواردة في سفر دانيال.
وأضاف أن "العرب هم الوحش الرابع الوارد في هذا السفر، الذي وصف بأنه (هَائِلٍ وَقَوِيٍّ وَشَدِيدٍ جِدّاً، ذِي أَسْنَانٍ ضَخْمَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، افْتَرَسَ وَسَحَقَ وَدَاسَ مَا تَبَقَّى بِرِجْلَيْه)".
"عقاب إلهي"
يقول الباحث تيسير خلف في كتابه "الرواية السريانية للفتوحات العربية": "على الرغم من مشاركة السريان في جيوش البيزنطيين، قادة وضباطاً وجنوداً، إلا أن الموقف السرياني العام كان معادياً للسلطة البيزنطية، والسبب في ذلك الخلاف الديني الناشئ بعد مجمع خلقدونية، وما يتعلق بطبيعة السيد المسيح".
تسبب ذلك الشعور العام في قبول الفتوحات العربية إلى حد بعيد. كما تم اعتبارها نوعاً من أنواع القدر الإلهي الذي لا يمكن تغييره، ومما يدل على ذلك ما ذكره المؤرخون السريان في كتاباتهم عندما قالوا إن "هناك الكثير من العلامات والإشارات الطبيعية التي دلت على أن غزوات العرب تمت بأمر من الله".
وجاء في كتاب "تاريخ الزوقنيني المنحول" لديونيسيوس التلمحري: "في سنة 626 م، سقطت نجوم من السماء باتجاه الشمال كالنبال، وهذه كانت علامة لهزيمة الروم واستيلاء المسلمين على ديارهم".
كذلك ذكر ابن العبري في كتابه "تاريخ مختصر الدول": "في السنة السابعة عشر لحكم هرقل انكسف نصف جرم الشمس وثبت كسوفها من تشرين الأول إلى حزيران. ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير"، دلالة على الغزو والهزيمة كسابقه.
في السياق نفسه، ذكر اسطفان الدويهي في كتابه "تاريخ الأزمنة"، أن هناك بعض "العلامات المخيفة" التي وقعت بالتزامن مع ابتداء الغزو العربي لبلاد الشام، منها "ظهور سيف عظيم في السماء، ووقوع الزلازل في فلسطين لمدة ثلاثين يوماً متواصلة".
ينقل الباحث حسام عيتاني في كتابه "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" عن يوحنا الفنكي، وهو أحد الإخباريين السريان الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أنه قال في روايته عن الفتوحات العربية في بلاد الشام والعراق إن "ظهور المسلمين وتحقيقهم للانتصارات المتوالية لا يمكن أن يكون أمراً عادياً. بل يجب التعامل معه باعتباره أمراً إلهياً، فقد وضع الله النصر بين أيديهم كما لو كانت الكلمات التي تعنيهم تنفذ بحذافيرها: رجل يطارد ألفاً، واثنان يهزمون عشرة آلاف (سفر التثنية، الإصحاح 32، الآية 30). وإلا كيف أمكن لعراة يمتطون جيادهم دون دروع أو تروس أن يفوزوا في غنى عن المساعدة الإلهية؟ لقد دعاهم الله من أقاصي الأرض حتى يدمر بهم مملكة آثمة، وحتى يذل بهم روح الفرس المتفاخرة".
من جهة أخرى، اعتبر السريان أن انتصار العرب "نتيجة طبيعية لتقصير الشعوب المسيحية في حق الله". في هذا المعنى وصف المؤرخ الأرميني سيبيوس الغزوات العربية بالشر وقال: "...مرة أخرى ينبغي علي الحديث عن الشر الذي نزل بنا في زمننا هذا، وكيف تمزق رداء الإيمان القديم وكيف نفث القيظ الجاف رياحه علينا وأحرق الأشجار المورقة الجميلة الباسقة في بساتيننا الحانية. وهذه هي الحقيقة، لأننا ارتكبنا الإثم ضد الرب وأغضبنا قديس إسرائيل".
أيضاً توجد بعض النصوص السريانية التي تفسر انتصار المسلمين بـ"التدهور الأخلاقي الذي عاشت فيه الشعوب المسيحية في بلاد الشام والعراق"، ينقل حسام عيتاني عن إحدى المخطوطات السريانية التي دونت في تسعينيات القرن السابع الميلادي: "...ليس لأن الله يحبهم منحهم القوة للسيطرة على أراضي المسيحيين، بل لتفلت المسيحيين من القانون تفلتاً لم يقع مثيل له وربما لن تشهده أجيال بكاملها على الأرض. لماذا ارتدى الرجال ثياب النساء الزانيات والمومسات وزينوا أنفسهم بزينة النساء ووقفوا علناً في الساحات والأسواق وبدلوا عاداتهم الطبيعية بأخرى غير طبيعية...؟ الأمر ذاته فعلته النساء. لقد لامس الأب والابن والأخ المرأة ذاتها التي تلامس كل الأقارب... لهذه الأسباب سلمهم الله إلى البرابرة، بسبب خطاياهم ونتنهم. ستلوث النساء أنفسهن بالرجال الذين تلوثوا سابقاً وسيحصل أبناء إسماعيل على الغنائم".
انتقاد القسوة وإشادة بالعدالة
من النقاط المهمة التي يمكن ملاحظتها على النصوص السريانية التي تناولت أحداث الغزو العربي لبلاد الشام والعراق، أنها جمعت بين انتقاد الغزاة في بعض الأحيان والإشادة ببعض قادتهم في أحيان أخرى.
من أوضح الأمثلة ما ورد في "تاريخ بطريرك أنطاكية"، لـ مار ميخائيل السرياني الكبير، في سياق الحديث عن غزو بلاد الشام: "بعد انتصارهم على الروم، جاء المسلمون إلى دمشق وأعطوا الأمان لأهلها، ثم أخضعوا غيرها من المدن. ومن هناك أرسل عمر خالد بن الوليد على رأس جيش إلى منطقة حلب وأنطاكية وفتكوا بعدد كبير من الناس، بحيث لم يستطع أحد منهم النجاة. ومهما تحدثنا عن المآسي التي قاستها منطقة سوريا، سنظل عاجزين عن الحديث عن جميعها لكثرتها…".
كذلك وردت الإشارة إلى قسوة الغزاة وغلظتهم في موضع آخر من الكتاب نفسه. يحكي مار ميخائيل، في أحداث السنة السابعة والعشرين من حكم الإمبراطور البيزنطي هرقل، أن "بعض المدن الشامية رفضت دفع الجزية للمسلمين. فقام المسلمون بإخضاع تلك المدن وقتلوا جميع من فيها من الروم".
أيضاً، توجد بعض الإشارات التي تلقي الضوء على الاضطهاد الديني المبكر الذي تعرض له المسيحيون في بعض الأحيان. من ذلك أن المسلمين لما أرادوا أن يبنوا مسجداً لهم في بيت المقدس فإن البناء تهدم. وقال لهم اليهود عندها إن المسجد لن يقام إلا بعد إزالة الصلبان المرفوعة بجوار كنائس المسيحيين.
"فلما أنزلوا الصليب ثبت البناء. وبهذه الحجة أنزلوا صلباناً كثيرة، وسادت منذئذ في دولة المسلمين الكراهية للصليب. وأخذوا يضطهدون المسيحيين لإكرامهم الصليب… وأمر عمر خليفة المسلمين بعدم ظهور الصلبان في الأعياد أو خلال التشييع فسُرّ اليهود لهذا القرار، وأنزلوا الصلبان من الكنائس…"، بحسب مار ميخائيل.
على الجهة المقابلة، أشاد المؤرخ نفسه بـ"عدل الخليفة عمر بن الخطاب" في أكثر من موضع من كتابه، من ذلك أن الخليفة عمر لما دخل إلى بيت المقدس قابل البطريرك صفرنيوس، ولما شاهد البطريرك الثياب البالية التي يرتديها خليفة المسلمين، عرض عليه بعض الثياب الجديدة، لكن عمر رفض قبول تلك الثياب "لأنه أعتاد على ألا يأخذ شيئاً من أحد. وكان يقول (لا ينبغي على المرء أن يأخذ شيئاً من آخر لم يعطه الله إياه، لأن الله يعطي كل إنسان ما يريده، وإذا طمع بما عند رفيقه يكون قد تصرف ضد مشيئة الله".
تظهر إشادة مار ميخائيل بعمر بن الخطاب بشكل أكثر وضوحاً في قوله: "...والحق يقال، إنه -أي عمر بن الخطاب- كان عادلاً وغير جشع، بحيث أنه لم يأخذ شيئاً لنفسه مما غنم من أموال وكنوز الفرس والروم بعد السيطرة عليهم… وكان يضع عباءته تحته لدى ركوبه الجمل، وإذا ما جلس أو نام كانت الأرض مقعده وسريره…".
