ساهم التحالف بين محمد عبد الوهاب وأمير الدرعية محمد بن سعود في قيام الدولة السعودية الأولى.

ارتبط مصطلح السلفية في العقود الأخيرة بالحركة الوهابية. ظهرت تلك الحركة على يد رجل الدين محمد بن عبد الوهاب في نجد في القرن الثامن عشر. اختلف المؤرخون والباحثون حول تقييم تلك الحركة. اعتبرها البعض حركة تصحيحية تجديدية عملت على "إحياء السنة" و"القضاء على البدع"، فيما عدّها أخرون "فتنة تكفيرية" متشددة. من هو محمد بن عبد الوهاب؟ وكيف انتشرت حركته في منطقتي نجد والحجاز؟ وما الدور الذي لعبه محمد علي باشا والي مصر في القضاء على تلك الحركة؟

 

محمد بن عبد الوهاب

 

ولد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي في منطقة العيينة الواقعة في منطقة نجد شمالي غرب الرياض في سنة 1703م. وكان أبوه واحداً من أبرز قضاة نجد المشتغلين بالمذهب الحنبلي. يتحدث أحمد أمين في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" عن بدايات ابن عبد الوهاب فيقول: "تعلم دروسه الأولى بها -يقصد العيينة- على رجال الدين من الحنابلة، وسافر إلى المدينة ليتم تعليمه، ثم طوف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغداد، وسنة في كردستان، وسنتين في همذان، ثم رحل إلى أصفهان ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوف، ثم رحل إلى قم…".

بعد أن انتهت رحلة ابن عبد الوهاب العلمية، رجع إلى نجد مرة أخرى. واستقر في منطقة حريملاء التي انتقل أبوه إليها بعد خلافه مع حاكم العيينة.

 

انتشار "الدعوة"

 

في تلك المرحلة قام محمد بن عبد الوهاب بتأليف كتاب التوحيد. وبدأ في الإعلان عن أفكاره الداعية للابتعاد عما سماها "مظاهر الشرك" والانصراف عن تعظيم القبور، متأثر بأفكار الشيخ تقي الدين بن تيمية الذي عاش في القرن الثامن الهجري، ولا سيما فيما يخص "رفض البدع" والحرص على "اتباع السنة والاقتداء بالسلف".

تحالف مع المماليك وحارب المغول: كيف نفهم علاقة ابن تيمية بالسياسة؟
عاش الفقيه ابن تيمية الحراني المتوفى 728 للهجرة، في فترة تاريخية حرجة، شهد هزيمة الخلافة العباسية على يد المغول، وانتصار المماليك على المغول، تنوعت مواقفه السياسية والدينية وأثارت الكثير من الجدل حتى بعد وفاته.

حاول ابن عبد الوهاب نشر دعوته في منطقة حريملاء، ولكنه اصطدم بمعارضة أهلها لأفكاره فاضطر للعودة إلى العيينة مرة أخرى. ولاقت دعوته هناك ترحيباً من قِبل أميرها عثمان بن معمر.

وفي تلك الفترة، تمكن ابن عبد الوهاب من نشر دعوته بين الكثير من الرجال. يقول عثمان بن عبد الله بن بشر في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" واصفاً تطور حال الدعوة الوهابية: "ثم صار أمره -يقصد ابن عبد الوهاب- في ازدياد واجتمع معه عصابة نحو سبعين رجلاً…". وتهيأت الظروف لتطبيق أفكار ابن عبد الوهاب فيما كان يراه "أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر" بشكل عملي. جاء في كتاب "تاريخ ابن غنام" أن ابن عبد الوهاب قام بهدم القباب المبنية على القبور، ومن أشهرها القبة المبنية على قبر الصحابي زيد بن الخطاب. وكذلك قام الشيخ وأتباعه بقطع الأشجار التي اعتاد الناس التبرك بها. ومن تلك الأشجار شجرة قريوة، وشجرة أبي دُجَانة، وشجرة الذيب.

 

التحالف مع آل سعود

 

استمر التحالف بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمير العيينة عثمان بن معمر قائماً حتى سنة 1744م. في تلك السنة وقعت حادثة مهمة تسببت في إنهاء هذا التحالف. اُتهمت إحدى النساء في العيينة "بالزنا"، وأصر ابن عبد الوهاب على رجمها. أثارت تلك الواقعة غضب أمراء منطقة الإحساء الذين يتبعهم عثمان بن معمر. وطلبوا من حاكم العيينة التخلص من ابن عبد الوهاب. عندها تحدث عثمان مع الشيخ وأقنعه بضرورة رحيله من العيينة للحفاظ على حياته.

توجه ابن عبد الوهاب إلى مدينة الدرعية التي تبعد 20 كيلومترا عن العاصمة السعودية الحالية الرياض. ونزل فيها ضيفاً في بيت أحد أتباعه. وعندما عرف أمير الدرعية محمد بن سعود بوصوله إلى مدينته، ذهب إليه وعرض عليه النصرة والتأييد، واتفق الرجلان على إقامة تحالف بينها. وعرف هذا الاتفاق بميثاق الدرعية.

تحدث ابن غنام، وهو من تلاميذ محمد بن عبد الوهاب، في تاريخه عن نتائج هذا التحالف، وعن تقاسم السلطات بين الشيخ والأمير. يقول: "وقد بقي الشيخ، بيده الحل والعقد، والأخذ والإعطاء، والتقديم والتأخير. ولا يركب جيش، ولا يصدر رأي من محمد بن سعود، ولا من ابنه، عبد العزيز، إلا عن قوله ورأيه…". لكن أمين الريحاني يذكر في كتابه "تاريخ نجد الحديث وملحقاته" أن محمد بن عبد الوهاب لم يكن يتدخل بشكل مباشر في شؤون الملك "ولكن الأمير محمداً وابنه عبد العزيز كانَا يستشيرانِه في الأحكام الشرعية، وكانت له الكلمة الأولى في المبايعة على الإمامة".

 

السقوط

 

توفي الأمير محمد بن سعود في سنة 1765م، ولحق به الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سنة 1792م. لم تنته الدولة السعودية مع وفاة الأمير والشيخ، بل ظلت قائمة تحت راية الأمير عبد العزيز بن محمد الذي تسلم قيادة الدولة من أبيه.

تمكن التحالف السعودي الوهابي في تلك المرحلة من السيطرة على العديد من القبائل الواقعة في شرقي شبه الجزيرة العربية. تحدث مفتي مكة أحمد بن زيني دحلان في كتابه "فتنة الوهابية" عن تلك الفترة، فقال: "واتسع ملكهم -أي السعوديين- فملكوا اليمن والحرمين وقبائل الحجاز، وبلغ ملكهم قريباً من الشام".

يذكر الدكتور محمد بن سليمان بن عبد العزيز الخضيري في كتابه "الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية" أن العثمانيين في هذا الوقت استشعروا الخطورة البالغة التي يمثلها الوهابيون وحلفاؤهم السعوديون على نفوذهم في شبه الجزيرة العربية. ولذلك أمروا ولاة بغداد بالتصدي لأمراء الدرعية. دارت الحرب لفترة بين الجانبين، وفي أبريل سنة 1802م، حشد الأمير سعود بن عبد العزيز جيشاً كبيراً. وهاجم مدينة كربلاء أثناء الاحتفال بعيد الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة. فدُمرت الكثير من المراقد، وهُدمت العديد من القباب. ويذكر عبد الحسين آل طعمة في كتابه "بغية النبلاء في تاريخ كربلاء" أن الآلاف من أهل كربلاء وقعوا ضحية لهذه الحملة. وأن جيش الدرعية قام بنهب خزائن المرقد الحسيني "وصارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يُرثى لها".

بعد تلك الحادثة، تأكد العثمانيون من عجز ولايات العراق والشام عن الحد من خطورة الدولة السعودية. فوجهوا أنظارهم حينها إلى مصر. في سنة 1808م، طلب السلطان العثماني مصطفى الرابع من محمد علي باشا أن يتوجه لقتالهم. ولكن والي مصر لم يتمكن من تنفيذ هذا الطلب بسبب المشكلات الداخلية الكثيرة التي كانت تحول دون فرض سيطرته الكاملة على ولايته. في سنة 1811م كرر السلطان محمود الثاني الطلب، فجهز محمد علي باشا حملة عسكرية بقيادة ابنه الأمير طوسون. وتألفت هذه الحملة من المماليك والألبان وقسماً من السودانيين والمغاربة والأتراك والمصريين.

استولت الحملة على ينبع والمدينة، ولكنها تعرضت للهزيمة فيما بعد، وتفرقت معظم القوات المصرية. اضطر محمد علي باشا عندئذ للتدخل بنفسه في الحرب فسافر إلى الحجاز وأقام بعض التحالفات مع القبائل المُعادية للتحالف الوهابي السعودي. وفي سنة 1814م، تعرضت الدرعية لضربة قوية بوفاة الأمير سعود بن عبد العزيز، وخلفه بعدها ابنه عبد الله.

في سنة 1816م، جهز محمد علي حملة أخرى لقتال أمراء الدرعية، وكانت تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا. حققت تلك الحملة العديد من الانتصارات المتوالية. وفي سنة 1818م تمكن إبراهيم باشا من دخول الدرعية عقب استسلام الأمير عبد الله بن سعود. وأُرسل بعبد الله إلى القاهرة. ثم بُعث به إلى إسطنبول، وفيها قُتل على مرأى ومسمع من عامة الناس في ساحة مسجد أيا صوفيا.

أما فيما يخص مدينة الدرعية، فيذكر عمر الإسكندري وسليم حسن في كتابهما "تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قُبيل الوقت الحاضر" أنها "أصبحت أثراً بعد عين؛ لأن إبراهيم باشا رأى بقاءها عامرة حجر عثرة في طريقه، ولو تركها من غير تخريب لكانت ركناً مكيناً ومعقلاً حصيناً لأعدائه، فلم يُبقِ عليها".

لاقت هزيمة الحركة الوهابية ترحيباً واسعاً من جانب الكثير من أهالي شبه الجزيرة العربية. على سبيل المثال أرسل علماء وفقهاء مكة والمدينة الخطابات لمحمد علي باشا لشكره على استنقاذ الحرمين من أيدي من وصفوهم بأنهم من "الخوارج المعتدين، الطغاة البغاة الملحدين، الذين سعوا في جزيرة العرب بالفساد، وزيفوا عقائدهم بالحلول والاتحاد، واستحلوا دماء أهل الإسلام، وصدوا كل وافد إلى بيت الله الحرام"، وذلك بحسب ما يذكر الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن في كتابه "من وثائق تاريخ شبه الجزيرة العربية في العصر الحديث".