كان الرحالة المغربي محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، واحداً من أشهر الرحالة المسلمين عبر التاريخ.
وفي رحلته التي امتدت 27 عاماً، زار سوريا وتجول بين مدنها العامرة، وترك لنا وصفاً ممتعاً للعديد من الأسواق والمساجد والمراقد.
بدأت رحلة ابن بطوطة في سوريا بعد أن انتهى من زيارة مدن فلسطين، فكانت مدينة اللاذقية هي المحطة السورية الأولى له.
يذكر أنه لمّا نزل اللاذقية زار قبري أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل. وتجول بعدها في بعض مدن لبنان ثم عاد إلى الأراضي السورية مرة أخرى ليزور مدينة حمص التي وصفها بأنها "مدينة مليحة، أرجاؤها مؤنقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع، وجامعها متميّز بالحسن الجامع، وفي وسطه بركة ماء…".
ثم زار ابم بطوطة مدينة حماة فوصف فاكهتها ونهر العاصي الذي يمر بها. وبعدها وصل إلى معرة النعمان وتحدث عن قبر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الموجود بها، وذكر أن القبر مهجور ولا توجد عليه زاوية وليس له خدم يعتنون به كباقي أضرحة الصحابة والأعلام. وأوضح أن السبب في ذلك يرجع إلى أن الأغلبية الغالبة من أهل المدينة من الشيعة الإمامية الذين يكرهون عمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء الأمويين.
وصل بعد ذلك إلى مدينة سرمين، وتحدث عن تميز أهلها في صناعة الصابون فقال: "وبها يُصنع الصابون الآجوري، ويجلب إلى مصر والشام ويُصنع بها أيضاً الصابون المطيّب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة…".
وأشار ابن بطوطة لبعض العادات التي وجدها "غريبة" لأهل سرمين "بسبب تشيعهم"، منها "أنهم يكرهون رقم 10 لارتباطه بالعشرة المبشرين بالجنة عند أهل السنة والجماعة، حتى أنهم يمنعون ذكره بشكل مطلق. وحين يريد البائعون أن يقولوا رقم عشرة في الأسواق، فإنهم يقولون: تسعة وواحد".
حلب وقلاع الحشيشية
زار ابن بطوطة حلب أيضاً، وكانت أعظم مدن شمال سوريا حينذاك. يذكر بعض الروايات الشعبية التي تتحدث عن أصل اسم حلب "يقال في مدينة حلب (حلب إبراهيم)، لأن الخليل صلوات الله على نبيّنا وعليه وسلامه، كان يسكنها، وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء والمساكين والوارد والصادر، من ألبانها، فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك".
ويذكر ابن بطوطة أهمية حلب ومدى عمرانها في ذلك العصر، فيقول "وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض".
كما استفاض في وصف مبانيها وأسواقها ومسجدها الجامع وبساتينها وذكر من بها من أكابر الفقهاء والقضاة.
خرج ابن بطوطة من حلب وتجول لفترة في المدن الواقعة في تركيا الحالية ثم رجع مرة أخرى إلى الأراضي السورية وزار حصون القدموس ومصياف وغيرها من الحصون الجبلية المنيعة التي كانت مراكز لجماعة الشيعة الإسماعيلية النزارية المشهورة باسم الحشيشية.
أشار ابن بطوطة لخضوع تلك الجماعة لسلاطين المماليك في هذا العصر، وكيف أنهم كانوا يقومون بعمليات الاغتيال ضد أعداء السلطنة المملوكية "وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدوّ له أعطاه ديته، فإن سلم بعد تأتّي ما يراد منه فهي له، وإن أصيب فهي لولده، ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله، وربما لم تصح حيلتهم فقتلوا…".
سافر بعد ذلك إلى مدينة جبلة، وتحدث عن قبر الصوفي الشهير إبراهيم بن أدهم الموجود فيها، كما أشار لبعض العادات التي يمارسها أهل جبلة عند الزاوية المبنية على هذا القبر. يقول ابن بطوطة: "والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثاً ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة…".
دمشق
بعد أن خرج ابن بطوطة من جبلة تجول لبعض الوقت في عدد من المدن اللبنانية القريبة منها. وفي التاسع من رمضان من سنة 726 هجرية عاد إلى سوريا قاصداً دمشق، ووصفها بقوله "هي التي تفضل جميع البلاد حسناً وتتقدمها جمالاً وكل وصف وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها…".
ثم بدأ بعدها في الحديث عن أهم معالم المدينة، مثل المسجد الجامع المعروف بجامع بني أمية، فحكى قصة بنائه في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، ثم وصفه بأنه "أعظم مساجد الدنيا احتفالاً، وأتقنها صناعةً وأبدعها حسناً وبهجة وكمالاً، ولا يُعلم له نظير ولا يوجد له شبيه...".
وذكر ابن بطوطة عدداً من العجائب التي شاهدها في هذا المسجد، ومنها قبر النبي زكريا، والمقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية الناس في الصلاة، بجانب المحاريب الثلاثة الصغيرة المخصصة لصلاة المالكية، والأحناف، والحنابلة.
كما تحدث عن الخزانة الكبيرة الذي وضع فيها المصحف الذي وجهه الخليفة عثمان بن عفان إلى بلاد الشام، وذكر أن تلك الخزانة تُفتح في يوم الجمعة من كل أسبوع "فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم، وهنالك يحلف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئاً".
وتحدث ابن بطوطة عن المسجد المعروف بمسجد الأقدام، المقام خارج دمشق، على أول طريق الحجاز، مشيراً إلى أهميته في نفوس أهل دمشق لاعتقادهم بأن آثار قدمي النبي موسى موجودة به، وكيف أن الطاعون لمّا استشرى في دمشق فإن الناس صاموا وساروا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف "وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد فصلوا الجمعة وخفف الله تعالى عنهم فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفاً في يوم واحد...".
كذلك خصص الرحّالة المغربي قسماً كبيراً من حديثه لوصف الأوضاع العلمية والثقافية في دمشق، فتحدث عن الصوفية والقضاة والعلماء، وأشار إلى أهم المدارس الدينية التي ارتادها طلبة العلوم الدينية في دمشق، وهي المدرسة العادلية المخصصة للفقه الشافعي، ومدرسة السلطان نور الدين للفقه الحنفي، والمدرسة الصمصامية المخصصة للفقه المالكي، والمدرسة النجمية التي يقصدها أصحاب المذهب الحنبلي.
ولعل من أبرز ما أورده ابن بطوطة في هذا السياق حديثه عن شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني. قال "وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية، كبير الشأن يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة...".
يذكر أيضا أنه حضر شخصياً أحد دروس ابن تيمية فيقول "فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال، إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته...".
يشكك الكثيرون في تلك القصة اعتماداً على المصادر -ومنها "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" لشمس الدين بن عبد الهادي الدمشقي- التي تؤكد أن ابن تيمية كان مسجوناً في قلعة دمشق منذ أوائل شعبان في سنة 726 هجرية، وحتى توفي في العشرين من ذي القعدة في سنة 728هجرية، ما يعني أن حضور ابن بطوطة لدرس ابن تيمية مستحيل عملياً، لأن الأخير دخل دمشق في رمضان سنة 726 هجرية، أي بعد سجن ابن تيمية!
من بين الملاحظات المهمة التي يمكن الخروج بها من مشاهدات ابن بطوطة في دمشق، أنه ذكر طلبه العلم على يد بعض السيدات، وذكر منهن كل من الشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمدوالشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد، ما يشير لمشاركة النساء الدمشقيات بشكل قوي في الحياة العلمية في القرن الثامن الهجري.
وتحدث ابن بطوعة عن تنوع الأوقاف وتعددها، فمنها الأوقاف التي تعطي الأموال لمن يريد القيام بالحج، والأوقاف التي تنفق الأموال على تجهيز البنات المقبلات على الزواج، والأوقاف المخصصة لإطلاق سراح الأسرى والإنفاق على الغرباء وأبناء السبيل.
أما أغرب تلك الأوقاف فكانت المخصصة لتعديل الطرق ورصفها "لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الركبان بين ذلك..."، بحسب ابن بطوطة.