مثل انتقال الخلافة إلى بني العباس، وتحول مركزها من الشام إلى العراق سنة 750م حقبة جديدة في التاريخ الإسلامي، ولحظة فارقة تركت أثرها العميق في حضارة المنطقة. فرغم عهدهم القريب بالسلطة وجو الاضطرابات السياسية الذي طبع بداية دولتهم إلا أن خلفاء بني العباس عبروا عن شغفهم بالعلم وولعهم بالثقافة منذ أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد، ليبلغ هذا الشغف ذروته في عهد المأمون، وتصبح العناية بعد ذلك بالثقافة تقليدا رسميا درج عليه معظم الخلفاء العباسيين إلى أن سقطت بغداد في أيدي التتار سنة 1258م.
أكاديمية الحكمة
اتفقت المصادر التاريخية على أن هارون الرشيد هو من أسس بيت الحكمة في بغداد، وإن كان أيضا والده أبو جعفر المنصور من المهتمين بالعلوم القديمة لا سيما الطب والهندسة والنجوم والآداب، وكان قراره بناء مدينة بغداد مدفوعا برغبة ملحة في إقامة "أنجح وأغنى مركز للتواصل والتجارة والتبادل الثقافي والعلمي في العالم" حسب جوناثان ليونز، الكاتب المتخصص في التاريخ الإسلامي.
وجاء ابنه الرشيد بمشروع نهضوي طموح، فكان تأسيس "بيت الحكمة" خطوة رائدة أثرت بعد ذلك في الحياة العقلية في ذلك العصر وامتد تأثيرها إلى مشارق الأرض ومغاربها.
لم يكن بيت الحكمة مكتبة على غرار المكتبات المنتشرة في الحواضر الإسلامية أو خزانة كتب أو حتى معهدا علميا على منوال المعاهد والمدارس العلمية التي كانت مزدهرة في الكوفة والبصرة ودمشق والقاهرة وغيرها.
لقد كان في الواقع أكاديمية علمية غزيرة الروافد متنوعة المشارب كانت وظيفتها الأساسية "حفظ المعرفة الإنسانية التي لا تقدر بثمن" بتعبير ليونز. عمل فيها الكتاب والمترجمون والنساخ والمدرسون من مختلف التخصصات والحقول المعرفية وضمت أيضا مرصدا فلكيا في جناح خاص.
رصد العباسيون موارد ضخمة لتمويل مشروع بيت الحكمة، وكان الحصول على أعمال كبار المفكرين والفلاسفة الإغريق وجلبها إلى بغداد في صلب السياسية الخارجية للدولة، فقد كانت " الوفود العباسية إلى البلاط البيزنطي المنافس تنقل إليه طلبات الحصول على نسخ من المتون اليونانية النفيسة ونجحت فعلا في الحصول على أعمال أفلاطون وأرسطو أبقراط وجالينوس وإقليدس" كما يقول جوناثان ليونز.
جانبٌ من هذه المخطوطات كُتب بالخط الكوفي، أحد أقدم أشكال الكتابة العربية وأكثرها شيوعاً، والذي خرج من العراق وانتشر حول العالم كله.
ويضيف المؤرخ الأميركي: "تم توظيف الحرب والدبلوماسية لدفع عجلة المعرفة إلى الأمام". وفي بعض الأحيان كانت بنود الصلح بين هارون الرشيد وبين الملوك والأمراء الآخرين تتضمن تزويده بالكتب والمخطوطات القديمة.
وفي عهد المأمون المفتون بكتب الحكمة القديمة والمتشبع بالفكر العقلاني، توسع بيت الحكمة بما جلب إليه من نفائس المخطوطات وأعمال كبار الفلاسفة اليونانيين. فقد روى ابن النديم أن مراسلات جمعت المأمون مع ملك الروم طالبه فيها بمنحه الإذن في إنقاذ بعض مراجع العلوم القديمة في بلاده فوافقه الملك بعد تردد وحصل مقابل ذلك على هدايا فاخرة. وندب المأمون إلى هذه المهمة نخبة من الكوادر العلمية المشرفة على بيت الحكمة. ولما هادن المأمون أمير جزيرة قبرص أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان فاستجاب الأمير لطلبه بعد استشارة رجال الدين في جزيرته.
شهدت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية نقاشات حادة بين الطوائف المسيحية فيما عرف تاريخيا بالجدل البيزنطي، وجرت العادة بين هذه الطوائف بحرق وتخريب مكتبات بعضها البعض إمعانا في رفض الآراء المخالفة. أرسل المأمون بعثة إلى القسطنطينية يرأسها سلم أو سلمان الحراني وهو من أبرز الوجوه العلمية في بيت الحكمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المكتبات، وجلبها إلى بغداد للعناية بها وحفظها من الضياع.
وكان بعض المفكرين إما عن قناعة ذاتية أو بتكليف رسمي يقطعون المسافات الطويلة في رحلات تمتد لأشهر بحثا عن مخطوطة فلسفية أو علمية في الحواضر النائية كما في قصة حنين بن اسحاق وبحثه المضني عن مخطوطة طبية مفقودة.
النشاط داخل الأكاديمية
عين الرشيد والمأمون مشرفاطين على بيت الحكمة أو "صاحب بيت الحكمة" بلغة ذلك العصر، فيما يشبه اليوم رؤساء وعمداء الكليات والأكاديميات. وتذكر المصادر التاريخية أن من بينهم سهل بن هارون وسعيد بن هارون و سلم أو سلمان الحراني. أما الجناح الخاص بالمراصد وعلوم الفلك فيشرف عليه أهم فلكيي ذلك العصر مثل محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور، وسند بن علي اليهودي، والعباس بن سعيد الجوهري وغيرهم.
ازدهرت حركة الترجمة والتأليف والنسخ داخل بيت الحكمة، وساعد على ذلك اكتشاف الورق الذي حل محل الرقع والجلود باهظة الثمن. وحوى البيت، كما تذكر المصادر التاريخية، تحفا فلسفية وعلمية نادرة، وأعمالا أدبية بديعة، مثل ترجمات أرسطو وأبقراط التي عكف عليها يوحنا بن البطريق وحنين بن إسحاق، والترجمة التي أنجزها الحجاج بن مطر لكثير من المؤلفات في مجال الرياضيات وهندسة إقليدس، كما شرح أعمال عدد من الفلاسفة مثل بطليموس وغيرهم.
ومع أن بيت الحكمة حوى أيضا كتبا في التاريخ والفقه والعقيدة والملل والنحل إلا أن اهتمامه الأكبر كان منصبا على العلوم الكونية والفلسفة القديمة والجغرافيا وعلوم الفلك بمختلف اللغات لاسيما اليونانية والفارسية والهندية والسريانية والعبرية واللاتينية وغيرها.
لقد استقطبت هذه المؤسسة الأكاديمية ألمع العقول المفكرة في العصر العباسي الأول ممن جمعوا بين التفوق في اللغة العربية وثقافتها وبين إتقان لغات أخرى. فعلى سبيل المثال كان حنين بن اسحاق فصيحا في اللسان اليوناني واللسان العربي وهو من تلاميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، اشتغل في بيت الحكمة وترجم كتبا في غاية الأهمية في تخصصات متنوعة كالطب والمنطق والفلسفة.
وكان العلامة ابن النديم صاحب الموسوعة الببليوغرافية المشهورة في التراث العربي والمعروفة باسم "الفهرست" من أبرز المؤلفين الذين استفادوا من مراجع بيت الحكمة في إغناء نصوصه وإثراء موسوعته "فكان ما في بيت الحكمة من كتب وغيرها من المصادر التي عول عليها في تأليفه الثمين" كما يشرح حيدر قاسم التميمي.
ويضم بيت الحكمة فريقا من المجلدين كما جاء في نص لابن النديم مهمتهم تجليد الكتب وترميم المخطوطات والحفاظ على جودتها. ومن هؤلاء المجلدين تذكر المصادر التاريخية كلا من ابن أبي الحريش، وعلان الشعوبي. وكان هذا الأخير مشرفا على النسخ ومسؤولا عن تزويد المكتبة بأدوات العمل من أحبار وأوراق وغيرها كما يؤكد المؤرخ عبد المجيد مهنا في ورقة بحثية له حول الموضوع.
أما عن تمويل بيت الحكمة ورواتب العاملين فيه فتذكر المصادر التاريخية أن الخلفاء العباسيين أنفقوا بسخاء على أكاديميتهم حتى قالوا مبالغة إن كل كتاب مترجم يحصل مترجمه على وزنه ذهبا!
وفي عهد الواثق بلغ عطاء (راتب) النقلة والنساخ حوالي 2000 دينار. ورصد المأمون ميزانية ضخمة لمن يريد أن يتفرغ للعمل في بيت الحكمة "فانقطع رهط من العلماء السريان الفرس وغيرهم للدراسة والنقل ومطالعة كتب الحضارات الأخرى واختيار ما يصلح للعصر لينقل للأجيال في صورة علمية لائقة".
أثر بيت الحكمة في الحضارة الإنسانية
اتسمت الحقبة العباسية بالانفتاح الثقافي، خصوصا أيام الرشيد والمأمون رغم حملات القمع التي أطلقها المأمون ضد شخصيات دينية أبت أن تشاطره مواقفه الفكرية فيما عرف تاريخيا بمسألة "خلق القرآن". المفكر المغربي محمد عابد الجابري خصص حيزا كبيرا من كتابه " المثقفون في الحضارة العربية.. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" للدفاع عن المأمون الذي يسميه بالخليفة المستنير وأرجع تضييقه على الفقهاء إلى أسباب سياسية محضة أملتها ملابسات الحفاظ على أمن الدولة حينها، ولم يكن ذا أبعاد معرفية أو علمية على الإطلاق.
الثابت تاريخيا أن المشروع الثقافي الذي رعاه الخلفاء العباسيين، وفي مقدمتهم المأمون، كان مشروعا عابرا للأديان والمذاهب والأيديولوجيات، سمته الأساسية الاحتفاء بالعقلانية والحكمة أيا كان مصدرها أو صاحبها. لقد كان يعمل في بيت الحكمة عدد كبير من المثقفين والعلماء من مختلف الأعراق والمذاهب الأديان، فكان تأثير بيت الحكمة في الحضارة الإنسانية في العصور الوسطى وما بعدها هائلا.
كانت الروح العلمية التي صاحبت تدشين بيت الحكمة بمثابة العدوى التي انتشرت في شرق العالم الإسلامي وغربه، فتأسست في دمشق والقاهرة والأندلس مكتبات ودور حكمة كان لها دور رائد في النهضة حينها، ومنها تسربت نزعات التنوير الأولى إلى قلب أوروبا بما حفظته وترجمته وشرحته من أعمال كبار الفلاسفة والرياضيين اليونان، وبما كرسته من تقاليد علمية تقوم على المنهج العلمي التجريبي في البحث والتأليف والمتحرر من الحساسيات الدينية والعرقية والمذهبية.
يقول توماس باتريك هيوز في كتابه "قاموس الإسلام"، بعد وصفه لعصر المأمون والنهضة العلمية التي رعاها وأشرف عليها، وتأثيرها في محيطها العربي والعالمي: "من هنا تعددت مراكز البحث في العواصم العربية حتى أصبحت بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والقاهرة وقرطبة بمثابة مشاعل متوهجة ترسل أنوارها للعالم كله ومقصدا للعلماء والباحثين يجتذبهم نورها من كل صوب".
أما الكاتب جوناثان ليونز المتخصص في العلاقات بين الشرق والغرب فقد فصل في كتابه "بيت الحكمة، كيف أسس العرب لحضارة الغرب" تأثير بيت الحكمة العباسي على الحضارة الإنسانية وتناول فيه بإسهاب أهم المنجزات العلمية في مختلف الحقول المعرفية والتي يرجع الفضل فيها إلى ذلك الصرح الثقافي الذي أسسه الخفاء العباسيون في بغداد، وكيف امتد تأثيره إلى عصرنا الحاضر.
في سنة 1258 اجتاح التتار بغداد، أبادوا أهلها واقتحموا بيت الحكمة وخربوا محتوياته وأحرقوا الكتب، وألقوا بها في نهر دجلة حتى تغير لونه إلى السواد بفعل حبر الكتب! ومن أصل حوالي مليوني كتاب لم ينج من غارة التتار على بيت الحكمة سوى 400 ألف مخطوطة جرى تهريبها سرا عشية حصار المدينة، لتبقى شاهدة على فضل بغداد على الحضارة الإنسانية إلى اليوم.
