تأسس بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد، ووصل إلى أوج ازدهاره مع ابنه المأمون.
تأسس بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد، ووصل إلى أوج ازدهاره مع ابنه المأمون.

مثل انتقال الخلافة إلى بني العباس، وتحول مركزها من الشام إلى العراق سنة 750م حقبة جديدة في التاريخ  الإسلامي، ولحظة فارقة تركت أثرها العميق في حضارة المنطقة. فرغم عهدهم القريب بالسلطة وجو الاضطرابات السياسية الذي طبع بداية دولتهم إلا أن خلفاء بني العباس عبروا عن شغفهم بالعلم وولعهم بالثقافة منذ أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد، ليبلغ هذا الشغف ذروته في عهد المأمون، وتصبح العناية بعد ذلك بالثقافة تقليدا رسميا درج عليه معظم الخلفاء العباسيين إلى أن سقطت بغداد في أيدي التتار سنة 1258م.

 

أكاديمية الحكمة

 

اتفقت المصادر التاريخية على أن هارون الرشيد هو من أسس بيت الحكمة في بغداد، وإن كان أيضا والده أبو جعفر المنصور من المهتمين بالعلوم القديمة لا سيما الطب والهندسة والنجوم والآداب، وكان قراره بناء مدينة بغداد مدفوعا برغبة ملحة في إقامة "أنجح وأغنى مركز للتواصل والتجارة والتبادل الثقافي والعلمي في العالم" حسب جوناثان ليونز، الكاتب المتخصص في التاريخ الإسلامي.

وجاء ابنه الرشيد بمشروع نهضوي طموح، فكان تأسيس "بيت الحكمة" خطوة رائدة أثرت بعد ذلك في الحياة العقلية في ذلك العصر وامتد تأثيرها إلى مشارق الأرض ومغاربها.

لم يكن بيت الحكمة مكتبة على غرار المكتبات المنتشرة في الحواضر الإسلامية أو خزانة كتب أو حتى معهدا علميا على منوال المعاهد والمدارس العلمية التي كانت مزدهرة في الكوفة والبصرة ودمشق والقاهرة وغيرها.

لقد كان في الواقع أكاديمية علمية غزيرة الروافد متنوعة المشارب كانت وظيفتها الأساسية "حفظ المعرفة الإنسانية التي لا تقدر بثمن" بتعبير ليونز. عمل فيها الكتاب والمترجمون والنساخ والمدرسون من مختلف التخصصات والحقول المعرفية وضمت أيضا مرصدا فلكيا في جناح خاص.

رصد العباسيون موارد ضخمة لتمويل مشروع بيت الحكمة، وكان الحصول على أعمال كبار المفكرين والفلاسفة الإغريق وجلبها إلى بغداد في صلب السياسية الخارجية للدولة، فقد كانت " الوفود العباسية إلى البلاط البيزنطي المنافس تنقل إليه طلبات الحصول على نسخ من المتون اليونانية النفيسة ونجحت فعلا في الحصول على أعمال أفلاطون وأرسطو أبقراط وجالينوس وإقليدس" كما يقول جوناثان ليونز.

ورقات من مصحف يعود تاريخهاإلى القرن الأول الهجري مكتوبة بالخط الكوفي على جلد غزال في معرض للقطع الأثرية في ضريح الإمام العباس في مدينة كربلاء الجنوبية.
حقق شهرة لم يصلها خط آخر.. جماليات الخط الكوفي
احتفاءً بشهر رمضان، أقام المتحف الوطني العراقي معرضاً لمخطوطات نادرة من القرآن وكتب الفقه بهدف إظهار جماليات الكتابة العربية، وأشكالها الأوليّة.

جانبٌ من هذه المخطوطات كُتب بالخط الكوفي، أحد أقدم أشكال الكتابة العربية وأكثرها شيوعاً، والذي خرج من العراق وانتشر حول العالم كله.

ويضيف المؤرخ الأميركي: "تم توظيف الحرب والدبلوماسية لدفع عجلة المعرفة إلى الأمام". وفي بعض الأحيان كانت بنود الصلح بين هارون الرشيد وبين الملوك والأمراء الآخرين تتضمن تزويده بالكتب والمخطوطات القديمة.

وفي عهد المأمون المفتون بكتب الحكمة القديمة والمتشبع بالفكر العقلاني، توسع بيت الحكمة بما جلب إليه من نفائس المخطوطات وأعمال كبار الفلاسفة اليونانيين. فقد روى ابن النديم أن مراسلات جمعت المأمون مع ملك الروم طالبه فيها بمنحه الإذن في إنقاذ بعض مراجع العلوم القديمة في بلاده فوافقه الملك بعد تردد وحصل مقابل ذلك على هدايا فاخرة. وندب المأمون إلى هذه المهمة نخبة من الكوادر العلمية المشرفة على بيت الحكمة. ولما هادن المأمون أمير جزيرة قبرص أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان فاستجاب الأمير لطلبه بعد استشارة رجال الدين في جزيرته.

شهدت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية نقاشات حادة بين الطوائف المسيحية فيما عرف تاريخيا بالجدل البيزنطي، وجرت العادة بين هذه الطوائف بحرق وتخريب مكتبات بعضها البعض إمعانا في رفض الآراء المخالفة. أرسل المأمون بعثة إلى القسطنطينية يرأسها سلم أو سلمان الحراني وهو من أبرز الوجوه العلمية في بيت الحكمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه المكتبات، وجلبها إلى بغداد للعناية بها وحفظها من الضياع.

وكان بعض المفكرين إما عن قناعة ذاتية أو بتكليف رسمي يقطعون المسافات الطويلة في رحلات تمتد لأشهر بحثا عن مخطوطة فلسفية أو علمية في الحواضر النائية كما في قصة حنين بن اسحاق وبحثه المضني عن مخطوطة طبية مفقودة.

 

النشاط داخل الأكاديمية

 

عين الرشيد والمأمون مشرفاطين على بيت الحكمة أو "صاحب بيت الحكمة" بلغة ذلك العصر، فيما يشبه اليوم رؤساء وعمداء الكليات والأكاديميات. وتذكر المصادر التاريخية أن من بينهم سهل بن هارون وسعيد بن هارون و سلم أو سلمان الحراني. أما الجناح الخاص بالمراصد وعلوم الفلك فيشرف عليه أهم فلكيي ذلك العصر مثل محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور، وسند بن علي اليهودي، والعباس بن سعيد الجوهري وغيرهم.

ازدهرت حركة الترجمة والتأليف والنسخ داخل بيت الحكمة، وساعد على ذلك اكتشاف الورق الذي حل محل الرقع والجلود باهظة الثمن. وحوى البيت، كما تذكر المصادر التاريخية، تحفا فلسفية وعلمية نادرة، وأعمالا أدبية بديعة، مثل ترجمات أرسطو وأبقراط التي عكف عليها يوحنا بن البطريق وحنين بن إسحاق، والترجمة التي أنجزها الحجاج بن مطر لكثير من المؤلفات في مجال الرياضيات وهندسة إقليدس، كما شرح أعمال عدد من الفلاسفة مثل بطليموس وغيرهم.

ومع أن بيت الحكمة حوى أيضا كتبا في التاريخ والفقه والعقيدة والملل والنحل إلا أن اهتمامه الأكبر كان منصبا على العلوم الكونية والفلسفة القديمة والجغرافيا وعلوم الفلك بمختلف اللغات لاسيما اليونانية والفارسية والهندية والسريانية والعبرية واللاتينية وغيرها.

لقد استقطبت هذه المؤسسة الأكاديمية ألمع العقول المفكرة في العصر العباسي الأول ممن جمعوا بين التفوق في اللغة العربية وثقافتها وبين إتقان لغات أخرى. فعلى سبيل المثال كان حنين بن اسحاق فصيحا في اللسان اليوناني واللسان العربي وهو من تلاميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، اشتغل في بيت الحكمة وترجم كتبا في غاية الأهمية في تخصصات متنوعة كالطب والمنطق والفلسفة.

وكان العلامة ابن النديم صاحب الموسوعة الببليوغرافية المشهورة في التراث العربي والمعروفة باسم "الفهرست" من أبرز المؤلفين الذين استفادوا من مراجع بيت الحكمة في إغناء نصوصه وإثراء  موسوعته "فكان ما في بيت الحكمة من كتب وغيرها من المصادر التي عول عليها في تأليفه الثمين" كما يشرح حيدر قاسم التميمي.

ويضم بيت الحكمة فريقا من المجلدين كما جاء في نص لابن النديم مهمتهم تجليد الكتب وترميم المخطوطات والحفاظ على جودتها. ومن هؤلاء المجلدين تذكر المصادر التاريخية كلا من ابن أبي الحريش، وعلان الشعوبي. وكان هذا الأخير مشرفا على النسخ ومسؤولا عن تزويد المكتبة بأدوات العمل من أحبار وأوراق وغيرها كما يؤكد المؤرخ عبد المجيد مهنا في ورقة بحثية له حول الموضوع.

أما عن تمويل بيت الحكمة ورواتب العاملين فيه فتذكر المصادر التاريخية أن الخلفاء العباسيين أنفقوا بسخاء على أكاديميتهم حتى قالوا مبالغة إن كل كتاب مترجم يحصل مترجمه على وزنه ذهبا!

وفي عهد الواثق بلغ عطاء (راتب) النقلة والنساخ حوالي 2000 دينار. ورصد المأمون ميزانية ضخمة لمن يريد أن يتفرغ للعمل في بيت الحكمة "فانقطع رهط من العلماء السريان الفرس وغيرهم للدراسة والنقل ومطالعة كتب الحضارات الأخرى واختيار  ما يصلح للعصر لينقل للأجيال في صورة علمية لائقة".

 

أثر بيت الحكمة في الحضارة الإنسانية

 

اتسمت الحقبة العباسية بالانفتاح الثقافي، خصوصا أيام الرشيد والمأمون رغم حملات القمع التي أطلقها المأمون ضد شخصيات دينية أبت أن تشاطره مواقفه الفكرية فيما عرف تاريخيا بمسألة "خلق القرآن". المفكر المغربي محمد عابد الجابري خصص حيزا كبيرا من كتابه " المثقفون في الحضارة العربية.. محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد" للدفاع عن المأمون الذي يسميه بالخليفة المستنير وأرجع تضييقه على الفقهاء إلى أسباب سياسية محضة أملتها ملابسات الحفاظ على أمن الدولة حينها، ولم يكن ذا أبعاد معرفية أو علمية على الإطلاق.

الثابت تاريخيا أن المشروع الثقافي الذي رعاه الخلفاء العباسيين، وفي مقدمتهم المأمون، كان مشروعا عابرا للأديان والمذاهب والأيديولوجيات، سمته الأساسية الاحتفاء بالعقلانية والحكمة أيا كان مصدرها أو صاحبها. لقد كان يعمل في بيت الحكمة عدد كبير من المثقفين والعلماء من مختلف الأعراق والمذاهب الأديان، فكان تأثير بيت الحكمة في الحضارة الإنسانية في العصور الوسطى وما بعدها هائلا.

كانت الروح العلمية التي صاحبت تدشين بيت الحكمة بمثابة العدوى التي انتشرت في شرق العالم الإسلامي وغربه، فتأسست في دمشق والقاهرة والأندلس مكتبات ودور حكمة كان لها دور رائد في النهضة حينها، ومنها تسربت نزعات التنوير الأولى إلى قلب أوروبا بما حفظته وترجمته وشرحته من أعمال كبار الفلاسفة والرياضيين اليونان، وبما كرسته من تقاليد علمية تقوم على المنهج العلمي التجريبي في البحث والتأليف والمتحرر من الحساسيات الدينية والعرقية والمذهبية.

في الوقت الذي يبدي فيه فقهاء السنة بشكل عام موقفا رافضا للتصوير، يميل فقهاء الشيعة المعاصرون لقبول تصوير الإنسان بشرط الابتعاد عن التجسيم.
بين الرفض السني والقبول الشيعي.. قصة التصوير الديني في الحضارة الإسلامية
ترجع أول إشارة تاريخية لصور الأئمة الشيعة إلى القرن السابع الهجري. ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 656ه في كتابه "شرح نهج البلاغة" أن الكثير من السلاطين البويهيين والسلاجقة قد رسموا صورة علي بن أبي طالب على سيوفهم. كانوا يفعلون ذلك استبشارًا بشجاعة علي التي طبقت شهرتها الآفاق.

يقول توماس باتريك هيوز في كتابه "قاموس الإسلام"، بعد وصفه لعصر المأمون والنهضة العلمية التي رعاها وأشرف عليها، وتأثيرها في محيطها العربي والعالمي: "من هنا تعددت مراكز البحث في العواصم العربية حتى أصبحت بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والقاهرة وقرطبة بمثابة مشاعل متوهجة ترسل أنوارها للعالم كله ومقصدا للعلماء والباحثين يجتذبهم نورها من كل صوب".

أما الكاتب جوناثان ليونز المتخصص في العلاقات بين الشرق والغرب فقد فصل في كتابه "بيت الحكمة، كيف أسس العرب لحضارة الغرب"  تأثير بيت الحكمة العباسي على الحضارة الإنسانية وتناول فيه بإسهاب أهم المنجزات العلمية في مختلف الحقول المعرفية والتي يرجع الفضل فيها إلى ذلك الصرح الثقافي الذي أسسه الخفاء العباسيون في بغداد، وكيف امتد تأثيره إلى عصرنا الحاضر.

في سنة 1258 اجتاح التتار بغداد، أبادوا أهلها واقتحموا بيت الحكمة وخربوا محتوياته وأحرقوا الكتب، وألقوا بها في نهر دجلة حتى تغير لونه إلى السواد بفعل حبر الكتب! ومن أصل حوالي مليوني كتاب لم ينج من غارة التتار على بيت الحكمة سوى 400 ألف مخطوطة جرى تهريبها سرا عشية حصار المدينة، لتبقى شاهدة على فضل بغداد على الحضارة الإنسانية إلى اليوم.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.