اتخذت الدول العربية الحديثة أعلاماً مميزة لها عقب انفصالها عن الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن العشرين. عمل الحكام العرب على الترويج لأفكارهم السياسية من خلال تلك الأعلام. وتغيرت تصميمات تلك الأعلام تبعاً للظروف والمستجدات السياسية والمجتمعية والثقافية في كل دولة. نلقي الضوء في هذا المقال على أهم الاعلام التي جرى اعتمادها في كل من العراق وسوريا. لنرى كيف عبرت أشكال تلك الأعلام وألوانها عن الأيديولوجيات السياسية التي راجت في المنطقة العربية في القرن العشرين.
من النبي إلى العثمانيين
استخدم المسلمون الأوائل الرايات في الحروب والغزوات التي خاضوها ضد القبائل العربية عقب الهجرة إلى يثرب. نقلت المدونات الحديثية أن النبي استخدم الكثير من الرايات، وتعددت ألوانها بين الأبيض والأسود. كُتبت بعض العبارات على تلك الرايات، ومن أشهرها عبارة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". استمر اللون الأبيض غالباً على الرايات في عصر "الخلافة الراشدة" والدولة الأموية. مع وصول العباسيين إلى السلطة في سنة 132هـ، وحكمهم انطلاقا من العراق، صار اللون الأسود هو اللون المعتمد لجميع الرايات والأعلام في شتى أنحاء الدولة، حتى عُرف العباسيون باسم "المسوِّدة" بحسب ما يذكر الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك". على الجانب الآخر، صبغ العلويون راياتهم باللون الأخضر، وصار هذا اللون مع مرور الوقت رمزاً للأحزاب الشيعية المعارضة للسلطة العباسية.
وفي عهد العثمانيين، استحوذت الراية العثمانية الحمراء على قدر كبير من الأهمية والرمزية عقب استيلاء العثمانيين على العراق وسوريا ومعظم البلاد العربية في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي. اشتهرت تلك الراية بتصميمها الذي احتوى على الهلال والنجمة. وارتبطت في أذهان الأوروبيين بالدين الإسلامي نفسه.
أعلام العراق
ظهر أول علم للعراق في سنة 1921م بالتزامن مع تأسيس المملكة العراقية الهاشمية. ونصت المادة الرابعة من القانون الأساسي العراقي الذي صدر في سنة 1925م على شكل هذا العلم بحيث "يُقسم أفقياً إلى ثلاثة ألوان متساوية ومتوازية، أعلاها الأسود فالأبيض فالأخضر، على أن يحتوي على شبه منحرف أحمر من جهة السارية تكون قاعدته العظمى مساوية لعرض العلم، والقاعدة الصغرى مساوية لعرض اللون الأبيض، وارتفاعه ربع طول العلم، وفي وسطه كوكبان أبيضان ذوا سبعة أضلاع يكونان على وضع عمودي يوازي السارية".
العلم العراق زمن الملكية pic.twitter.com/WOcVLFSi4S
— Bassim (@Bassim78663979) September 21, 2018
تغير العلم العراقي مع سقوط النظام الملكي وتأسيس الجمهورية العراقية في سنة 1959م. تم النص على هذا التغيير في القانون رقم 102 لسنة 1959م والذي ورد فيه "يكون شكل العلم مستطيلاً طوله ضعفا عرضه ويُقسم عمودياً إلى ثلاث مستطيلات متساوية أولها من جهة السارية الأسود فالأبيض فالأخضر ويتوسط المستطيل الأبيض النجم العربي (نجم ذو ثمانية رؤوس) لونه أحمر عاتك رمزاً لثورة 14 تموز وتتوسط النجم دائرة ذات لون أصفر يحيط بها حزام أبيض".
#ميلاد_العلم_العراقي
— أُحٌمِدِ أُلَقُرٌيْشِيْ (@ahm_algreshe) November 9, 2021
ثورة 14 تموز التي أطاحت بالنظام الملكي،وأعلنت الجمهوريةالعِراقية،أصبح من الضروري إنشاء علم جديد يلائم الوضع الجديد للعراق والتطورات التي حصلت،وقد جاء في قانون علم الجُمهُورية العِراقية بأن العلم يتألف من الألوان الأسود والأبيض والأخضر والأحمر العاتق والأصفر pic.twitter.com/8ziTO44gWL
حدد القانون الرمزيات الخاصة بكل مفردة في هذا العلم: "يرمز اللون الأسود لكل من راية الرسول العربي وراية العرب في صدر الإسلام وراية العرب في العراق. واللون الأخضر لراية العلويين. واللون الأبيض لراية العرب في الشام. واللون الأحمر العاتك لثورة 14 تموز 1958 ولراية العرب في الأندلس. واللون الاصفر لراية صلاح الدين الأيوبي. ويمثل النجم المثمن الأحمر العاتك والدائرة الصفراء العرب والأكراد رمزاً لتكوينهما الشعب العراقي منذ القدم".
مع صعود المد القومي الناصري، وبالتزامن مع وصول حزب البعث إلى السلطة في ستينات القرن العشرين تغير شكل العلم العراقي ليتألف من ثلاث مستطيلات أفقية متساوية الأبعاد، ويكون الأعلى منها أحمر والأوسط أبيض والأسفل أسود. وتمثل تلك الألوان الرايات العربية التي استخدمت في التاريخ العربي. وأُضيفت أيضا ثلاث نجمات إلى العلم، رمزت تلك النجوم للوحدة المنشودة بين العراق وسوريا ومصر. ومع انهيار حلم الوحدة اُستبدلت رمزية النجوم الثلاثة لتمثل "مبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية"، وذلك بحسب ما ورد قانون علم العراق رقم (33) لسنة 1986م.
علم الوحدة الاتحادية بين العراق ومصر وسوريا الذي نص عليه ميثاق 17 نيسان 1963 حيث تم تمثيل كل قُطر بنجمة في علم الجمهورية العربية المتحدة pic.twitter.com/eZkeQOjPOB
— Nationalist قلم رصاص 🏴 (@Pencil192) April 17, 2021
تم تغيير علم العراق مرة أخرى بعد انتهاء حربي الخليج الأولى والثانية. أراد صدام حسين في تلك الفترة أن يؤكد على البعد الديني في سلطته. ولذلك أصدر قانون رقم 6 لسنة 1991م والذي جاء فيه: "تكون على الوجهين عبارة (الله أكبر). كلمة (الله) بعد النجمة الأولى وكلمة (أكبر) بعد النجمة الثانية مكتوبة بخط السيد الرئيس القائد صدام حسين رئيس الجمهورية".
من الملاحظات المهمة على هذا التعديل أنه احتوى على خطأ إملائي يتمثل بوضع همزة على الألف في لفظ الجلالة "الله". لا تُعرف أسباب كتابة تلك الكلمة بهذه الطريقة. يغلب الظن أنها كانت خطأ إملائيا وقع فيه صدام حسين. ولم يجرؤ أحد من المحيطين به على تصحيحه، أو أن الهمزة وضعت بشكل مقصود لتعزيز لفظ الكلمة باللهجة البغدادية التي تبرز الألف في أوائل الكلمات.
في سنة 2004م، ارتأى مجلس الحكم العراقي استبدال العلم العراقي بعلم آخر يعبر عن التغيرات السياسية التي وقعت في العراق عقب سقوط نظام صدام حسين. فقدم الفنان العراقي المشهور رفعت الجادرجي مقترحا بعلم جديد. تألف العلم المقترح من هلال أزرق فاتح على خلفية بيضاء وشريط باللون الأصفر بين خطين باللون الأزرق في الأسفل. حاول الجادرجي أن يوضح الرمزيات المرتبطة بتصميم العلم فقال إن القاعدة البيضاء للعلم العراقي الجديد ترمز إلى السلام والتسوية، والهلال للحضارة الإسلامية، بينما الخطان الأزرقان يرمزان إلى دجلة والفرات وهما النهران اللذان قامت عليهما وارتبطت بهما الحضارات التي تعاقبت على أرض الرافدين. أما الخط الأصفر فيرمز إلى الحضارتين السومرية والبابلية وهما الحضارتان اللتان "كانتا تتخذان الشمس شعاراً واللون الأصفر مشتق من ضوء الشمس، كما أن هذا اللون يمثل أكراد العراق الذين اعتبروه رمزاً لهم".
تعرض هذا التصميم لاعتراضات وانتقادات الكثير من العراقيين بسبب تشابهه مع العلم الإسرائيلي.
وبناء عليه، عاد النظام العراقي للعلم القديم ولكن كُتبت عبارة الله أكبر بالخط الكوفي بدلاً من خط يد صدام حسين. في سنة 2008م وقع التغيير الأخير على علم العراق بموجب قانون التعديل الأول للقانون رقم (9) لسنة 2008م. تمت إزالة النجوم الثلاثة التي كانت ترمز للوحدة بين العراق وسوريا ومصر، واحتفظ العلم بعبارة "الله أكبر".
Flag of Iraq pic.twitter.com/7Ss6agvAF4
— Todd J. Dillon (@sar_ru_gi_lugal) May 26, 2023
أعلام سوريا
كان علم الثورة العربية الكبرى التي قادها شريف مكة الحسين بن علي ضد العثمانيين هو أول علم يُرفع في دمشق بعد انسحاب القوات العثمانية من دمشق في سبتمبر من سنة 1918م. تألف هذا العلم من أربعة ألوان: الأبيض والأسود والأخضر والأحمر.
ظل هذا العلم مستخدماً حتى أُعلن عن استقلال سوريا رسمياً عن الدولة العثمانية في مارس سنة 1920م. تمت إضافة نجمة بيضاء إلى علم الثورة العربية عقب وصول فيصل بن الحسين إلى دمشق وتأسيس المملكة السورية.
علم المملكة العربية السورية #سوريا pic.twitter.com/2kcPsdWTT9
— Osama (@crimsonfeelings) March 29, 2020
بقي علم المملكة مستخدماً حتى وقوع معركة ميسلون في يوليو سنة 1920م وبدء الانتداب الفرنسي على سوريا. وبعد دخول القوات الفرنسية إلى سوريا تم تصميم علم جديد لونه أزرق ويحوي في منتصفه على هلال أبيض وفي زاويته العليا علم فرنسي صغير.
اُستبدل هذا العلم في وقت لاحق بعلم يتألف من قسمين باللون الأخضر، وبينهما قسم باللون الابيض، مع الحفاظ على وجود العلم الفرنسي الصغير في إحدى الزوايا العلوية، بما يشير لبقاء تبعية سوريا لفرنسا.
نص الدستور السوري الصادر في سنة 1930م على تغيير شكل العلم. جاء في المادة الرابعة من الباب الأول "يكون العلم السوري على الشكل الآتي: طوله ضعف عرضه ويقسم إلى ثلاثة ألوان متساوية متوازية أعلاها الأخضر فالأبيض فالأسود على أن يحتوي القسم الأبيض منها في خط مستقيم واحد على ثلاثة كواكب حمراء ذات خمسة أشعة".. ورمزت الكواكب الثلاثة الموجودة به إلى الدويلات الطائفية الثلاث التي شكلت سوريا بحسب تقسيم الاستعمار الفرنسي. وهي دولة للسنة في دمشق وحلب ودير الزور، ودولة للدروز في جبل العرب، ودولة للعلويين في اللاذقية. ظل هذا العلم سارياً حتى سنة 1958م.
للتنويه فإن علم الجمهورية السورية الاولى .. تشكل النجوم الثلاثه فيه .. الولايات العثمانية الثلاثة التي كونت الجمهورية السورية الحالية وهي:
— زين العابدين | Zain al-Abidin (@DeirEzzore) August 12, 2020
ولاية سوريا (دمشق) .
ولاية حلب .
ولاية الزور .
دفع ابناء ديرالزور الغالي والنفيس تاريخياً من اجل قيام سوريا، وقاوموا .. https://t.co/voNAG7TPVh pic.twitter.com/61tm44qOqq
في فبراير سنة 1958، تشكل كيان سياسي عربي جديد أُطلق عليه "الجمهورية العربية المتحدة". وُقع ميثاق تأسيس تلك الجمهورية من قِبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي. وظهرت عندئذ الحاجة إلى استخدام علم جديد ليعبر عن الدولة الجديدة. تأثر تصميم العلم الجديد بالألوان التي اُستخدمت من قبل زمن الثورة العربية. فتشكل من ثلاثة ألوان، وهي الأحمر، والأبيض، والأسود، كما احتوى على نجمتين ترمزان إلى كل من سوريا ومصر. بعد أقل من سنتين، أعادت سوريا استخدام علم الاستقلال عقب انهيار الجمهورية العربية المتحدة في سبتمبر سنة 1961م.
بعد إعلان الوحدة الفيدرالية بين مصر وسوريا تم تغير اسم ”جمهورية مصر“ إلى الجمهورية العربية المتحدة كان علم مصر وقتها عبارة عن الثلاثة ألوان التي تشبه(علم التحرير) ولكن يتوسطها نجمتين خماسيتين ذات لون أخضر وتشير النجمتين الخماسيتين إلى مصر وسويا وظل العلم كذلك حتى بعد الانفصال pic.twitter.com/i9WbcifTlK
— Zozo Mohamed (@Z0z0M0hamed555) June 8, 2020
أعيد اعتماد علم الوحدة مرة أخرى في سنة 1963م عقب وصول حزب البعث إلى السلطة في كل من العراق وسوريا. حلم البعثيون بدولة عربية موحدة تضم مصر، وسوريا، والعراق. ولذلك أضيفت نجمة ثالثة إلى العلم السوري.
علم الوحدة الاتحادية بين العراق ومصر وسوريا الذي نص عليه ميثاق 17 نيسان 1963 حيث تم تمثيل كل قُطر بنجمة في علم الجمهورية العربية المتحدة pic.twitter.com/eZkeQOjPOB
— Nationalist قلم رصاص 🏴 (@Pencil192) April 17, 2021
في سنة 1972م، وقع تغير جديد في العلم السوري بعد الاتفاق على تأسيس "اتحاد الجمهوريات العربية" بين سوريا ومصر وليبيا. حافظ العلم الجديد على الألوان الثلاثة وإن اُستبدلت النجوم الخضراء الثلاث بنسر يفرد جناحيه. لم ينجح مشروع قيام اتحاد الجمهوريات العربية وأُلغي في سنة 1977م. وبعد ثلاث سنوات رجعت سوريا لاعتماد علم الوحدة ذي النجمتين. وهو العلم الرسمي حتى الآن.
مما تجدر الإشارة إليه أن الكثير من الجهات المعارضة للنظام السوري الحالي اعتمدت علم الاستقلال القديم كشعار رسمي لها منذ بدء أحداث الثورة في 2011م. وسمته بعلم المعارضة السورية أو علم الثورة السورية.
