باسم الكربلائي

تحظى الشعائر الحسينية بأهمية كبيرة في معظم أنحاء العراق. اهتم العراقيون الشيعة منذ قرون بأداء تلك الشعائر. وصارت إحدى العلامات المميزة لثقافتهم الجمعية. في هذا السياق يظهر اسم الرادود باعتباره الشخص المسؤول عن الإنشاد الحسيني وسط الجموع. من هو الرادود؟ ومتى بدأت تلك الوظيفة الدينية؟ وما أنواع الإنشاد المختلفة التي يضطلع بها الرواديد؟ ومن هم أشهر الرواديد العراقيين المعاصرين؟

 

الاسم والتاريخ

 

يُطلق اسم الرادود على الشخص الذي يُنشد الأشعار الدينية وسط الجموع الشيعية في الحسينيات ومجالس العزاء. لا نعرف على وجه الدقة السبب في تسميته بهذا الاسم. وربما يعود السبب في ذلك إلى أنه ينشد الشعر ويردده الحاضرون من بعده.

تاريخيا، ظهر الرادود مع ظهور الشعائر الحسينية. وهي الشعائر التي اعتاد الشيعة الإمامية الإثنا عشرية على ممارستها منذ قرون طويلة. تقوم تلك الشعائر على استحضار مظلومية الحسين بن علي، حفيد النبي، ومقتله على يد الأمويين في واقعة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61ه. كذلك، تهتم تلك الشعائر بإظهار الظلم الذي تعرض له أئمة آل البيت وفق التقليد الشيعي. ويعتقد الشيعة الإمامية أن كافة أئمتهم قتلوا على يد الخلفاء المعاصرين لهم. ولم يستثنَ من ذلك إلا الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل في "الغيبة الكبرى" في سنة 329ه.

بدأت الشعائر الحسينية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري في زمن حكم سلاطين بني بويه. تمذهب البويهيون بالمذهب الشيعي. ومن ثم أتاحوا الفرصة للشيعة لممارسة طقوس العزاء الحسيني في كربلاء وفي غيرها من المدن العراقية.

في تلك الفترة ظهر الرواديد الحسينيون الأوائل. يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء" إحدى القصص العجائبية التي ترصد هذا الظهور. يقول الحموي إن أحد الرجال قدم إلى مجموعة من المجتمعين في أحد مجالس بغداد في سنة 364ه. وقال لهم: "أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالوا: مرحباً بك وأهلاً ورفعوه. فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا عليها السلام في النوم فقالت لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له نح على ابني بشعر الناشئ (شاعر اسمه علي بن عبد الله بن وصيف البغدادي) الذي يقول فيه: بني أحمد قلبي لكم يتقطّع ... بمثل مصابي فيكم ليس يسمع". بحسب الرواية، كان الناشئ نفسه حاضراً "فلطم لطماً عظيماً على وجهه وتبعه المزوق والناس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشئ ثم المزوق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر..."! وهكذا صار الناشئ وأحمد المزوق أول الرواديد الحسينيين في التاريخ.

 

كيف يمارس الرادود الشعائر الحسينية؟

 

تتفق الآراء الدينية على وضع ضوابط للممارسات التي يضطلع بها الرادود في مراسم العزاء الحسيني. أول تلك الضوابط أن تخلو أناشيده من الغناء أو استعمال الآلات الموسيقية. على سبيل المثال جاء في فتوى المرجع الديني الأعلى في العراق علي السيستاني، "الغناء حرام كلّه، وهو -على المختار- الكلام اللهوي الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، ويُلحق به في الحرمة قراءة القرآن الكريم والأدعية المباركة ومدائح أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الألحان، وأمّا قراءة ما سوى ذلك من الكلام غير اللهوي -كالأناشيد الحماسيّة- بالألحان الغنائيّة فحرمتها تبتني على الاحتياط اللزومي. وأمّا اللحن الذي لا ينطبق عليه التعريف المذكور فليس محرّماً بذاته". في السياق نفسه، أجاب المرجع آية الله صادق الشيرازي على سؤال حول جواز "استخدام الآلات الموسيقية في العزاء الحسيني لإضفاء جو من الرهبة والقوة والتأثير" بقوله: "إذا كانت من آلات اللهو لا يجوز استعمالها".

يوضح الباحث في الفكر الإسلامي حيدر الأسدي مختلف أنواع الإنشاد الديني التي يضلع بها المنشدون الحسينيون (الرواديد) في العراق وفي غيره من البلدان. يقول الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن "الرادود يشارك في أداء القصيدة الحسينية التي تسمى (لطمية/ المرثية) تعبيراً عن الحزن والمواساة للمصاب الذي حصل للإمام الحسين بن علي في كربلاء. وللمراثي الحسينية أكثر من أسلوب فضلاً عن تعدد في الأطوار، وبالتأكيد عبر مسارها التاريخي حصل نوع من التطور بشكل آو بآخر، لكن كلها تدور في دائرة الحزن والمواساة".

ويضيف الباحث العراقي: "هناك ما يسمى بالقصائد "الكعدية" وتشتهر بها مدينة النجف الأشرف وبقيت محافظة عليها. وكذلك هناك "الأهزوجة الحسينية" التي عادة يختتم بها المأتم الحسيني بعد أداء القصائد. واللطمية/ المرثية، والأهزوجة وان كان بينهما تشابه، ولكنهما تختلفان مع بعضهما البعض فيما يخص طريقة الأداء. في اللطمية، يقف الرادود على المنبر في الحسينية أو الموكب الحسيني، ويقف الجمهور من حوله. يبدأ الرادود بقراءة المستهل -بداية القصيدة- عدة مرات، حتى يحفظه الجمهور، ويقوم الجميع بممارسة اللطم عن طريق ضرب اليد في الصدر. وهكذا تسود الأجواء الحماسية منذ بداية الإنشاد وحتى النهاية. يختلف الأمر في القصيدة الكعدية بعض الشيء؛ ففيها يجلس الحضور، ويمارسون اللطم والعزاء بشكل أخف، فيما تزداد ذروة الحماسة فيها حين يعاد (مستهل القصيدة). بقيت مدينة النجف الأشرف حريصة على استمرار هكذا نوع من القصائد والمراثي حتى يومنا هذا حتى مع التطور الذي حصل في الإنشاد الحسيني".

ويتابع الأسدي: "أما عن الأهزوجة الحسينية، التي تسمى شعبياً (الهوسة) فهي موروث عربي عشائري قديم. وعادةً ما يُقام في مختلف المناسبات، المآتم ومجالس العزاء لمتوفى ما، أو حتى في المناسبات السعيدة، حيث يجتمع جمع من الحضور في الغالب يشكلون دائرة، ويُستذكر فيها مآثر المتوفى بنوع من الشعر في اللهجة العراقية. كذلك يؤدى هذا النوع من الشعر في المأتم الحسيني، يستذكر فيها بطولات ومآثر أهل البيت ع أو مصابهم وخصوصا فاجعة كربلاء".

يذكر حيدر الأسدي أن الأشعار التي ينشدها الرواديد أثرت بشكل كبير في المجتمع العراقي عبر السنين. وكثيراً ما تعرضت للرقابة والتضييق من جانب السلطات المتعاقبة وخصوصاً النظام البعثي السابق. يقول: "كان من المسموح إقامة الشعائر الحسينية في شهر محرم الحرام منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وتم التضييق على ذلك شيئا فشيئا منذ أواخر الستينات وازداد المنع والتضييق في السبعينات".

ويتابع الأسدي أنه مع بداية الثمانينات، وخاصة بعد إعدام المرجع الديني المعروف محمد باقر الصدر في أبريل 1980، "أصبحت جميع الشعائر الحسينية ممنوعة بشكل كامل. حتى الأناشيد التي سجلها الرواديد على شرائط الكاسيت صارت ممنوعة، لكن هذا لا يعني أنها توقفت، بل ازداد الإصرار في إقامتها من قبل محبي أهل البيت، حتى تعرض بعضهم لحكم الإعدام بسبب قصيدة أو حضور مجلس!".

 

أشهر الرواديد المعاصرين

 

يمكن أن نقسم الرواديد المعاصرين إلى قسمين رئيسين. القسم الأول يضم الرواديد القدامى الذين اشتهروا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والقسم الثاني يضم الرواديد المعروفين حالياً.

فيما يخص الرواديد القدامى، يوجد الرادود حمزة الصغير. ولد في كربلاء في سنة 1921م. وكانت معظم القصائد التي ينشدها من نظم الشاعر الشعبي كاظم المنظور. توفى الصغير في أوائل سبعينات القرن العشرين. وترك العديد من الأناشيد المشهورة ومنها كل من "احنه غير حسين ما عدنه وسيلة"،  و"انه ام البنين ودهري ذبني"، و"نار بدليلي تسعر".

أيضاً عرف العراق الرادود ياسين الرميثي. ولد الرميثي في سنة 1929م في مدينة الرميثة الواقعة في محافظة المثنى جنوبي العراق. واشتهر بإنشاد العديد من القصائد المؤثرة ومنها كل من "تربية حيدر"، و"زينب تلطم على الرأس". أما أشهر قصائده فكانت "يحسين بضمايرنه"، وهي من كلمات الشاعر عبد الرسول محيي الدين. تعرض ياسين الرميثي للاعتقال في زمن حكم صدام حسين. وسافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية. وتوفى في سنة 2005م.

أما فيما يخصص الرواديد العراقيين الجدد، فيوجد قحطان البديري الذي ولد في النجف في سنة 1981م. ومن أشهر أعماله "چم اخو"، و"لا حياة بلا عزاء"، و"سمعاً وطاعة". وجليل الكربلائي الذي ولد في منطقة باب الخان بكربلاء في سنة 1957م. وبدأ في الإنشاد في سنة 1971م. وهاجر بعدها إلى إيران ليستقر في مدينة أصفهان.

وهناك أيضا أبو بشير النجفي الذي ولد في النجف في سنة 1951م. وهاجر إلى إيران. واستقر في قم ليبدأ بعدها رحلة الإنشاد الديني في سنة 1981م. ومن أشهر أعماله "يا ليل طول ساعاتك". وأيضاً يوجد الرادود عمار الكناني الذي ولد في محافظة ميسان في سنة 1982م. وشارك في المسابقة القرآنية الدولية في ماليزيا وحصل على المركز الخامس. ومن أشهر أعماله "زهير بكل هيامه".

أما أشهر الرواديد الحاليين فهو باسم الكربلائي. ولد في كربلاء في سنة 1966م. وفي سنة 1980م رحل مع أسرته إلى أصفهان. وفيها بدأ ممارسة الإنشاد الحسيني. ازدادت شعبيته بشكل كبير في تسعينات القرن العشرين. وقام بالمشاركة في المجالس الحسينية في العديد من الدول الخليجية وأوروبا والولايات المتحدة. من أشهر أعماله "يكرهوني وأحبك"، و"كل يوم إنتَ علي"، و"يا بو فاضل" التي حققت شهرة واسعة للشاعر الشاب رفعت الصافي.

باسم الكربلائي
"مثير للجدل".. من يكون باسم الكربلائي الرادود الأشهر في العراق؟
من جديد يثير باسم الكربلائي الرادود (المنشد) الحسيني الأشهر في العراق، الجدل بكلمات قصيدة اعتبرتها لجنة الأوقاف والعشائر النيابية تجاوزات "تسعى لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين".

حقق باسم الكربلائي شهرة واسعة في العراق وفي كافة المجتمعات الشيعية في المنطقة. وصل عدد متابعيه على موقع اليوتيوب إلى ما يزيد عن العشرة مليون متابع. وتعدى مجموع مشاهدات أناشيده ولطمياته الثلاثة مليارات و300 مليون مشاهدة. واعتاد محبوه أن يطلقوا عليه العديد من الألقاب ومنها "أسطورة العشق الحسيني"، "سلطان المنابر"، "مزمار الحسين"، "خادم الحسين"، "صوت الشيعة"، "صوت الحسين".

من جهة أخرى، اعتاد باسم الكربلائي على إثارة الجدل. في سبتمبر سنة 2022م اتهم بتأجيج نيران الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة بعدما وصف الصحابة بـ"العصابة" في إحدى القصائد الشعرية التي ألقاها. طالب الوقف السني في العراق وقتها بالتحقيق في القضية وتقديم المتسببين بهذه الإساءة إلى القضاء وتشديد الرقابة على محتوى القصائد التي يؤديها الرواديد.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".