باسم الكربلائي

تحظى الشعائر الحسينية بأهمية كبيرة في معظم أنحاء العراق. اهتم العراقيون الشيعة منذ قرون بأداء تلك الشعائر. وصارت إحدى العلامات المميزة لثقافتهم الجمعية. في هذا السياق يظهر اسم الرادود باعتباره الشخص المسؤول عن الإنشاد الحسيني وسط الجموع. من هو الرادود؟ ومتى بدأت تلك الوظيفة الدينية؟ وما أنواع الإنشاد المختلفة التي يضطلع بها الرواديد؟ ومن هم أشهر الرواديد العراقيين المعاصرين؟

 

الاسم والتاريخ

 

يُطلق اسم الرادود على الشخص الذي يُنشد الأشعار الدينية وسط الجموع الشيعية في الحسينيات ومجالس العزاء. لا نعرف على وجه الدقة السبب في تسميته بهذا الاسم. وربما يعود السبب في ذلك إلى أنه ينشد الشعر ويردده الحاضرون من بعده.

تاريخيا، ظهر الرادود مع ظهور الشعائر الحسينية. وهي الشعائر التي اعتاد الشيعة الإمامية الإثنا عشرية على ممارستها منذ قرون طويلة. تقوم تلك الشعائر على استحضار مظلومية الحسين بن علي، حفيد النبي، ومقتله على يد الأمويين في واقعة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61ه. كذلك، تهتم تلك الشعائر بإظهار الظلم الذي تعرض له أئمة آل البيت وفق التقليد الشيعي. ويعتقد الشيعة الإمامية أن كافة أئمتهم قتلوا على يد الخلفاء المعاصرين لهم. ولم يستثنَ من ذلك إلا الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل في "الغيبة الكبرى" في سنة 329ه.

بدأت الشعائر الحسينية في النصف الأول من القرن الرابع الهجري في زمن حكم سلاطين بني بويه. تمذهب البويهيون بالمذهب الشيعي. ومن ثم أتاحوا الفرصة للشيعة لممارسة طقوس العزاء الحسيني في كربلاء وفي غيرها من المدن العراقية.

في تلك الفترة ظهر الرواديد الحسينيون الأوائل. يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء" إحدى القصص العجائبية التي ترصد هذا الظهور. يقول الحموي إن أحد الرجال قدم إلى مجموعة من المجتمعين في أحد مجالس بغداد في سنة 364ه. وقال لهم: "أنا رسول فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالوا: مرحباً بك وأهلاً ورفعوه. فقال: أتعرفون لي أحمد المزوق النائح؟ فقالوا: ها هو جالس، فقال: رأيت مولاتنا عليها السلام في النوم فقالت لي امض إلى بغداد واطلبه وقل له نح على ابني بشعر الناشئ (شاعر اسمه علي بن عبد الله بن وصيف البغدادي) الذي يقول فيه: بني أحمد قلبي لكم يتقطّع ... بمثل مصابي فيكم ليس يسمع". بحسب الرواية، كان الناشئ نفسه حاضراً "فلطم لطماً عظيماً على وجهه وتبعه المزوق والناس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشئ ثم المزوق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر..."! وهكذا صار الناشئ وأحمد المزوق أول الرواديد الحسينيين في التاريخ.

 

كيف يمارس الرادود الشعائر الحسينية؟

 

تتفق الآراء الدينية على وضع ضوابط للممارسات التي يضطلع بها الرادود في مراسم العزاء الحسيني. أول تلك الضوابط أن تخلو أناشيده من الغناء أو استعمال الآلات الموسيقية. على سبيل المثال جاء في فتوى المرجع الديني الأعلى في العراق علي السيستاني، "الغناء حرام كلّه، وهو -على المختار- الكلام اللهوي الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، ويُلحق به في الحرمة قراءة القرآن الكريم والأدعية المباركة ومدائح أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الألحان، وأمّا قراءة ما سوى ذلك من الكلام غير اللهوي -كالأناشيد الحماسيّة- بالألحان الغنائيّة فحرمتها تبتني على الاحتياط اللزومي. وأمّا اللحن الذي لا ينطبق عليه التعريف المذكور فليس محرّماً بذاته". في السياق نفسه، أجاب المرجع آية الله صادق الشيرازي على سؤال حول جواز "استخدام الآلات الموسيقية في العزاء الحسيني لإضفاء جو من الرهبة والقوة والتأثير" بقوله: "إذا كانت من آلات اللهو لا يجوز استعمالها".

يوضح الباحث في الفكر الإسلامي حيدر الأسدي مختلف أنواع الإنشاد الديني التي يضلع بها المنشدون الحسينيون (الرواديد) في العراق وفي غيره من البلدان. يقول الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن "الرادود يشارك في أداء القصيدة الحسينية التي تسمى (لطمية/ المرثية) تعبيراً عن الحزن والمواساة للمصاب الذي حصل للإمام الحسين بن علي في كربلاء. وللمراثي الحسينية أكثر من أسلوب فضلاً عن تعدد في الأطوار، وبالتأكيد عبر مسارها التاريخي حصل نوع من التطور بشكل آو بآخر، لكن كلها تدور في دائرة الحزن والمواساة".

ويضيف الباحث العراقي: "هناك ما يسمى بالقصائد "الكعدية" وتشتهر بها مدينة النجف الأشرف وبقيت محافظة عليها. وكذلك هناك "الأهزوجة الحسينية" التي عادة يختتم بها المأتم الحسيني بعد أداء القصائد. واللطمية/ المرثية، والأهزوجة وان كان بينهما تشابه، ولكنهما تختلفان مع بعضهما البعض فيما يخص طريقة الأداء. في اللطمية، يقف الرادود على المنبر في الحسينية أو الموكب الحسيني، ويقف الجمهور من حوله. يبدأ الرادود بقراءة المستهل -بداية القصيدة- عدة مرات، حتى يحفظه الجمهور، ويقوم الجميع بممارسة اللطم عن طريق ضرب اليد في الصدر. وهكذا تسود الأجواء الحماسية منذ بداية الإنشاد وحتى النهاية. يختلف الأمر في القصيدة الكعدية بعض الشيء؛ ففيها يجلس الحضور، ويمارسون اللطم والعزاء بشكل أخف، فيما تزداد ذروة الحماسة فيها حين يعاد (مستهل القصيدة). بقيت مدينة النجف الأشرف حريصة على استمرار هكذا نوع من القصائد والمراثي حتى يومنا هذا حتى مع التطور الذي حصل في الإنشاد الحسيني".

ويتابع الأسدي: "أما عن الأهزوجة الحسينية، التي تسمى شعبياً (الهوسة) فهي موروث عربي عشائري قديم. وعادةً ما يُقام في مختلف المناسبات، المآتم ومجالس العزاء لمتوفى ما، أو حتى في المناسبات السعيدة، حيث يجتمع جمع من الحضور في الغالب يشكلون دائرة، ويُستذكر فيها مآثر المتوفى بنوع من الشعر في اللهجة العراقية. كذلك يؤدى هذا النوع من الشعر في المأتم الحسيني، يستذكر فيها بطولات ومآثر أهل البيت ع أو مصابهم وخصوصا فاجعة كربلاء".

يذكر حيدر الأسدي أن الأشعار التي ينشدها الرواديد أثرت بشكل كبير في المجتمع العراقي عبر السنين. وكثيراً ما تعرضت للرقابة والتضييق من جانب السلطات المتعاقبة وخصوصاً النظام البعثي السابق. يقول: "كان من المسموح إقامة الشعائر الحسينية في شهر محرم الحرام منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وتم التضييق على ذلك شيئا فشيئا منذ أواخر الستينات وازداد المنع والتضييق في السبعينات".

ويتابع الأسدي أنه مع بداية الثمانينات، وخاصة بعد إعدام المرجع الديني المعروف محمد باقر الصدر في أبريل 1980، "أصبحت جميع الشعائر الحسينية ممنوعة بشكل كامل. حتى الأناشيد التي سجلها الرواديد على شرائط الكاسيت صارت ممنوعة، لكن هذا لا يعني أنها توقفت، بل ازداد الإصرار في إقامتها من قبل محبي أهل البيت، حتى تعرض بعضهم لحكم الإعدام بسبب قصيدة أو حضور مجلس!".

 

أشهر الرواديد المعاصرين

 

يمكن أن نقسم الرواديد المعاصرين إلى قسمين رئيسين. القسم الأول يضم الرواديد القدامى الذين اشتهروا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والقسم الثاني يضم الرواديد المعروفين حالياً.

فيما يخص الرواديد القدامى، يوجد الرادود حمزة الصغير. ولد في كربلاء في سنة 1921م. وكانت معظم القصائد التي ينشدها من نظم الشاعر الشعبي كاظم المنظور. توفى الصغير في أوائل سبعينات القرن العشرين. وترك العديد من الأناشيد المشهورة ومنها كل من "احنه غير حسين ما عدنه وسيلة"،  و"انه ام البنين ودهري ذبني"، و"نار بدليلي تسعر".

أيضاً عرف العراق الرادود ياسين الرميثي. ولد الرميثي في سنة 1929م في مدينة الرميثة الواقعة في محافظة المثنى جنوبي العراق. واشتهر بإنشاد العديد من القصائد المؤثرة ومنها كل من "تربية حيدر"، و"زينب تلطم على الرأس". أما أشهر قصائده فكانت "يحسين بضمايرنه"، وهي من كلمات الشاعر عبد الرسول محيي الدين. تعرض ياسين الرميثي للاعتقال في زمن حكم صدام حسين. وسافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية. وتوفى في سنة 2005م.

أما فيما يخصص الرواديد العراقيين الجدد، فيوجد قحطان البديري الذي ولد في النجف في سنة 1981م. ومن أشهر أعماله "چم اخو"، و"لا حياة بلا عزاء"، و"سمعاً وطاعة". وجليل الكربلائي الذي ولد في منطقة باب الخان بكربلاء في سنة 1957م. وبدأ في الإنشاد في سنة 1971م. وهاجر بعدها إلى إيران ليستقر في مدينة أصفهان.

وهناك أيضا أبو بشير النجفي الذي ولد في النجف في سنة 1951م. وهاجر إلى إيران. واستقر في قم ليبدأ بعدها رحلة الإنشاد الديني في سنة 1981م. ومن أشهر أعماله "يا ليل طول ساعاتك". وأيضاً يوجد الرادود عمار الكناني الذي ولد في محافظة ميسان في سنة 1982م. وشارك في المسابقة القرآنية الدولية في ماليزيا وحصل على المركز الخامس. ومن أشهر أعماله "زهير بكل هيامه".

أما أشهر الرواديد الحاليين فهو باسم الكربلائي. ولد في كربلاء في سنة 1966م. وفي سنة 1980م رحل مع أسرته إلى أصفهان. وفيها بدأ ممارسة الإنشاد الحسيني. ازدادت شعبيته بشكل كبير في تسعينات القرن العشرين. وقام بالمشاركة في المجالس الحسينية في العديد من الدول الخليجية وأوروبا والولايات المتحدة. من أشهر أعماله "يكرهوني وأحبك"، و"كل يوم إنتَ علي"، و"يا بو فاضل" التي حققت شهرة واسعة للشاعر الشاب رفعت الصافي.

باسم الكربلائي
"مثير للجدل".. من يكون باسم الكربلائي الرادود الأشهر في العراق؟
من جديد يثير باسم الكربلائي الرادود (المنشد) الحسيني الأشهر في العراق، الجدل بكلمات قصيدة اعتبرتها لجنة الأوقاف والعشائر النيابية تجاوزات "تسعى لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين".

حقق باسم الكربلائي شهرة واسعة في العراق وفي كافة المجتمعات الشيعية في المنطقة. وصل عدد متابعيه على موقع اليوتيوب إلى ما يزيد عن العشرة مليون متابع. وتعدى مجموع مشاهدات أناشيده ولطمياته الثلاثة مليارات و300 مليون مشاهدة. واعتاد محبوه أن يطلقوا عليه العديد من الألقاب ومنها "أسطورة العشق الحسيني"، "سلطان المنابر"، "مزمار الحسين"، "خادم الحسين"، "صوت الشيعة"، "صوت الحسين".

من جهة أخرى، اعتاد باسم الكربلائي على إثارة الجدل. في سبتمبر سنة 2022م اتهم بتأجيج نيران الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة بعدما وصف الصحابة بـ"العصابة" في إحدى القصائد الشعرية التي ألقاها. طالب الوقف السني في العراق وقتها بالتحقيق في القضية وتقديم المتسببين بهذه الإساءة إلى القضاء وتشديد الرقابة على محتوى القصائد التي يؤديها الرواديد.

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.