.بدأ بناء المدرسة المستنصرية سنة 625 للهجرة ووضع الخليفة العباسي المستنصر بالله حجرها الأساس
.بدأ بناء المدرسة المستنصرية سنة 625 للهجرة ووضع الخليفة العباسي المستنصر بالله حجرها الأساس

ضجيج عربات الحمالين والباعة المنادين على بضائعهم، وفوضى المكان والدراجات النارية على بعد أمتار قليلة من بناية المدرسة المستنصرية، لا يشبه هدوء باحتها وأناقة زخارفها ورصانة آجرها الأصفر المرصوف بعناية ليعالج حر صيف بغداد اللاهب و برد شتائها القارس.

تقع المدرسة المستنصرية على الضفة اليسرى لنهر دجلة بمحاذاة جسر الشهداء، وهي مقابلة لسوق السراي وشارع المتنبي، وملاصقة لسوق القبلانية وقريبة من سوق الشورجة والسوق العربي أشهر مناطق التبضع بالجملة في جانب الرصافة من العاصمة بغداد.

سُميت المدرسة المستنصرية على اسم بانيها الخليفة المستنصر بالله (حكم الدولة العباسية حتى عام 640 هـ/ 1242م) والذي جلب لها :"المهندسين الماهرين وكبار الصناع الفنانين، فخططوا التصاميم وقدروا المقاييس، وشرع البناؤون في البناء سنة 625 للهجرة ووضع الخليفة حجرها الأساس"، كما يذكر المؤرخ ناجي معروف في كتابه الذي حمل اسم "المدرسة المستنصرية".

وعلى عكس باقي المدارس الفقهية، خُصصت المستنصرية لتدريس الفقه على المذاهب السنية الأربعة بالإضافة إلى الطب والفلك والرياضيات والعلوم الفقهية، كما كانت مركزاً اجتماعيا تقام فيه الدعوات والولائم الفاخرة للملوك والأمراء. وكانت بمثابة مسجد جامع، فقد أستُعمل صحنها الواسع لأداء الصلاة أيام الجمع والعيد ولم يكن يخطب فيها إلا هاشمي عباسي تنفيذاً لاشتراط الخليفة.

 

بناية المدرسة

 

شُيدت المدرسة المستنصرية على مساحة 4863 متراً مربعاً، تتوسطها ساحة مكشوفة (صحن)، ذات شكل مستطيل منتظم تزيد عن ثلث المساحة الكلية للبناية.

ويذكر الباحث أحمد إبراهيم في دراسته المعنونة "العناصر المعمارية والزخرفية للمدرسة المستنصرية في بغداد" أن المدرسة :"بُنيت بآجر أصفر اللون متنوع الأشكال والأحجام"، تم تصميمه "ليناسب المكان الموجودة فيه والغرض من استعماله".

تحتوي المدرسة على "حجرات وغرف كثيرة بنيت في طابقين تحيط بالصحن من جميع الجهات، صممت أماكنها بين الإيوانين والمدخل وبيت الصلاة"، متوزعة على "أربعين حجرة في الطابق الأول (قاعات الدراسة)، وفي الثاني 36 غرفة (لإقامة الطلاب الأجانب)".

يتم الوصول إلى الطابق الثاني "عبر ستة سلالم يقع أثنان منها على طرفي المدخل، ومثلهما على طرفي المسجد، ويقع اثنان على الجهتين اليمنى واليسرى من الإيوان الشمالي". وبحسب الدراسة، فإن "غرف الطابق الثاني أصغر حجماً من الأول لأنه يحتوي على ممر يتقدم الغرف يتم بواسطته الوصول إلى أبواب تلك الغرف، وقوام هذا الممر من دعائم تحصر بينها عقود مدببة تطل جميعها على الصحن، ولا تحتوي على نوافذ سوى تلك التي تطل على النهر".

ويوجد في إحدى حجرات الدراسة باب صغير يؤدي إلى سلم من بضع درجات ينتهي بشباك يطل على إحدى القاعات يقول عنه الباحث إنه قد يكون الشباك "الذي أورده المؤرخون في كتبهم وأشاروا إلى أن الخليفة كان يجلس فيه لسماع الدروس أحياناً".

 

أوقاف الخليفة

 

كان اهتمام الخليفة بالمدرسة المستنصرية كبيراً. بدا ذلك واضحاً، كما ذكر المؤرخ ناجي معروف، من خلال حفل الافتتاح الضخم الذي جرى العام 630 هـ والذي "حضره الخليفة والعلماء والأمراء وأعيان القوم ووجوههم. وحضر إلى المدرسة نائب الوزارة، وسائر الولاة والحجاب والقضاة، والمدرسون والفقهاء ومشايخ الربط".

وأعد الخليفة المدرسة لتكون مصدر راحة للأساتذة والطلاب كما يشير معروف في كتابه إذ يقول :"كان في المدرسة حمام خاص بالطلاب ودار للوضوء وبيمارستان (مستشفى) ومطبخ وغرف كثيرة أُعدت لسكنى الطلبة ومخزن لخزن الطعام والشراب والأدوية ومزملة للماء البارد العذب". ويضيف معروف أن الخليفة "رتب لها البوابين والفراشين والخدم والطباخين وغيرهم".

وتدبر الخليفة الأمور المالية للمدرسة حيث "أوقف عليها أوقافاً كثيرة منها الدور والخانات والقرى والرباع. وقيل أن قيمة ما وقف عليها بلغ ألف ألف دينار وبلغ ارتفاع وقوفها في السنة نيفاً وسبعين ألف مثقال". ويوضح معروف أن هذه الأموال :"كانت تصرف على خزانة الكتب وعلى المدرسين والطلاب الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف فقيه، لكل استاذ 75 طالباً، رتبت لهم المساكن المفروشة بالسجاد النفيس وأنواع المأكل والمطاعم ووسائل الراحة ما يلزم الكتابة والدرس".

وخصص الخليفة رواتب شهرية حتى يتفرغ الجميع للعلم فكل مدرس كان يحصل على 12 ديناراً ذهباً، وكل معيد له 3 دنانير، أما خازن الكتب فعشرة دنانير، وللمشرف ثلاثة دنانير، كما كان مناول الكتب يحصل على دينارين، فيما يحصل الطالب على دينار ذهبي واحد شهرياً.

وضمت المدرسة المستنصرية آنذاك مكتبة كبيرة سميت بـ"دار الكتب". تجاوز عدد كتبها 400 ألف كتاب من المجلدات والمخطوطات.

 

مميزات المدرسة وعمارتها

 

يتحدث الباحث أحمد ابراهيم في بحثه عن المدرسة المستنصرية عن مميزات معمارية خاصة تم وضعها خلال مرحلة تصميم البناء حيث يقول: "يمكننا القول بأن ضخامة الجدران وعدم فتح نوافذ فيها فيما عدا الجدار المطل على نهر دجلة، إنما القصد به عدم وصول الضوضاء الخارجية إلى داخل المدرسة ولضمان أكبر قسط من الراحة والسكون والهدوء للمقيمين فيها وتقليل درجات الحرارة في فصل الصيف".

وأخذ البناؤون بنظر الاعتبار توفير أكبر قدر ممكن من الإضاءة الطبيعية خلال النهار "عن طريق الفتحات النافذة في أعلى السقوف وكذلك أبواب الغرف والقاعات". حيث يكون من شأن "الهواء الساكن أعلى السقف والهواء الداخل من أبواب الغرف والقاعات المطلة على الصحن الذي يحتوي نافورة وبعض الأشجار أن تجعل الهواء الداخل إلى الغرف باردا ولطيفا".

ويرى الداخل إلى المدرسة من بوابتها إيوانين، يقع أحدهما على الجهة الشمالية الغربية، والآخر في الجهة الجنوبية الشرقية. يُرجع الباحث بناءها بهذه الطريقة "إلى محاولة المعمار معالجة مشكلة المناخ القاري المتغير صيفاً وشتاءً. فالإيوان الشمالي الغربي يعالج برد الشتاء لتعرضه لأشعة الشمس، في حين يكون الإيوان الجنوبي الشرقي ملائم لفصل الصيف لأنه يتفادى أشعة شمس العصر العالية".

وتزخر بناية المدرسة المستنصرية بالزخارف الآجرية التي كانت شائعة في العصر العباسي المصنوعة من طين ترسبات نهر دجلة في بغداد. وتنقسم إلى زخارف هندسية تتكون من نجوم ومضلعات متنوعة تتضمن اطارات بارزة والزخارف النباتية التوريق العربي (الارابيسك)، كما استخدمت الزخارف الكتابية بالخط الكوفي وخط الثلث والتي استخدمت للزخرفة و للتعريف بالبناء.

 

النكبات التي حلت بالمستنصرية

 

يتحدث المؤرخ كوركيس عواد في كتابه "المدرسة المستنصرية  في بغداد" عن حوادث ونكبات عديدة وقعت للمدرسة، "بدءاً من العام 635 للهجرة حين وقعت صاعقة على رواقها فشعثت منه موضعاً... ثم هددها الغرق مرتين في الأعوام 646 و654 هـ" .

أما النكبة الأكبر فكانت "حين دخل التتار إلى بغداد العام 656 هـ، فقُتل علماؤها وبُدد شمل طلابها وأُغِرقت كتبها في دجلة، وتوقفت الدراسة فيها لبعض الوقت ثم استمرت لنحو قرن ونصف القرن".

وتم تعطيل الدراسة بها وبغيرها من مدارس بغداد "بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين، الأولى سنة (795هـ / 1392م)، والأخرى في سنة (803هـ / 1400م). حيث قضى تيمورلنك على مدارس بغداد، ونكّل بعلمائها، وأخذ معه إلى سمرقند كثيراً من الأدباء والمهندسين والمعماريين". ويبين المؤرخ أن الدراسة "بقيت متوقفة في المدرسة لنحو قرنين حتى افتتحت سنة (998هـ /1589م)، ولكن لم تدم بها طويلاً فعادت وأغلقت أبوابها سنة (1048هـ / 1638م)".

وذكر المؤرخ أن المدرسة بعد توقفها اتخذت لأغراض متعددة أخرى غير الدراسة بدءا من محل للوزن والقبانة، ثم جرى تحويلها إلى خان خلال ولاية سعيد سليمان باشا (1813م)، وجعله وقفاً على مدرسته التي تعرف اليوم بالمدرسة السليمانية المتصلة بجامع النعمانية.

وبعد أن بقيت المستنصرية خاناً لفترة طويلة من الزمن، "استأجرها المجلس العسكري وأسكن فيها كتيبة من جنود الموصل ومن ذلك العهد سميت خان المواصلة، وأقام فيها الجند حقبة ثم غادروها وتركوا فيها بعض عتادهم ومعداتهم. وكانت دائرة الوقف تتقاضى الأجرة من دائرة التجنيد" بحسب المؤرخ.

 

نزاع على الملكية

 

بعد أن أهملت دائرة الأوقاف بناية المدرسة المستنصرية، قامت دائرة التجنيد ببيعها عام 1895 لدائرة الرسومات فأصبحت مخزناً لبضائع دائرة المكوس.

ويذكر المؤرخ كوركيس عواد أن دائرة الأوقاف وبعد 18 عاما "قامت برفع دعوى قضائية للمطالبة بالمستنصرية... فحكم القاضي بإعادتها إلى الأوقاف بعد أخذ شهادات خمسين رجلاً، وأرسل الحكم إلى الأستانة ليصادقه شيخ الاسلام، لكن بعض الأشخاص أخفوه فنسي الموضوع".

"وفي عام 1921 زار الملك فيصل الأول المدرسة المستنصرية، فأقيم له حفل ألقى فيها جماعة من الشعراء القصائد وطالبوه بإعادة إحياء المدرسة"، فيما بقي موضوع عائدية المستنصرية "مسكوتاً عنه وبقيت دائرة للجمارك". وبعد أربع سنوات عادت وزارة الأوقاف للمطالبة بالمدرسة وهذه المرة استمرت القضية حتى العام 1940 حين تمكنت مديرية الآثار من استعادة ملكيتها بعد أن تم تخريب أجزاء كبيرة منها.

تم تأهيل المدرسة المستنصرية تدريجياً خلال الأعوام 1960 و1973. أما أقوى أعمال الترميم فتمت بعد العام 2003 لتصل اليوم إلى قائمة الانتظار في لائحة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتراث الإنساني.

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.