في سنة 1893، نشر المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور".
في سنة 1893، نشر المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور".

يمتد تاريخ الحضارة في بلاد الرافدين لما يزيد عن خمسة آلاف سنة. تمكن الإنسان العراقي القديم من استغلال خصوبة أراضيه فأقام مجتمعاً زراعياً متطوراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد. عرف السومريون الكتابة. وأسس البابليون والأشوريون إمبراطوريات عظيمة. أما العباسيون فحكموا دولة الخلافة الإسلامية من عاصمتهم المزدهرة في بغداد. فيما بعد، تعرض العراق لصدمات عنيفة على يد كل من المغول والصفويين والعثمانيين والإنجليز. ولكن بقيت أرض الرافدين تنبض بالحضارة على مر القرون. نلقي الضوء في هذا المقال على خمسة من أهم الكتب التي تناولت تاريخ العراق عبر السنين.

 

"السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ صاموئيل نوح كريمر. ولد في مدينة كييف الأوكرانية في سنة 1897. هاجر مع أسرته في صغره إلى الولايات المتحدة الأميركية. ودرس في المرحلة الجامعية في قسم الدراسات الشرقية التابع لجامعة بنسلفانيا. اهتم كريمر بدراسة الحضارة العراقية القديمة. ولا سيما الحضارة السومرية التي ظهرت في الجزء الجنوبي من بلاد ما بين النهرين بدءاً من منتصف الألف الخامس قبل الميلاد. زار كريمر العراق وألقى بعض المحاضرات في تاريخ السومريين. توفى في سنة 1990، بعد أن فتح الباب أمام الباحثين للتعمق في تاريخ العراق القديم.

نشر كريمر العديد من الكتب التي ركزت على دراسة السومريين وحضارتهم. من أهم تلك الكتب "الأساطير السومرية: دراسة الإنجاز الروحية والأدبية في الألفية الثالثة قبل الميلاد" في سنة 1944م، و"التاريخ يبدأ من سومر" في سنة 1956م، و"في عالم سومر" في سنة 1988م.

في سنة 1963م نشر كريمر كتابه "السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم". يُعتبر هذا الكتاب "أفضل ما كُتب عن السومريين وحضاراتهم حتى الآن"، وذلك بحسب وصف مترجم الكتاب الدكتور فيصل الوائلي.

امتد الكتاب على ما يزيد عن خمسمائة صفحة. وتألف من ثمانية فصول. قدم كريمر في الفصل الأول صورة عامة عن الجهود التي بُذلت لفك رموز الخط المسماري القديم. وتناول الفصل الثاني تاريخ بلاد سومر من عصور ما قبل التاريخ في الألف الخامس قبل الميلاد إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. أما الفصل الثالث فتطرق فيه المؤلف لمختلف مظاهر الحضارة السومرية. سواء كانت الاجتماعية أو الاقتصادية أو القانونية. وتناول كريمر الدين والمعتقدات في الفصل الرابع من الكتاب. وعرج على الأدب السومري في الفصل الخامس. وفي الفصلين السادس والسابع ألقى المؤرخ الأوكراني الأصل الضوء على التربية والأخلاق في بلاد سومر. وفي الفصل الثامن من الكتاب وضح كريمر معالم التراث السومري الذي أسهم في تطور الحضارة الإنسانية في بلاد الرافدين.

 

"تاريخ بابل وآشور"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور. ولد جميل في بيروت في سنة 1862م، ورحل في شبابه إلى مصر. وكان مولعاً بدراسة الآداب العربية وتاريخ الحضارات الشرقية القديمة. تولى جميل رئاسة تحرير جريدة "المؤيد"، ونشر العديد من المقالات في مجلة المقتطف الشهيرة. وألف كتابه "حضارة الإسلام في دار السلام".

في سنة 1907م توفي جميل في القاهرة. ورثاه الكثير من المثقفين والأدباء العرب وقتها. على سبيل المثال امتدحه الأديب جورجي زيدان فقال إن جميل نخلة مدور "خدم آداب هذا اللسان خدمة حسنة يذكرها له التاريخ ما بقيت اللغة العربية".

كتاب : تاريخ بابل وآشور تأليف : جميل نخلة المدور مراجعة :إبراهيم اليازجي يحوي هذا الكتاب بين طياته تأريخًا لمملكتين من...

Posted by Lawrence Nader on Wednesday, October 21, 2015

في سنة 1893، نشر مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور". وترجع أهمية هذا الكتاب إلى كونه أول الكتب العربية التي اعتمدت على الأركيولوجيا وعلم الآثار الحديث في التأريخ للحضارتين البابلية والأشورية. يقول جميل نخلة مدور في مقدمة كتابه: "اختلف المؤرخون في بيان أصل البابليين والآشوريين وأشياء كثيرة مما يتعلق ببداءة أمرهم، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى لا تتلاءم ولا تتقارب حتى توصَّل الإفرنج في هذا الزمان إلى حلِّ الكتابة المعروفة بالمسمارية، وهي الحروف الآشورية، فتبين لهم كثير مما كان المؤرخون يختلفون فيه من تلك الحقائق وجزموا بكثير منها عن يقين؛ لأنهم رأوا حقيقتها مسطرة على جدران الأبنية التي كشفوها في تلك النواحي، فكانت أصدق شاهد بما كان من أمر تلك الأبنية وواضعيها وتواريخها...".

بعدها يستعرض المؤلف بعض الحكايات التراثية المرتبطة بالبابليين والأشوريين، فيفندها ويبين ما فيها من خطأ. يقول: "كثير من هذه الأقوال وما أشبهها وإن وثق بصحته بعض من تقدم من المؤرخين مدفوع عند أهل التحقيق". في سبيل الوصول لصورة تاريخية مبنية على أٍساس علمي، قسم مدور كتابه إلى قسمين رئيسين. في القسم الأول، بحث المؤلف في تاريخ تأسيس المملكتين البابلية والأشورية، وتطرق للآراء المختلفة حول أصل تسميتهما، كما تناول أهم المعالم الجغرافية والأثرية بهاتين المملكتين. أما في القسم الثاني من الكتاب، فتطرق المؤلف اللبناني إلى تاريخ المملكتين، وتحدث عن أشهر ملوكهما، وما وقع فيهما من حوادث ومعارك وحروب.

 

"تاريخ بغداد"

 

مؤلف هذا الكتاب هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي. ولد الخطيب البغدادي في سنة 392ه في إحدى نواحي الحجاز. سافر بعدها مع أسرته إلى العراق. واتصل في شبابه بأبي حامد الإسفراييني فدرس على يديه. ثم سافر في طلب العلم فزار البصرة ونيسابور وأصفهان. ورجع بعدها إلى بغداد فوفد عليه الطلاب من كل مكان. صنف البغدادي عشرات الكتب المهمة في التاريخ وعلوم الحديث ومنها "الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع".  وتوفي في سنة 463ه.

يُعدّ كتاب تاريخ بغداد واحداً من أهم الكتب التاريخية التي تناولت العراق في العصور الإسلامية. صنف الخطيب البغدادي هذا الكتاب بالتزامن مع بدء سيطرة السلاجقة على العراق في أواسط القرن الخامس الهجري. تضمن الكتاب ما يزيد عن 7800 ترجمة لحياة العلماء والمفكرين ورجال الدولة والصوفية والزهاد والفقهاء الذين عاشوا في بغداد أو زاروها. ورُتبت تلك التراجم على الشكل المعروف في كتب الطبقات والمحدثين. طُبع الكتاب في العصر الحديث في 14 مجلداً.

اعتبر الكتاب مرجعاً مهماً للكثير من العلماء المسلمين الذين أرادوا أن يؤرخوا للمدن فيما بعد. من أشهر هؤلاء العلماء كل من ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، وابن العديم في كتابه “بغية الطلب في تاريخ حلب". وأشار إلى أهميته العديد من المؤرخين المسلمين. على سبيل المثال، اُمتدح الخطيب البغدادي من جانب ابن خلكان بسبب تأليفه لهذا الكتاب. يقول ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان": "لو لم يكن له -يقصد الخطيب البغدادي- سوى التاريخ لكفاه، فإنه يدل على اطلاع عظيم".

ظهر حب البغدادي للعراق في العديد من مواضع الكتاب. من تلك المواضع عندما يتحدث عن بغداد وأرض العراق فيقول: "هو صفوة الأرض ووسطها... واجتمعت في أهل هذا القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار، وكما اعتدلوا في الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بالعلم والأدب ومحاسن الأمور، وهم أهل العراق ومن جاورهم وشاكلهم".

 

"تاريخ العراق بين احتلالين"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والأديب العراقي عباس العزاوي. ولد العزاوي في ديالي في سنة 1890. درس الحقوق في جامعة بغداد وعمل في مهنة المحاماة. بالإضافة إلى ذلك، اشتغل العزاوي بالتدريس في بعض المدارس الأهلية. واُنتخب رئيساً للجنة التأليف والترجمة والنشر ببغداد.

ألف العزاوي العديد من الكتب التاريخية المهمة. منها على سبيل المثال "تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم"، و"تاريخ عشائر العراق"، و"الكاكائية في التاريخ"، و"الموسيقى العراقية في عهد المغول والتركمان"، و"تاريخ الأدب العربي في العراق". توفي في بغداد في سنة 1971.

يُعدّ كتاب "تاريخ العراق الحديث بين احتلالين" أهم كتب العزاوي على الإطلاق. تألف هذا الكتاب الموسوعي من ثماني مجلدات. نُشر المجلد الأول في سنة 1935، بينما نُشر المجلد الثامن في سنة 1956. بدأ الكتاب بتناول أحداث الغزو المغولي لبغداد والعراق في سنة 1258م، وانتهى بأحداث الاحتلال البريطاني لبغداد في سنة 1917.

رجع العزاوي في كتابه للعشرات من المصادر التاريخية المهمة. وعمل على التوقف عند بعض الحوادث العظيمة لاستعراض أهميتها وخطورتها. على سبيل المثال حلل العزاوي أسباب سقوط بغداد بيد المغول فقال: "من نظر قدرة الحكومة العباسية آنئذ ودرجة سلطتها وشاهد وضعها السياسي والعسكري وأنها لم تكن لها من المكانة ما تستطيع أن تدفع عنها الملوك الذين هاجموها قبل المغول... قطع بأن منزلتها كانت اسمية أكثر منها فعلية... خصوصاً بعد أن عرفنا أن حكومة المغول بقوتها القاهرة قد قضت على حكومات جمة، وأرعبت العالم بما أحدثته من دويّ وضجة ... فليس في وسع الحكومة العباسية أن تقاوم…". كذلك قام في الجزء الأخير من كتابه بتبيان أثر الحرب العالمية الأولى على العراق، فقال: "هذه الحرب العامة لسنة 1914م من أقسى الحروب، بل لم يسبقها مثلها، استعمل القوم العلم، واستخدموه في سبيلها، فتسلحوا بأقوى الأسلحة. والدولة العثمانية عاجزة ليس في استطاعتها المقاومة فابتلعت بلادها بسهولة. دخل العثمانيون الحرب، وجرت عليهم الويلات، وأصابنا أكثر مما أصابهم مباشرة، ولقينا نصباً شديداً، وآلمنا وقعها في النفوس والأموال".

 

"لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المفكر العراقي الدكتور علي الوردي. ولد الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد سنة 1913. ترك التعليم الابتدائي في سن مبكرة ليعمل في محل لصناعة العطور. عاد للسلك الدراسي مرة أخرى والتحق بالصف السادس الابتدائي سنة 1931م. وتابع دراسته بتفوق ليتم اختياره لبعثة دراسية بالجامعة الأميركية ببيروت، وهناك حصل على درجة البكالوريوس. رجع الوردي إلى بغداد واشتغل مدرساً في إحدى المدارس الإعدادية. وبعدها اختير لبعثة علمية بجامعة تكساس حيث نال درجتي الماجيستير والدكتوراه. عاد الوردي إلى العراق، والتحق بالعمل في جامعة بغداد. شغل منصب مدرس لعلم الاجتماع بكلية الآداب بالجامعة. وتدرج في المناصب الجامعية حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1970م. في 1995م توفي الوردي بعد صراع مع مرض السرطان.

خلف الوردي ثمانية عشر كتاباً، فضلاً عن عشرات المقالات والأبحاث التي ناقشت مباحث متنوعة في علم الاجتماع. من أهم كتبه كل من "مهزلة العقل البشري،" و"وعاظ السلاطين"، و"خوارق اللاشعور"، و"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي".

يتألف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" من ستة أجزاء. يبدأ الجزء الأول بتناول تاريخ العراق منذ بداية العهد العثماني في القرن السادس عشر الميلادي، وينتهي الجزء السادس من الكتاب بأحداث سنة 1924م، ويلقي فيه الضوء على أحداث الصراع الدائر ما بين الحسين بن علي شريف مكة ومؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود. وما بين الحدثين، يهتم الوردي بمناقشة العديد من الوقائع التي أثرت في تاريخ العراق الحديث، ومنها على سبيل المثال أحداث الحرب العالمية الأولى وتأثيرها في العراق، واندلاع ثورة العشرين، وتطور نظام المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء.

يختلف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" عن باقي الكتب التي تعرضت لتاريخ العراق في تلك الحقبة. انعكست شخصية علي الوردي على صفحات كتابه بشكل كبير. فلم يحمل الكتاب الصبغة التاريخية بقدر ما حمل صبغة اجتماعية فلسفية. أشار الوردي بنفسه إلى تلك السمة المميزة لكتاب. يقول في مقدمته: "إن هذا الكتاب يشبه أن يكون كتاب تاريخ بيد أنه يختلف عن كتب التاريخ المعتادة بكونه لا يهتم بالأحداث الماضية لذاتها على منوال ما يفعل المؤرخون بل هو يهتم في الدرجة الأولى بما تنطوي عليه الأحداث من دلالة فكرية واجتماعية، أما الاستقراء التاريخي فيأتي في أهميته بالدرجة الثانية".

عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
انتقد رجال الدين وقدم تفسيرا جديدا للإسلام المبكر.. عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
دخل الوردي في صراع فكري مع العديد من التيارات السياسية المتواجدة على الساحة العراقية في عصره. انتقده القوميون لميله للتركيز على الهوية العراقية. وانتقده الشيوعيون لرفضه الاعتماد على منهج التفسير المادي للتاريخ. وهوجم من رجال الدين مرارًا بسبب نقده اللاذع لهم.

اهتم الوردي كثيراً بالتوقف عند بعض المحطات التاريخية ليبين تأثيرها في الحاضر العراقي. على سبيل المثال يتحدث عن أهمية دراسة الحقبة العثمانية في العراق فيقول: "نحن لا نزال نعيش في تراث العهد العثماني ولا يزال الكثيرون منا يفكرون على نمط ما كانوا يفكرون عليه في ذلك العهد، وقد أدركت في صباي أناساً يحنون إليه ويترنمون بأمجاده ويتمنون أن يعود إليهم". كذلك يحاول الوردي أن يفكك النزعة الطائفية التي تنتشر في الكثير من أنحاء المجتمع العراقي، ويعمل على ردها لأصولها الاجتماعية. فيقول: "الطائفية ليست ديناً، إنّما هي نوع من الانتماء القبلي إلى مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لا يهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية أو روحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو ما يوحي به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم. إنه بعبارة أخرى ينظر إلى طائفته كما ينظر البدوي إلى قبيلته".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".