في سنة 1893، نشر المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور".
في سنة 1893، نشر المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور".

يمتد تاريخ الحضارة في بلاد الرافدين لما يزيد عن خمسة آلاف سنة. تمكن الإنسان العراقي القديم من استغلال خصوبة أراضيه فأقام مجتمعاً زراعياً متطوراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد. عرف السومريون الكتابة. وأسس البابليون والأشوريون إمبراطوريات عظيمة. أما العباسيون فحكموا دولة الخلافة الإسلامية من عاصمتهم المزدهرة في بغداد. فيما بعد، تعرض العراق لصدمات عنيفة على يد كل من المغول والصفويين والعثمانيين والإنجليز. ولكن بقيت أرض الرافدين تنبض بالحضارة على مر القرون. نلقي الضوء في هذا المقال على خمسة من أهم الكتب التي تناولت تاريخ العراق عبر السنين.

 

"السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ صاموئيل نوح كريمر. ولد في مدينة كييف الأوكرانية في سنة 1897. هاجر مع أسرته في صغره إلى الولايات المتحدة الأميركية. ودرس في المرحلة الجامعية في قسم الدراسات الشرقية التابع لجامعة بنسلفانيا. اهتم كريمر بدراسة الحضارة العراقية القديمة. ولا سيما الحضارة السومرية التي ظهرت في الجزء الجنوبي من بلاد ما بين النهرين بدءاً من منتصف الألف الخامس قبل الميلاد. زار كريمر العراق وألقى بعض المحاضرات في تاريخ السومريين. توفى في سنة 1990، بعد أن فتح الباب أمام الباحثين للتعمق في تاريخ العراق القديم.

نشر كريمر العديد من الكتب التي ركزت على دراسة السومريين وحضارتهم. من أهم تلك الكتب "الأساطير السومرية: دراسة الإنجاز الروحية والأدبية في الألفية الثالثة قبل الميلاد" في سنة 1944م، و"التاريخ يبدأ من سومر" في سنة 1956م، و"في عالم سومر" في سنة 1988م.

في سنة 1963م نشر كريمر كتابه "السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم". يُعتبر هذا الكتاب "أفضل ما كُتب عن السومريين وحضاراتهم حتى الآن"، وذلك بحسب وصف مترجم الكتاب الدكتور فيصل الوائلي.

امتد الكتاب على ما يزيد عن خمسمائة صفحة. وتألف من ثمانية فصول. قدم كريمر في الفصل الأول صورة عامة عن الجهود التي بُذلت لفك رموز الخط المسماري القديم. وتناول الفصل الثاني تاريخ بلاد سومر من عصور ما قبل التاريخ في الألف الخامس قبل الميلاد إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. أما الفصل الثالث فتطرق فيه المؤلف لمختلف مظاهر الحضارة السومرية. سواء كانت الاجتماعية أو الاقتصادية أو القانونية. وتناول كريمر الدين والمعتقدات في الفصل الرابع من الكتاب. وعرج على الأدب السومري في الفصل الخامس. وفي الفصلين السادس والسابع ألقى المؤرخ الأوكراني الأصل الضوء على التربية والأخلاق في بلاد سومر. وفي الفصل الثامن من الكتاب وضح كريمر معالم التراث السومري الذي أسهم في تطور الحضارة الإنسانية في بلاد الرافدين.

 

"تاريخ بابل وآشور"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور. ولد جميل في بيروت في سنة 1862م، ورحل في شبابه إلى مصر. وكان مولعاً بدراسة الآداب العربية وتاريخ الحضارات الشرقية القديمة. تولى جميل رئاسة تحرير جريدة "المؤيد"، ونشر العديد من المقالات في مجلة المقتطف الشهيرة. وألف كتابه "حضارة الإسلام في دار السلام".

في سنة 1907م توفي جميل في القاهرة. ورثاه الكثير من المثقفين والأدباء العرب وقتها. على سبيل المثال امتدحه الأديب جورجي زيدان فقال إن جميل نخلة مدور "خدم آداب هذا اللسان خدمة حسنة يذكرها له التاريخ ما بقيت اللغة العربية".

كتاب : تاريخ بابل وآشور تأليف : جميل نخلة المدور مراجعة :إبراهيم اليازجي يحوي هذا الكتاب بين طياته تأريخًا لمملكتين من...

Posted by Lawrence Nader on Wednesday, October 21, 2015

في سنة 1893، نشر مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور". وترجع أهمية هذا الكتاب إلى كونه أول الكتب العربية التي اعتمدت على الأركيولوجيا وعلم الآثار الحديث في التأريخ للحضارتين البابلية والأشورية. يقول جميل نخلة مدور في مقدمة كتابه: "اختلف المؤرخون في بيان أصل البابليين والآشوريين وأشياء كثيرة مما يتعلق ببداءة أمرهم، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى لا تتلاءم ولا تتقارب حتى توصَّل الإفرنج في هذا الزمان إلى حلِّ الكتابة المعروفة بالمسمارية، وهي الحروف الآشورية، فتبين لهم كثير مما كان المؤرخون يختلفون فيه من تلك الحقائق وجزموا بكثير منها عن يقين؛ لأنهم رأوا حقيقتها مسطرة على جدران الأبنية التي كشفوها في تلك النواحي، فكانت أصدق شاهد بما كان من أمر تلك الأبنية وواضعيها وتواريخها...".

بعدها يستعرض المؤلف بعض الحكايات التراثية المرتبطة بالبابليين والأشوريين، فيفندها ويبين ما فيها من خطأ. يقول: "كثير من هذه الأقوال وما أشبهها وإن وثق بصحته بعض من تقدم من المؤرخين مدفوع عند أهل التحقيق". في سبيل الوصول لصورة تاريخية مبنية على أٍساس علمي، قسم مدور كتابه إلى قسمين رئيسين. في القسم الأول، بحث المؤلف في تاريخ تأسيس المملكتين البابلية والأشورية، وتطرق للآراء المختلفة حول أصل تسميتهما، كما تناول أهم المعالم الجغرافية والأثرية بهاتين المملكتين. أما في القسم الثاني من الكتاب، فتطرق المؤلف اللبناني إلى تاريخ المملكتين، وتحدث عن أشهر ملوكهما، وما وقع فيهما من حوادث ومعارك وحروب.

 

"تاريخ بغداد"

 

مؤلف هذا الكتاب هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي. ولد الخطيب البغدادي في سنة 392ه في إحدى نواحي الحجاز. سافر بعدها مع أسرته إلى العراق. واتصل في شبابه بأبي حامد الإسفراييني فدرس على يديه. ثم سافر في طلب العلم فزار البصرة ونيسابور وأصفهان. ورجع بعدها إلى بغداد فوفد عليه الطلاب من كل مكان. صنف البغدادي عشرات الكتب المهمة في التاريخ وعلوم الحديث ومنها "الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع".  وتوفي في سنة 463ه.

يُعدّ كتاب تاريخ بغداد واحداً من أهم الكتب التاريخية التي تناولت العراق في العصور الإسلامية. صنف الخطيب البغدادي هذا الكتاب بالتزامن مع بدء سيطرة السلاجقة على العراق في أواسط القرن الخامس الهجري. تضمن الكتاب ما يزيد عن 7800 ترجمة لحياة العلماء والمفكرين ورجال الدولة والصوفية والزهاد والفقهاء الذين عاشوا في بغداد أو زاروها. ورُتبت تلك التراجم على الشكل المعروف في كتب الطبقات والمحدثين. طُبع الكتاب في العصر الحديث في 14 مجلداً.

اعتبر الكتاب مرجعاً مهماً للكثير من العلماء المسلمين الذين أرادوا أن يؤرخوا للمدن فيما بعد. من أشهر هؤلاء العلماء كل من ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، وابن العديم في كتابه “بغية الطلب في تاريخ حلب". وأشار إلى أهميته العديد من المؤرخين المسلمين. على سبيل المثال، اُمتدح الخطيب البغدادي من جانب ابن خلكان بسبب تأليفه لهذا الكتاب. يقول ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان": "لو لم يكن له -يقصد الخطيب البغدادي- سوى التاريخ لكفاه، فإنه يدل على اطلاع عظيم".

ظهر حب البغدادي للعراق في العديد من مواضع الكتاب. من تلك المواضع عندما يتحدث عن بغداد وأرض العراق فيقول: "هو صفوة الأرض ووسطها... واجتمعت في أهل هذا القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار، وكما اعتدلوا في الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بالعلم والأدب ومحاسن الأمور، وهم أهل العراق ومن جاورهم وشاكلهم".

 

"تاريخ العراق بين احتلالين"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والأديب العراقي عباس العزاوي. ولد العزاوي في ديالي في سنة 1890. درس الحقوق في جامعة بغداد وعمل في مهنة المحاماة. بالإضافة إلى ذلك، اشتغل العزاوي بالتدريس في بعض المدارس الأهلية. واُنتخب رئيساً للجنة التأليف والترجمة والنشر ببغداد.

ألف العزاوي العديد من الكتب التاريخية المهمة. منها على سبيل المثال "تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم"، و"تاريخ عشائر العراق"، و"الكاكائية في التاريخ"، و"الموسيقى العراقية في عهد المغول والتركمان"، و"تاريخ الأدب العربي في العراق". توفي في بغداد في سنة 1971.

يُعدّ كتاب "تاريخ العراق الحديث بين احتلالين" أهم كتب العزاوي على الإطلاق. تألف هذا الكتاب الموسوعي من ثماني مجلدات. نُشر المجلد الأول في سنة 1935، بينما نُشر المجلد الثامن في سنة 1956. بدأ الكتاب بتناول أحداث الغزو المغولي لبغداد والعراق في سنة 1258م، وانتهى بأحداث الاحتلال البريطاني لبغداد في سنة 1917.

رجع العزاوي في كتابه للعشرات من المصادر التاريخية المهمة. وعمل على التوقف عند بعض الحوادث العظيمة لاستعراض أهميتها وخطورتها. على سبيل المثال حلل العزاوي أسباب سقوط بغداد بيد المغول فقال: "من نظر قدرة الحكومة العباسية آنئذ ودرجة سلطتها وشاهد وضعها السياسي والعسكري وأنها لم تكن لها من المكانة ما تستطيع أن تدفع عنها الملوك الذين هاجموها قبل المغول... قطع بأن منزلتها كانت اسمية أكثر منها فعلية... خصوصاً بعد أن عرفنا أن حكومة المغول بقوتها القاهرة قد قضت على حكومات جمة، وأرعبت العالم بما أحدثته من دويّ وضجة ... فليس في وسع الحكومة العباسية أن تقاوم…". كذلك قام في الجزء الأخير من كتابه بتبيان أثر الحرب العالمية الأولى على العراق، فقال: "هذه الحرب العامة لسنة 1914م من أقسى الحروب، بل لم يسبقها مثلها، استعمل القوم العلم، واستخدموه في سبيلها، فتسلحوا بأقوى الأسلحة. والدولة العثمانية عاجزة ليس في استطاعتها المقاومة فابتلعت بلادها بسهولة. دخل العثمانيون الحرب، وجرت عليهم الويلات، وأصابنا أكثر مما أصابهم مباشرة، ولقينا نصباً شديداً، وآلمنا وقعها في النفوس والأموال".

 

"لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المفكر العراقي الدكتور علي الوردي. ولد الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد سنة 1913. ترك التعليم الابتدائي في سن مبكرة ليعمل في محل لصناعة العطور. عاد للسلك الدراسي مرة أخرى والتحق بالصف السادس الابتدائي سنة 1931م. وتابع دراسته بتفوق ليتم اختياره لبعثة دراسية بالجامعة الأميركية ببيروت، وهناك حصل على درجة البكالوريوس. رجع الوردي إلى بغداد واشتغل مدرساً في إحدى المدارس الإعدادية. وبعدها اختير لبعثة علمية بجامعة تكساس حيث نال درجتي الماجيستير والدكتوراه. عاد الوردي إلى العراق، والتحق بالعمل في جامعة بغداد. شغل منصب مدرس لعلم الاجتماع بكلية الآداب بالجامعة. وتدرج في المناصب الجامعية حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1970م. في 1995م توفي الوردي بعد صراع مع مرض السرطان.

خلف الوردي ثمانية عشر كتاباً، فضلاً عن عشرات المقالات والأبحاث التي ناقشت مباحث متنوعة في علم الاجتماع. من أهم كتبه كل من "مهزلة العقل البشري،" و"وعاظ السلاطين"، و"خوارق اللاشعور"، و"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي".

يتألف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" من ستة أجزاء. يبدأ الجزء الأول بتناول تاريخ العراق منذ بداية العهد العثماني في القرن السادس عشر الميلادي، وينتهي الجزء السادس من الكتاب بأحداث سنة 1924م، ويلقي فيه الضوء على أحداث الصراع الدائر ما بين الحسين بن علي شريف مكة ومؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود. وما بين الحدثين، يهتم الوردي بمناقشة العديد من الوقائع التي أثرت في تاريخ العراق الحديث، ومنها على سبيل المثال أحداث الحرب العالمية الأولى وتأثيرها في العراق، واندلاع ثورة العشرين، وتطور نظام المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء.

يختلف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" عن باقي الكتب التي تعرضت لتاريخ العراق في تلك الحقبة. انعكست شخصية علي الوردي على صفحات كتابه بشكل كبير. فلم يحمل الكتاب الصبغة التاريخية بقدر ما حمل صبغة اجتماعية فلسفية. أشار الوردي بنفسه إلى تلك السمة المميزة لكتاب. يقول في مقدمته: "إن هذا الكتاب يشبه أن يكون كتاب تاريخ بيد أنه يختلف عن كتب التاريخ المعتادة بكونه لا يهتم بالأحداث الماضية لذاتها على منوال ما يفعل المؤرخون بل هو يهتم في الدرجة الأولى بما تنطوي عليه الأحداث من دلالة فكرية واجتماعية، أما الاستقراء التاريخي فيأتي في أهميته بالدرجة الثانية".

عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
انتقد رجال الدين وقدم تفسيرا جديدا للإسلام المبكر.. عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
دخل الوردي في صراع فكري مع العديد من التيارات السياسية المتواجدة على الساحة العراقية في عصره. انتقده القوميون لميله للتركيز على الهوية العراقية. وانتقده الشيوعيون لرفضه الاعتماد على منهج التفسير المادي للتاريخ. وهوجم من رجال الدين مرارًا بسبب نقده اللاذع لهم.

اهتم الوردي كثيراً بالتوقف عند بعض المحطات التاريخية ليبين تأثيرها في الحاضر العراقي. على سبيل المثال يتحدث عن أهمية دراسة الحقبة العثمانية في العراق فيقول: "نحن لا نزال نعيش في تراث العهد العثماني ولا يزال الكثيرون منا يفكرون على نمط ما كانوا يفكرون عليه في ذلك العهد، وقد أدركت في صباي أناساً يحنون إليه ويترنمون بأمجاده ويتمنون أن يعود إليهم". كذلك يحاول الوردي أن يفكك النزعة الطائفية التي تنتشر في الكثير من أنحاء المجتمع العراقي، ويعمل على ردها لأصولها الاجتماعية. فيقول: "الطائفية ليست ديناً، إنّما هي نوع من الانتماء القبلي إلى مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لا يهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية أو روحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو ما يوحي به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم. إنه بعبارة أخرى ينظر إلى طائفته كما ينظر البدوي إلى قبيلته".

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.