في سنة 1893، نشر المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور".

يمتد تاريخ الحضارة في بلاد الرافدين لما يزيد عن خمسة آلاف سنة. تمكن الإنسان العراقي القديم من استغلال خصوبة أراضيه فأقام مجتمعاً زراعياً متطوراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد. عرف السومريون الكتابة. وأسس البابليون والأشوريون إمبراطوريات عظيمة. أما العباسيون فحكموا دولة الخلافة الإسلامية من عاصمتهم المزدهرة في بغداد. فيما بعد، تعرض العراق لصدمات عنيفة على يد كل من المغول والصفويين والعثمانيين والإنجليز. ولكن بقيت أرض الرافدين تنبض بالحضارة على مر القرون. نلقي الضوء في هذا المقال على خمسة من أهم الكتب التي تناولت تاريخ العراق عبر السنين.

 

"السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ صاموئيل نوح كريمر. ولد في مدينة كييف الأوكرانية في سنة 1897. هاجر مع أسرته في صغره إلى الولايات المتحدة الأميركية. ودرس في المرحلة الجامعية في قسم الدراسات الشرقية التابع لجامعة بنسلفانيا. اهتم كريمر بدراسة الحضارة العراقية القديمة. ولا سيما الحضارة السومرية التي ظهرت في الجزء الجنوبي من بلاد ما بين النهرين بدءاً من منتصف الألف الخامس قبل الميلاد. زار كريمر العراق وألقى بعض المحاضرات في تاريخ السومريين. توفى في سنة 1990، بعد أن فتح الباب أمام الباحثين للتعمق في تاريخ العراق القديم.

نشر كريمر العديد من الكتب التي ركزت على دراسة السومريين وحضارتهم. من أهم تلك الكتب "الأساطير السومرية: دراسة الإنجاز الروحية والأدبية في الألفية الثالثة قبل الميلاد" في سنة 1944م، و"التاريخ يبدأ من سومر" في سنة 1956م، و"في عالم سومر" في سنة 1988م.

في سنة 1963م نشر كريمر كتابه "السومريون: تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم". يُعتبر هذا الكتاب "أفضل ما كُتب عن السومريين وحضاراتهم حتى الآن"، وذلك بحسب وصف مترجم الكتاب الدكتور فيصل الوائلي.

امتد الكتاب على ما يزيد عن خمسمائة صفحة. وتألف من ثمانية فصول. قدم كريمر في الفصل الأول صورة عامة عن الجهود التي بُذلت لفك رموز الخط المسماري القديم. وتناول الفصل الثاني تاريخ بلاد سومر من عصور ما قبل التاريخ في الألف الخامس قبل الميلاد إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. أما الفصل الثالث فتطرق فيه المؤلف لمختلف مظاهر الحضارة السومرية. سواء كانت الاجتماعية أو الاقتصادية أو القانونية. وتناول كريمر الدين والمعتقدات في الفصل الرابع من الكتاب. وعرج على الأدب السومري في الفصل الخامس. وفي الفصلين السادس والسابع ألقى المؤرخ الأوكراني الأصل الضوء على التربية والأخلاق في بلاد سومر. وفي الفصل الثامن من الكتاب وضح كريمر معالم التراث السومري الذي أسهم في تطور الحضارة الإنسانية في بلاد الرافدين.

 

"تاريخ بابل وآشور"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ اللبناني جميل نخلة مدور. ولد جميل في بيروت في سنة 1862م، ورحل في شبابه إلى مصر. وكان مولعاً بدراسة الآداب العربية وتاريخ الحضارات الشرقية القديمة. تولى جميل رئاسة تحرير جريدة "المؤيد"، ونشر العديد من المقالات في مجلة المقتطف الشهيرة. وألف كتابه "حضارة الإسلام في دار السلام".

في سنة 1907م توفي جميل في القاهرة. ورثاه الكثير من المثقفين والأدباء العرب وقتها. على سبيل المثال امتدحه الأديب جورجي زيدان فقال إن جميل نخلة مدور "خدم آداب هذا اللسان خدمة حسنة يذكرها له التاريخ ما بقيت اللغة العربية".

في سنة 1893، نشر مدور كتابه الأشهر "تاريخ بابل وأشور". وترجع أهمية هذا الكتاب إلى كونه أول الكتب العربية التي اعتمدت على الأركيولوجيا وعلم الآثار الحديث في التأريخ للحضارتين البابلية والأشورية. يقول جميل نخلة مدور في مقدمة كتابه: "اختلف المؤرخون في بيان أصل البابليين والآشوريين وأشياء كثيرة مما يتعلق ببداءة أمرهم، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى لا تتلاءم ولا تتقارب حتى توصَّل الإفرنج في هذا الزمان إلى حلِّ الكتابة المعروفة بالمسمارية، وهي الحروف الآشورية، فتبين لهم كثير مما كان المؤرخون يختلفون فيه من تلك الحقائق وجزموا بكثير منها عن يقين؛ لأنهم رأوا حقيقتها مسطرة على جدران الأبنية التي كشفوها في تلك النواحي، فكانت أصدق شاهد بما كان من أمر تلك الأبنية وواضعيها وتواريخها...".

بعدها يستعرض المؤلف بعض الحكايات التراثية المرتبطة بالبابليين والأشوريين، فيفندها ويبين ما فيها من خطأ. يقول: "كثير من هذه الأقوال وما أشبهها وإن وثق بصحته بعض من تقدم من المؤرخين مدفوع عند أهل التحقيق". في سبيل الوصول لصورة تاريخية مبنية على أٍساس علمي، قسم مدور كتابه إلى قسمين رئيسين. في القسم الأول، بحث المؤلف في تاريخ تأسيس المملكتين البابلية والأشورية، وتطرق للآراء المختلفة حول أصل تسميتهما، كما تناول أهم المعالم الجغرافية والأثرية بهاتين المملكتين. أما في القسم الثاني من الكتاب، فتطرق المؤلف اللبناني إلى تاريخ المملكتين، وتحدث عن أشهر ملوكهما، وما وقع فيهما من حوادث ومعارك وحروب.

 

"تاريخ بغداد"

 

مؤلف هذا الكتاب هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي. ولد الخطيب البغدادي في سنة 392ه في إحدى نواحي الحجاز. سافر بعدها مع أسرته إلى العراق. واتصل في شبابه بأبي حامد الإسفراييني فدرس على يديه. ثم سافر في طلب العلم فزار البصرة ونيسابور وأصفهان. ورجع بعدها إلى بغداد فوفد عليه الطلاب من كل مكان. صنف البغدادي عشرات الكتب المهمة في التاريخ وعلوم الحديث ومنها "الكفاية في علم الرواية"، و"الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع".  وتوفي في سنة 463ه.

يُعدّ كتاب تاريخ بغداد واحداً من أهم الكتب التاريخية التي تناولت العراق في العصور الإسلامية. صنف الخطيب البغدادي هذا الكتاب بالتزامن مع بدء سيطرة السلاجقة على العراق في أواسط القرن الخامس الهجري. تضمن الكتاب ما يزيد عن 7800 ترجمة لحياة العلماء والمفكرين ورجال الدولة والصوفية والزهاد والفقهاء الذين عاشوا في بغداد أو زاروها. ورُتبت تلك التراجم على الشكل المعروف في كتب الطبقات والمحدثين. طُبع الكتاب في العصر الحديث في 14 مجلداً.

اعتبر الكتاب مرجعاً مهماً للكثير من العلماء المسلمين الذين أرادوا أن يؤرخوا للمدن فيما بعد. من أشهر هؤلاء العلماء كل من ابن عساكر في كتابه “تاريخ دمشق”، وابن العديم في كتابه “بغية الطلب في تاريخ حلب". وأشار إلى أهميته العديد من المؤرخين المسلمين. على سبيل المثال، اُمتدح الخطيب البغدادي من جانب ابن خلكان بسبب تأليفه لهذا الكتاب. يقول ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان": "لو لم يكن له -يقصد الخطيب البغدادي- سوى التاريخ لكفاه، فإنه يدل على اطلاع عظيم".

ظهر حب البغدادي للعراق في العديد من مواضع الكتاب. من تلك المواضع عندما يتحدث عن بغداد وأرض العراق فيقول: "هو صفوة الأرض ووسطها... واجتمعت في أهل هذا القسم من الأرض محاسن جميع أهل الأقطار بلطف من العزيز القهار، وكما اعتدلوا في الخلقة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بالعلم والأدب ومحاسن الأمور، وهم أهل العراق ومن جاورهم وشاكلهم".

 

"تاريخ العراق بين احتلالين"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والأديب العراقي عباس العزاوي. ولد العزاوي في ديالي في سنة 1890. درس الحقوق في جامعة بغداد وعمل في مهنة المحاماة. بالإضافة إلى ذلك، اشتغل العزاوي بالتدريس في بعض المدارس الأهلية. واُنتخب رئيساً للجنة التأليف والترجمة والنشر ببغداد.

ألف العزاوي العديد من الكتب التاريخية المهمة. منها على سبيل المثال "تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم"، و"تاريخ عشائر العراق"، و"الكاكائية في التاريخ"، و"الموسيقى العراقية في عهد المغول والتركمان"، و"تاريخ الأدب العربي في العراق". توفي في بغداد في سنة 1971.

يُعدّ كتاب "تاريخ العراق الحديث بين احتلالين" أهم كتب العزاوي على الإطلاق. تألف هذا الكتاب الموسوعي من ثماني مجلدات. نُشر المجلد الأول في سنة 1935، بينما نُشر المجلد الثامن في سنة 1956. بدأ الكتاب بتناول أحداث الغزو المغولي لبغداد والعراق في سنة 1258م، وانتهى بأحداث الاحتلال البريطاني لبغداد في سنة 1917.

رجع العزاوي في كتابه للعشرات من المصادر التاريخية المهمة. وعمل على التوقف عند بعض الحوادث العظيمة لاستعراض أهميتها وخطورتها. على سبيل المثال حلل العزاوي أسباب سقوط بغداد بيد المغول فقال: "من نظر قدرة الحكومة العباسية آنئذ ودرجة سلطتها وشاهد وضعها السياسي والعسكري وأنها لم تكن لها من المكانة ما تستطيع أن تدفع عنها الملوك الذين هاجموها قبل المغول... قطع بأن منزلتها كانت اسمية أكثر منها فعلية... خصوصاً بعد أن عرفنا أن حكومة المغول بقوتها القاهرة قد قضت على حكومات جمة، وأرعبت العالم بما أحدثته من دويّ وضجة ... فليس في وسع الحكومة العباسية أن تقاوم…". كذلك قام في الجزء الأخير من كتابه بتبيان أثر الحرب العالمية الأولى على العراق، فقال: "هذه الحرب العامة لسنة 1914م من أقسى الحروب، بل لم يسبقها مثلها، استعمل القوم العلم، واستخدموه في سبيلها، فتسلحوا بأقوى الأسلحة. والدولة العثمانية عاجزة ليس في استطاعتها المقاومة فابتلعت بلادها بسهولة. دخل العثمانيون الحرب، وجرت عليهم الويلات، وأصابنا أكثر مما أصابهم مباشرة، ولقينا نصباً شديداً، وآلمنا وقعها في النفوس والأموال".

 

"لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"

 

مؤلف هذا الكتاب هو المفكر العراقي الدكتور علي الوردي. ولد الوردي في مدينة الكاظمية ببغداد سنة 1913. ترك التعليم الابتدائي في سن مبكرة ليعمل في محل لصناعة العطور. عاد للسلك الدراسي مرة أخرى والتحق بالصف السادس الابتدائي سنة 1931م. وتابع دراسته بتفوق ليتم اختياره لبعثة دراسية بالجامعة الأميركية ببيروت، وهناك حصل على درجة البكالوريوس. رجع الوردي إلى بغداد واشتغل مدرساً في إحدى المدارس الإعدادية. وبعدها اختير لبعثة علمية بجامعة تكساس حيث نال درجتي الماجيستير والدكتوراه. عاد الوردي إلى العراق، والتحق بالعمل في جامعة بغداد. شغل منصب مدرس لعلم الاجتماع بكلية الآداب بالجامعة. وتدرج في المناصب الجامعية حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1970م. في 1995م توفي الوردي بعد صراع مع مرض السرطان.

خلف الوردي ثمانية عشر كتاباً، فضلاً عن عشرات المقالات والأبحاث التي ناقشت مباحث متنوعة في علم الاجتماع. من أهم كتبه كل من "مهزلة العقل البشري،" و"وعاظ السلاطين"، و"خوارق اللاشعور"، و"دراسة في طبيعة المجتمع العراقي".

يتألف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" من ستة أجزاء. يبدأ الجزء الأول بتناول تاريخ العراق منذ بداية العهد العثماني في القرن السادس عشر الميلادي، وينتهي الجزء السادس من الكتاب بأحداث سنة 1924م، ويلقي فيه الضوء على أحداث الصراع الدائر ما بين الحسين بن علي شريف مكة ومؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود. وما بين الحدثين، يهتم الوردي بمناقشة العديد من الوقائع التي أثرت في تاريخ العراق الحديث، ومنها على سبيل المثال أحداث الحرب العالمية الأولى وتأثيرها في العراق، واندلاع ثورة العشرين، وتطور نظام المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء.

يختلف كتاب "لمحات من تاريخ العراق الحديث" عن باقي الكتب التي تعرضت لتاريخ العراق في تلك الحقبة. انعكست شخصية علي الوردي على صفحات كتابه بشكل كبير. فلم يحمل الكتاب الصبغة التاريخية بقدر ما حمل صبغة اجتماعية فلسفية. أشار الوردي بنفسه إلى تلك السمة المميزة لكتاب. يقول في مقدمته: "إن هذا الكتاب يشبه أن يكون كتاب تاريخ بيد أنه يختلف عن كتب التاريخ المعتادة بكونه لا يهتم بالأحداث الماضية لذاتها على منوال ما يفعل المؤرخون بل هو يهتم في الدرجة الأولى بما تنطوي عليه الأحداث من دلالة فكرية واجتماعية، أما الاستقراء التاريخي فيأتي في أهميته بالدرجة الثانية".

انتقد رجال الدين وقدم تفسيرا جديدا للإسلام المبكر.. عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
دخل الوردي في صراع فكري مع العديد من التيارات السياسية المتواجدة على الساحة العراقية في عصره. انتقده القوميون لميله للتركيز على الهوية العراقية. وانتقده الشيوعيون لرفضه الاعتماد على منهج التفسير المادي للتاريخ. وهوجم من رجال الدين مرارًا بسبب نقده اللاذع لهم.

اهتم الوردي كثيراً بالتوقف عند بعض المحطات التاريخية ليبين تأثيرها في الحاضر العراقي. على سبيل المثال يتحدث عن أهمية دراسة الحقبة العثمانية في العراق فيقول: "نحن لا نزال نعيش في تراث العهد العثماني ولا يزال الكثيرون منا يفكرون على نمط ما كانوا يفكرون عليه في ذلك العهد، وقد أدركت في صباي أناساً يحنون إليه ويترنمون بأمجاده ويتمنون أن يعود إليهم". كذلك يحاول الوردي أن يفكك النزعة الطائفية التي تنتشر في الكثير من أنحاء المجتمع العراقي، ويعمل على ردها لأصولها الاجتماعية. فيقول: "الطائفية ليست ديناً، إنّما هي نوع من الانتماء القبلي إلى مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لا يهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية أو روحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو ما يوحي به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم. إنه بعبارة أخرى ينظر إلى طائفته كما ينظر البدوي إلى قبيلته".