أحد الحجاج أثناء شرائه سبحاً من أحد أسواق مكة- أسوشيتد برس
أحد الحجاج أثناء شرائه سبحاً من أحد أسواق مكة- أسوشيتد برس

قديماً كانت رحلة الحج طقساً شاقاً يتطلّب الكثير من الوقت والجهد، وكثيراً ما كانت تتعرّض قوافل الحجاج للسلب والنهب، حتى أن ركناً أساسياً من طقوس "ما قبل الرحيل" إلى مكة، تمثّل في كتابة الحاج وصيته وسداد ديونه والمرور على بيوت جيرانه يطلب منهم مسامحته عن أي خطأ ارتكبه بحقهم، قبل سفره إلى رحلة صعبة لا يعلم إن كان سيعود منها أم لا.

بعدها يغيب الحاج لمدة طويلة قد تصل إلى أشهر تنقطع خلالها أخباره ويزداد شوق أهله إليه، الأمر الذي يجعل عودة الحاج بعد غيابه الطويل إلى داره مناسبة تستحق الاحتفال وتوزيع الهدايا على الناس.

ضاع الكثير من وهج هذه الاحتفالات مع تغيّر وسائل النقل وتحسن ظروف السفر، إلا أنها لم تتلاشَ تماماً، ولا تزال بعض الدول العربية تحاول التمسّك بها.

وحديثاً، تنتشر في كل سنة مقاطع فيديو في يوتيوب ومواقع التواصل الأخرى، تكون إما استعراضية أو إرشادية، تتعلق بطقوس استقبال الحجاج والمعتمرين، من إعداد الهدايا والأطعمة والمشروبات أو الحلويات الخاصة بهذه المناسبة، بالإضافة لدليل حول أنواع الهدايا وأسعارها والأسواق التي تبيعها بأثمان مقبولة وأرخص من سواها، في السعودية، أو البلد الأم.

وإن كانت الهدايا في البدايات حتى عقود سابقة كانت تجلب خصيصاً من مكة والمدينة المنورة في السعودية، باتت اليوم تحضّر من قبل أهالي الحاج إذ ينشط سوقها قبيل عيد الأضحى في بلدانهم، ما يوفر على الحجاج جهد وتكلفة حملها معه من رحلة الحج.

 

مصر: زينة وهدايا

يحرص أهالي الحاج في مصر، على استقباله عبر تزيين بيته برموزٍ دينية تعبّر عن رحلته، بكتابة أحاديث دينية عن فضائل الحج أو رسم الكعبة على جدار المنزل الخارجي، وكتابة جملة "حجٌ مبرور وذنب مغفور".

ومع تقدم وسائط النقل، استخدم الرسّامون نماذج للطائرات والبواخر على المنازل إشارةً لها. كما اعتاد الأهالي إقامة ليلة دينية يحضرها الحجاج لتلاوة القرآن والأناشيد الدينية ليتبادل فيها الحجاج وأصدقاؤهم التهاني بالعودة، بحسب مواقع مصرية محلية.

ويقدّم الحاج لزواره هدايا اشتراها من مكة ذات صبغة دينية، مثل: سبحة أو سجادة صلاة أو ماء زمزم.

في كتابه "الاحتفالات في عصر المماليك"، أكد نبيل قرحيلي، أن هذه الاحتفالات كانت تحدث في مصر منذ قرون، فخلال عصر  المماليك اعتاد الناس الاحتفال بعودة المحمل (موكب الحجاج) أواخر شهر محرم بالتقويم الهجري.

يقول قريحلي، إن "شخصًا يسمّى (المبشّر) كان يسبق قدوم المحمل بثلاثة أيام ليبشّر الناس بقٌرب عودتهم. وكان المحمل يدخل القاهرة في ركبٍ كبير وسط احتفالات ضخمة تقام في المدينة يترأسها السُلطان بنفسه، وتمتلئ المدينة بموائد الطعام والحلويات احتفاءً بالعائدين".

لاحقًا، ابتكر المماليك ما عُرف بـ"عفاريت المحمل"، وهم ممثلون هزليون ينضمون إلى محمل الحج فور دخوله القاهرة، ويؤدون حركاتٍ استعراضية اعتُبرت لاحقًا بداية "فنون الشارع الهزلية" بمصر.

استمرّت هذه العادات لفترة طويلة من الزمن حتى أن رحالة فرنسي عاصر استيلاء نابوليون على مصر، شهد على الاحتفاء بدخول محمل الحجاج إلى مصر، فوصفه "وكأن أمة بكاملها تسير في الشوارع"، حسبما ذكرت ليلي عنان في كتابها "الحملة الفرنسية في محكمة التاريخ".

وهو الأمر الذي استمرّ حتى العهد الملكي؛ فيروي الرحّالة الإنجليزي جوزيف مكفرسون في كتابه "الموالد في مصر"، أنه "شاهد احتفالاً حضره رئيس الوزراء ممثلاً عن الملك وطالَع فيه استعراضا أقامه بعض جنود الجيش المصري، ثم دشّن الصوفية موكبا كبيرًا بالأعلام والطبول".

 

العراق: الحاج "مثل العريس"

يقول مراسل "ارفع صوتك" في بغداد، إن "عادات استقبال الحجاج تغيرت كثيراً مقارنة بما قبل 25 عاماً على سبيل المثال، لتنحسر ببعض المظاهر، ويختفي البعض الآخر".

ويضيف أن مراسم الاستقبال تشبه إلى حد كبير مراسم الأعراس في العراق، إذ تتم معاملة الحاج كأنه عريس، ويذهب أقاربه من أبنائه وإخوته وأحفاده إن كان له أحفاد، ويستقبلونه بسياراتهم إما في المطار أو عند مدخل المدينة أو البلدة التي يقطنها.

وعلى السيارات التي تستقبل الحجاج، تُرفع رايات بيضاء أو قطع قماش بيضاء، ويتم الاحتفال به حتى وصوله بيته. كما يتم تعليق قطعة قماش بيضاء على حائط البيت من الخارج، ليعرف الناس أن في هذا البيت حاج قد وصل من مكة حديثاً.

بعد ذلك، يشرح مراسلنا: "يقوم الأقارب والأصدقاء والجيران بزيارة الحاج لتهنئته بأدائه لفريضة الحج وعودته خالياً من الذنوب كما ولدته أمه (بحسب ما ورد في الأحاديث النبوية)، وهؤلاء المهنئون يأتون حاملين معهم الهدايا، التي تكون في الأغلب من الأرزاق الجافة (مواد غذائية أساسية)، لمساعدة أهل الحاج في تأمين احتياجات إعداد الطعام للمهنئين".

وربما أكثر عادة ما زالت سارية وشائعة في العراق حالياً، يؤكد مراسلنا، توزيع الهدايا على المهنئين، التي تكون في العادة سبحة، أو سجادة صلاة أو قطع قماش خام لتصنيع أثواب منها.

وبحسب إمام وخطيب جامع "التون الكبير" في مدينة أربيل، عبدالغفار صابر خورشيد، تبدأ مراسم استقبال الحجيج في إقليم كردستان العراق، قبل أيام من عودتهم، عن طريق التحضيرات التي تجريها عوائلهم، وتتمثل بصناعة حلوى الكليجة (المعمول)، إلى جانب البقلاوة والحلويات الأخرى والعصائر، استعداداً لاستقبال الضيوف الذين يزورون الحاج بعد عودته في منزله على مدى 3 أسابيع أو أكثر. 

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "عند عودة الحاج تستقبله عائلته وأقاربه بالتكبير، والبعض يستقبله بنحر الأضاحي، تعبيراً عن فرحتهم. كما يتم إعداد وليمة طعام لضيوفه من الأقارب".

وللمهنئين هدايا من الحجاج، هي "العجوة (عجينة التمر) وماء زمزم والسبح والسواك وقبعة الصلاة وسجادة الصلاة وبالونات للأطفال وقطعة من القماش أو ثوب، والأخيرين يخصّ بهما أقاربه وأفراد العائلة"، يضيف خورشيد.

ويشير إلى أن الحاج عادة ما يروي للمهنئين قصة وأحداث الحج التي عاشها، خصوصاً زيارته لقبر النبي محمد ووقوفه على جبل عرفة.

 

الجزائر: ارتداء "البرنوس" 

منذ لحظة وصوله إلى المطار، تستأجر عائلة الحاج سيارة فاخرة يركبها فور عودته احتفاءً به، وفي بعض الأحيان يُستقبل ببعض الممارسات التي تُشعر الحاج بعودته لوطنه كأن يُطلب منه ارتداء "البرنوس"، وهو لباس تقليدي جزائري، أو تناول معلقة أو اثنتين من أطباق محلية مثل "الطمينة" أو "الرفيس".

بعدها يقيم الحاج في منزله وليمة ضخمة تُعرف بِاسم "الوعدة"، تُصنع فيها أطباق الطعام الشهية، كما تُذبح العجول ويُدعى الأقارب لتناولها والالتقاء بالحاج العائد لتوّه من مكة، ويتبارى الجميع في إلقاء المدائح والأناشيد الدينية والإعراب عن سعادتهم بعودة الحاج.

 

السعودية: "قعادة الحاج" 

تبدأ  استعدادات استقبال الحاج قبيل أيام من وصوله في السعودية، حيث يُخصص له مقعد جديد لا يُسمح لأحد بالجلوس فوقه قبل قدوم الحاج، يُفرش المقعد بالقطن ويُزين بالمساند الملونة.

يقول محمد راشد في كتابه "هذه بلادنا: صبيا"، إن هذا اليوم كان يُسمّى "تحبيل القعادة"، وفيه يجري تغيير الخوص لسرير من الخشب كان من الشائع استخدامه في بلاد الحجاز قديمًا. عملية "التحبيل" يجريها متخصص في هذا الأمر ومن حوله تقف نساء يضربن الدفوف ويزغردن ويلقين بالدراهم فوق الرجل.

بعد الانتهاء من هذه العملية توضع الأشواك فوق السرير الخشبي حتى لا يجلس عليه أحد إلا الحاج، وما إن يصل حتى يكون أول من يجلس عليها.

وقديماً اعتاد أهالي جازان غناء أهازيج عُرفت بِاسم "العَجَل"، كانوا يستعجلون فيها مجيء الحجاج عندما تبدأ رحلات العودة من الأراضي المقدسة ويعرفون بقُرب أهلهم من قريتهم.

وحين قدوم الحجاج، يُستقبلون في حفلٍ كبير لا ينقطع فيه أهلهم فيه عن غناء الأهازيج الدينية وإطلاق الزغاريد، وفي بعض الأحيان كان يتضمّن الاحتفال وضع الحنّاء على أقدام الحجاج وذقونهم.

فيما اعتاد بعض الأهالي في أماكن أخرى بالسعودية مثل جدة والطائف التعبير عن الفرحة عبر وضع سعف النخيل فوق المنازل ورفع رايات خضراء عليها، وأيضاً إقامة احتفالية عُرفت بـ"النثيرة"، يستقبل فيها الأهل والأقارب الحاج بأوعية مملوءة بالخمس والمكسرات والحلوى "ينثرونها" فوق رأسه فور وصوله وهم يتلون أهازيج الفرحة.

كما تُقام احتفالية خاصة للشباب تسمّى "السرارة" الذين أدّوا الحج لأول مرة، يرتدون فيها ثياباً بيضاء.

كتب عدنان بن درويش في كتابه "أصول اللعب والترويح والرياضة في المجتمع الإسلامي"، أن هذه العادة انتشرت في المدينة المنورة بصفة خاصة للأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة عشرة الذين كُتب لهم مرافقة أهاليهم إلى الحج، أمرٌ لم تستثنَ منه الفتيات، فعند عودة الواحدة منهن يٌقام لها وليمة يُدعى لها الأقارب تظهر خلالها الفتاة بزيِّ الإحرام، وفور خروجها من المنزل يطلق الأهالي الزغاريد.

 

اليمن: "المدرهة" 

في كتابه "سبعون عاما من المسرح في اليمن"، تطرّق سعيد العولقي إلى مهرجانات "المدرهة" الشعبية التي كان يقيمها اليمنيون احتفاءً بعودة الحاج، حيث قال إن أرجوحة المدرهة كانت تُنصب في الساحات استعدادًا لاستقبال الحجاج وتُنشد حشود الناس مجموعة كاملة من الأغاني التي تترقّب عودته.

وفي كتابه "الأدب الشعبي اليمني"، منح مصطفى أبو العلا هذا الطقس اسمًا آخر هو "التدرية".

خلال هذه المهرجانات يحرص اليمنيون على ارتداء أزيائهم الشعبية والتباري في أداء بعض الرقصات المحلية وإنشاد أغانٍ تعبّر عن محبة النبي محمد والاشتياق للحاج المسافر إلى بلاد الحرمين.

تشهد هذه المهرجانات أيضاً، إقامة "المدرهة"، وهي أرجوحة كبيرة تصنّع من الخشب ويتنافس الحضور على اللعب عليها تعبيراً عن فرحتهم بقُرب عودة الحاج.

ووفقًا لمطهر الأرياني في كتابه "المعجم اليمني في اللغة والتراث"، فإن "انقطاع حبل المدرهة في أي وقت قبيل عودة الغائب أثناء التمدره (التأرجح) تكون علامة شؤم بتعرض الحاج إلى مكروه خلال سفره".

أيضً كان من المعتاد أن يعلّق الحاج جزءاً من ملابسه على الأرجوحة فور عودته تعبيرًا عن سعادته بإتمام الفريضة والعودة سالماً.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".