الوردي يتسلم شهادة الدكتوراه من حاكم تكساس عام 1950- من كتاب "علي الوردي بين تكساس وبغداد"
الوردي يتسلم شهادة الدكتوراه من حاكم تكساس عام 1950- من كتاب "علي الوردي بين تكساس وبغداد"

بين عاميّ 1946 و1950، عاش عالم الاجتماع العراقي الشهير علي الوردي في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً في ولاية تكساس، حيث درس علم الاجتماع، وأنجز رسالة الدكتوراة فيها.

يقول الوردي عن هذه الفترة، في كتابه "من وحي الثمانين": "السنوات الأربع التي قضيتها في أميركا، كان لها أثرها في شخصيتي. فقد درست هناك علم الاجتماع. والواقع أني كنت مولعاً بهذا العلم منذ بداية شبابي. ولكني لم أفهمه كما هو في حقيقته إلا في أميركا".

وبعد عودته، صار يستشهد بتجاربه في الولايات المتحدة وما تعلّمه من العيش فيها ومخالطة مجتمعها والجلوس على مقاعد جامعاتها.

يحكي عبد الأمير محمد أمين الورد، في المقدمة التي ساهم بها في كتاب "من وحي الثمانين" عن أثر أميركا على شخصية الوردي بعد عودته إلى بغداد: "صرنا نسمع الأعاجيب عن أميركا وأحوالها... كان قسم منها لا يكاد يصدّق، فكيف يستغنون عن المناديل من القماش بمناديل من الورق؟ وكيف يأكلون لحوم العجول بدل لحوم الضأن... وكيف وكيف وكيف؟ كانت الجلسات لذيذة وجميلة ومفيدة حقاً".

وشنّ الوردي، كما يقول الورد، "حملة شعواء على الأغنية العراقية لأنها أغنية حزينة باكية لا تعرف الفرح ولا تتحدث إلا عن فراق الأحبة وآلام العشاق، في حين يعمّ الفرح والبهجة الأغنية الأميركية".

حضرت الولايات المتحدة في كتابات الوردي، وفي مقدمة كتابه الشهير "وعّاظ السلاطين" يحكي عن العناية التي تخصصها الجامعات الغربية بالشهوة، "فلا تستحي ولا تعظ"، على حد قوله، و"هي تخصص لطالباتها وطلابها أماكن الاختلاط والرقص".

وينقل الوردي ما تعلّمه من احد أساتذة جامعته في تكساس عندما سأله عن السماح بالاختلاط في أميركا فأجباه الأستاذ: "إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجأوا إلى الاختلاط المستور بعيداً عنا في جو ملؤه الريبة والإغراء. عوّد أبناءك على حياة النور تنكمش فيها نزعة الظلام!".

ويروي في "وعّاظ السلاطين" حادثة حصلت معه تعكس الفارق بين العادات الاجتماعية بين أميركا والعراق وإسقاطاتها على السياسة، فيقول: "حدث لي ذات مرة في بدء دخولي الحياة الأميركية أن حييت فتاة من فتيات صفي الحسان فردت لي التحية بغمزة من عينها. وغمزة المرأة في أميركا لا تعني غير اللطف وحسن المجاملة. أما أنا فقد فسّرت تلك الغمزة تفسيراً شرقياً خبيثاً. وبقيت طول يومي أنظر وجهي في المرآة وأضرب أخماساً بأسداس".

ويشرح الوردي سبب هذا التفاوت الحضاري: "في بيئتي الشرقية المتزمّتة من وقار مصطنع، جعلني أحسّ لدى تلك الغمزة البريئة بهمسة من همسات الشيطان ومن السهل أن يغري الشيطان إنساناً اعتاد على الوقار المصطنع والتزمّت الشديد".

ويعيد هذا التزمّت إلى "بقايا مجدنا الذهبي القديم"، وهو ما يتناوله بإسهاب في الكتاب.

مع ذلك، فإن الوردي لم يتخل عن حبه لبلده العراق وتفانيه في خدمته وافتخاره به، على ما ينقل سلام الشمّاع في كتابه الذي جمع فيه رسائل علي الوردي التي كان يرسلها إلى أحد أقاربه في العراق ويدعى خليل الورد، في فترة عيشه في الولايات المتحدة الأميركية.

يقول الشماع: "كان رجلاً وطنياً أحب العراق وتفانى في خدمته وافتخر به وتباهى خاصة في موطن دراسته في جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأميركية، فهو يطلب صوراً عن بغداد ومعالمها، كما يطلب صوراً عن مدن العراق والآثار والمساجد وصور المراسيم الدينية".

"كما كان يطلب طوابع عراقية ليباهي بها زملاءه الأميركان وغير الأميركان... كان الوردي متعلقاً بإرث بلده وتقاليد أهله، فهو يطلب من الأستاذ خليل الورد أن يرسل إليه السبح والغترة والعقال والعباءة العربية، ويقول إنه يريد أن يلبسها في الحفلات هناك، أي في أميركا"، يتابع الشماع.

وفي إحدى الرسائل يقول إن الوردي أرسل داخل المكتوب "بعض الصور التي التقطت للحفلة التي أقامها الطلاب العرب لحاكم ولاية تكساس وقد لبسنا العقال وخطبت مرحباً بالحاكم وزوجته وأعددنا لهم الطعام العربي ورقصت لهم فتاة لبنانية رقصاً عربياً وكانت حفلة سارة جداً".

وعن إحدى هذه الحفلات يقول الوردي في واحدة من رسائله: "هذا أول يوم من السنة الجديدة وقد دعيت بهذه المناسبة إلى وليمة مساء أمس في أحد البيوت، وكانت سهرة طيبة وعجيبة بالنسبة إلى أخلاق الشرق وعاداته، وقد بدأت أتعوّد على هذه العادات التي يجفل منها العراقي أو قد يشهر خنجره فيمزّق به البطون إذا رآها، لكن لا تعجب فهنا أميركا بلد العجائب، وهنا أكثر المجتمعات تحرراً من التقاليد".

وتضمنت رسائله، بحسب الكتاب، وصفاً لبعض المباني في شيكاغو وغيرها، ومنها المخازن والأسواق الكبيرة، كما زار في الولايات المتحدة معبداً للبهائية وتباحث مع رئيس المعبد حول تاريخ البهائية وعبّر في رسائله عن انبهاره بمبنى المعبد، وأرسل إلى قريبه خليل الورد صورة لهذا المبنى المعروف بـ"مشرق الأذكار"، وهو أكبر معبد للبهائية في العالم.

عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
انتقد رجال الدين وقدم تفسيرا جديدا للإسلام المبكر.. عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
دخل الوردي في صراع فكري مع العديد من التيارات السياسية المتواجدة على الساحة العراقية في عصره. انتقده القوميون لميله للتركيز على الهوية العراقية. وانتقده الشيوعيون لرفضه الاعتماد على منهج التفسير المادي للتاريخ. وهوجم من رجال الدين مرارًا بسبب نقده اللاذع لهم.

جال الوردي في عدد من الولايات الأميركية وجمع المعلومات اللازمة لرسالته، وكان يقلق من العودة إلى العراق بسبب غياب الخدمات الأساسية في الكاظمية وخصوصاً مشكلة الكهرباء، كما كان يتابع أحوال بلده ويفكّر في شراء بيت.

ويسأل الوردي في إحدى رسائله عن قضية بيع اليهود لمنازلهم وأثاثهم (على خلفية أحداث "الفرهود" وما تلاها) فيقول: "علمنا أن اليهود أخذوا يبيعون دورهم وأثاثهم فانخفضت هذه إلى أسعار منخفضة، فإذا كان الأمر صحيحاً أكون ممتناً كل الامتنان إذا فتشتم بمعرفة بعض الخبراء والأصدقاء عن بيت ملائم في محل ملائم، وإرسال الخبر بالسرعة الممكنة فلعلي أستطيع عمل شيء نافع في هذا السبيل".

في خاتمة كتابه "وعاظ السلاطين"، يتطرق الوردي إلى أهمية الديمقراطية ونظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطيات الحديثة، ويعتبره "ثورة مقنّعة وهادئة، حيث يذهب الناس اليوم إلى صناديق الانتخاب، كما كان أسلافهم يذهبون إلى ساحات الثورة، فيخلعون حكامهم ويستبدلون بهم حكاماً آخرين".

وفي إشارة إلى تأثّره بدراسته في الولايات المتحدة الأميركية ينقل عن المستر ليمان، الكاتب الأميركي المعروف أن "ثوار الأمم الديمقراطية يستخدمون أوراق التصويت بدلاً من رصاص البنادق"، وأن استخدام أوراق التصويت سار بالدول الديمقراطية سيراً هادئاً مطمئناً في التاريخ.

كما ينقل قولاً آخر لتعزيز نظرته إلى الديمقراطية وأهميتها، هذه المرة لأبراهام لينكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية، عن أن "الديمقراطية هي من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب".

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.