يفتقر لبنان إلى نسخة موحدة لكتاب التاريخ حيث تتفرد كل مؤسسة تعليمية بنسختها الخاصة، التي، تجمع بينها الثيمة الرئيسية: التاريخ العالمي، وتأسيس لبنان.
وكان طلبة المدارس الرسمية في لبنان، يتلقون مادة التاريخ مرة أسبوعياً، ثم تقلص عدد المرات شهرياً، حتى صارت المادة اختيارية في الامتحانات الرسمية، بتأثير الأزمات المتتالية منذ 2019، سياسية وصحية واقتصادية.
هذا الأمر، يدفع الكثيرين للتساؤل عن "الذاكرة الجماعية للبنانيين" ومكانها وسط تهميش "التاريخ" في التعليم الأساسي للأجيال الحالية والمقبلة.
وإضافة إلى التنوع الديني والقومي في لبنان، الذي يجمع بين 18 طائفة، هناك عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين... فما التاريخ الذي يربط بينهم جميعها؟
تأريخ الأدباء
البحث عن تاريخ مشترك قد يفسر لجوء عدد كبير من الأدباء والأديبات اللبنانيين لزرع بعض التفاصيل التاريخية أو المستوحاة من الأحداث الماضية في إصداراتهم الأدبية بمختلف أنواعها (قصص، روايات، مسرحيات، سير ذاتية، شعر...).
من الأمثلة، كتابات أمين معلوف وصلاح سيتيته وألكسندر نجار ويوسف معوض وجاكلين مسابكي وغيرهم، إذ يتعرضون للتفاصيل الصغيرة في يوميات اللبنانيين التي قد تغيب عن المؤرخين. كالقَدر الذي ما زال ساخناً في أحد البيوت التي تعرضت لرشق النيران، والصليب المعلق على أحد الجدران في منزل تهجر أهله للتو، أو مفاتيح بيوت الفلسطينيين المعلقة داخل منازلهم في المخيمات، أو التعاون بين فريق وعدوّه في الحرب الأهلية، حين يقرر المتحاربون الأخوة التوقف برهة عن القتال من أجل مرور سيدة تكاد تضع مولودها، أو لاحتساء كوب شاي معا وسط الظلام الدامس، وعلى وقع صدى الأجهزة اللاسلكية المقلقة.
هذه التفاصيل كثيرا ما تعلق في الذاكرة الجماعية من خلال تداولها في الإنتاج الأدبي أو الفني بشكل عام، لتحل مكان الصور الباردة والمتحيزة للحرب.
وفي أعمال كتاب أجانب أيضاً، نجد هذه الرؤية للتاريخ المتشعب والمعقد للبنان، كما في رواية سورج شالندون "الحائط الرابع"، ويقصد بهذا الحائط الجدار الوهمي الذي يفصل بين المؤدي على خشبة المسرح والجمهور.
وتكتسب هذه الرواية أهمية كون شالاندون عمل كمراسل حرب طوال حياته وشهد على مجازر في لبنان (صبرا وشاتيلا) وفي بلدان أخرى كالعراق وأفغانستان. وتركز هذه الرواية على مسرح الحياة اللبنانية التاريخية التي تعصف بها الحرب، خصوصا أن الراوي يأتي ليقدم مسرحية "أنتيغون" الرمزية أثناء الحرب الأهلية ويجمع شخصيات من مذاهب مختلفة تحت عنوان السلام دون أن ينجح بالوصول لهدفه.
محاولات
القومية اللبنانية تقف أمام العائق الذي تمثله إساءة استعمال الأحداث المؤرخة، ولهذه الغاية، يسعى المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان، لـ"قطع الطريق أمام المنشورات التي قد تسيء للأمن القومي والسلم الأهلي أو التي تخدم الحرب النفسية التي يشنها العدو الإسرائيلي"، كما يصرّح.
ومع ذلك، لا يزال الإعلام ضعيفاً، خصوصا أن الأرشيف الإعلامي الذي قد يعطي فكرة ولو ملونة عن تاريخ لبنان، غير منظم بشكل جيد.
وأُعلن مؤخراً عن مشروع لبناني بتمويل فرنسي، يهدف لوضع الأرشيف الوطني اللبناني بمتناول الشباب، ما من شأنه أن يسمح بتجنب إساءة استعمال الذاكرة من خلال نقل الأحداث كما وردت في Télé-Liban ، المعروفة سابقًا باسم Télé-Orient (افتتحت عام 1962) وإذاعة لبنان (1938) التي كانت تُعرف سابقًا باسم راديو الشرق والوكالة الوطنية للإعلام ومديرية الدراسات والمنشورات (تعود للعام 1961).
ومن المرتقب وضع الأرشيف عبر منصة إلكترونية ليكون بمتناول الجميع ويمنح الشباب فرصة الاطلاع على تاريخ وذاكرة لبنان، بعيدًا عن التحيزات السياسية والاجتماعية.
التصالح مع التاريخ
يصف الباحث اللبناني في علم الاجتماع، محمد علي، الروايات المختلفة لتاريخ لبنان، وفق كل جماعة وطائفة، بأنه مثل "كهف أفلاطوني خاص".
ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن الذاكرة "تشبه من هذا المنظور كهف أفلاطون لأنها تختصر الحقيقة بالظلال التي تفرض على الأشخاص فلا يرون سواها ولا يعرفون أي نسخة ثانية للواقع".
"هذا ما يحصل مع اللبنانيين، حيث تعتقد كل مجموعة أنها تمتلك الحقيقة التاريخية، ولذلك تعتمد التعبئة في الخطاب الشعبوي ليتعمد كل سياسي إظهار عفة فريقه من خلال اتهام فريق آخر مثلا بارتكاب المجازر. لكن الحقيقة التي لا لبس فيها أن الحرب كانت شنيعة ولكل فريق حصته من الخطايا"، يتابع علي.
ويضيف: "بالتالي، تقتضي الخطوة الأولى ليس فقط التصالح مع الماضي كما هو متوقع، إنما التصالح مع وجود نسخ مختلفة للماضي والاطلاع عليها من منظور موضوعي في محاولة أولى لفرز الذكريات الخاطئة والتأريخ المسيس من الواقع بالاستناد إلى دلائل حسية".
ومن ثم من منظور وطني بهدف "الدعوة للتوبة من الحرب التي خلقت شرخا بين الأخوة، والتعلم من أخطاء الماضي وعدم تكرارها في المستقبل انطلاقا من العبارة الشهيرة التي تتكرر في لبنان كلما اقتربت ذكرى الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما ولا زالت مستمرة بشكل مقنع (تنذكر وما تنعاد)"، بحسب علي.
