الأميرة بديعة مع ابنها محمد- صورة من أرشيف موقع "تاريخ العراق"
الأميرة بديعة مع ابنها محمد- صورة من أرشيف موقع "تاريخ العراق"

بالرغم من أن الأميرة بديعة بنت الحسين لم تلعب أدواراً مؤثرة طيلة حُكم أسرتها الهاشمية للعراق، إلا أن التاريخ خلّد اسمها بسبب نجاتها إبادة العائلة الملكية، في أحداث ما يُسمى "ثورة" أو "انقلاب" 14 تموز/ يوليو 1958، التي أطاحت بالحكم الملكي في البلاد.

وبديعة ابنة الملك علي بن الحسين، وشقيقة الأمير عبدالإله ولي العهد والوصي على عرش العراق، حينذاك، وشقيقة الملكة عالية وخالة الملك فيصل الثاني.

وُلدت في دمشق 1920 وعاشت طفولتها في مكة بالسعودية، حتى انتقلت مع أسرتها إلى العراق عام 1926، وتزوجت عام 1950 من الشريف الحسين بن علي بن عبدالله، وأنجبت منه ثلاثة أبناء هم: علي ومحمد وعبدالله.

ملك العراق فيصل الثاني يؤدي اليمين في سن 18 أمام البرلمان في 5 أيار/ مايو 1953
١٤ تموز ثورة أم انقلاب؟
في صباح ١٤ تموز/ يوليو 1958، تمّت تصفية جميع أفراد الأسرة الملكية الحاكمة آنذاك، وبينهم الملك فيصل الثاني الذي كان في ٢١ من العمر، وولي العهد عبد الإله ورئيس الوزراء نوري سعيد.
وأعلن لاحقاً قادة الانقلاب وبينهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، عن تأسيس الجمهورية العراقية.

علاقتها بأخيها الوصي

تمتّعت الأميرة بديعة بعلاقة وطيدة بأخيها، حتى أنه كان يعتمد على رأيها في اختيار زوجاته، مثلما وقع عشية اقترانه بالمصرية فائزة الطرابلسي.

حكى غزوان غناوي في كتابه "الأمير عبد الإله: حياته ودوره السياسي"، أن الوصي أوفد شقيقته، بصحبة أختهما الأكبر الأميرة عابدية، إلى القاهرة، للقاء العروس المختارة فوجداها "جميلة الوجه ذات معانٍ حلوة" على حد وصف الأميرة بديعة، فعادتا إلى بغداد وأعطتا الوصي موافقتهما على الزيجة.

في 1939 شهدت بديعة يوماً مشؤوماً من حياتها حين خرج الملك غازي، زوج أختها الملكة عالية، من قصره ليقود سيارته بسرعة كبيرة. تقول: "إذا بصوت اصطدام مروع تصطك منه الآذان، ألحقه اصطخاب مدوٍ صاحَبه وميضٌ خاطف انقطعت على أثره الكهرباء وخيّم الظلام على المكان"، حسبما نقل عنها مأمون زكي في دراسته "ازدهار العراق تحت الحكم الملكي".

ووفقاً لزكي، فإن الأسرة الملكية هبّت إلى مكان الحادث ليعثروا على الملك غازي مسجى أرضاً وقد فارق الحياة بسبب إصابة مباشرة وبليغة تلقاها في رأسه.

عقب وفاة الملك غازي جرى تعيين ابنه فيصل الثاني ملكاً على العراق، وبسبب صِغر سنّه كُلّف الأمير عبدالإله بالإشراف على العرش. 

لاحقاً أعربت مجموعة من كبار ضباط الجيش العراقي، هم: صلاح الدين الصباغ، فهمي سعيد، محمود سلمان، كامل شبيب، عن معارضتهم لسياسات الوصي فدعّموا رشيد الكيلاني لتشكيل حكومة في 1941.

بعدها رتّب الكيلاني جلسة لمجلس الأمة صوّتت على عزل عبدالإله وتعيين الشريف شرف بن عون وصياً بدلاً منه، كما فُرض حصارٌ على قصر الزهور لمنع الأميرات من الاتصال بأخيهن قبل أن يتقرّر ترحيل العائلة بأسرها إلى مدينة أربيل.

خلال هذه الأجواء الساخنة، تسلّلت الأميرة بديعة بصحبة الملكة عالية من القصر الملكي مرتديتين العباءة للبحث عن مكان شقيقهما حتى علمنَ أنه يرتّب للاستعانة بالبريطانيين واستعادة منصبه مُجدداً.

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

وبحسب يعقوب كورية في كتابه "إنجليز في حياة فيصل الأول"، فإن الأميرة بديعة لعبت دوراً في إنقاذ شقيقها بعدما استدعت الدكتور البريطاني سندرسن، طبيب العائلة المالكة، إلى دار عمتها الأميرة صالحة المطلة على نهر دجلة.

هناك التقى سندرسن بالأمير عبدالإله ووجده متهيجاً بسبب الأحداث، فاتفقا معاً على خطة لتهريبه من بغداد بمساعدة السفارتين البريطانية والأميركية وكانت البداية لإفشال حركة الكيلاني ونجاح عبدالإله في العودة إلى بغداد وإلى منصبه مُجدداً.

وخلال حرب 1948 تطوّعت الأميرة بديعة لعلاج جرحى الجيش العراقي خلال الحرب، منهم 3 ضباط، أحدهما وصفته بأنه كان "عابساً، مصفرّ الوجه"، ستعرف لاحقًا أنه عبدالكريم قاسم الذي سيقود "الانقلاب" ضد عائلتها.

وفي 1950 توفّيت شقيقتها الكبرى الملكة عالية متأثرة بإصابتها بمرض السرطان، ثم في العام نفسه كانت تترقّب ولادة ابنها.

وحسبما ذكر الطبيب كمال السامرائي الذي أشرف على الولادة في مذكراته "حديث الثمانين: سيرة وذكريات"، فإن "حالتها كانت صعبة لأن رأس الجنين كانت منحشرة في عظام الحوض، وهو ما أثار المزيد من قلق الأميرة بديعة، لكن الطبيب العراقي أدار عملية الولادة باقتدار ورُزقت الأميرة بمولودها الأول سليماً معافى البدن".

صورة للأميرة بديعة مع أبنائها- أرشيف

"عائلتك ماتت جميعها، اخرجي بسرعة"

في يوم 13 تموز/ يوليو 1958، اجتمع الملك فيصل بأفراد أسرته لتناول العشاء معهم، وخلال الجلسة أبدى فرحته بقُرب سفره إلى لندن للقاء خطيبته الأميرة فاضلة التي كان يستعد للزواج بها في هذه السنة، وكان مقرراً أن يرافقه في تلك الرحلة خالته الأميرة بديعة وزوجها الشريف الحسين على أن يبقى الأمير عبدالإله لإدارة أمور الدولة.

وبحسب كتاب "الليلة الأخيرة: مجزرة قصر الرحاب"، فإن أفراد العائلة شاهدت فيلم "لعبة البيجاما" من بطولة الممثلة والمغنية الأميركية دوريس داي (Doris Day)، وحينما قرّرت الأميرة بديعة الانصراف عانقت الملك وراحت تقبّله بحرارة، الأمر الذي استدعى استغراباً من إحدى الحاضرات، فقالت لها متعجبة: "لماذا هذا الوداع، إنك ستسافرين معه غداً إلى إنجلترا؟!".

انتهى اليوم برحيل الأميرة بديعة بصحبة زوجها إلى دارهما التي تقع في منطقة المنصور ببغداد. 

في مذكراته "خواطر السنين"، كشف المعماري العراقي الشهير محمد مكية، أنه تولّى تصميم هذه الدار، وأضافت الأميرة الهاشمية في كتابها "وريثة العروش"، أن بناء هذا المنزل كلّفهم 30 ألف دينار، والغريب أنهما عقب الانتهاء من فرش منزلهما قرّر زوجها أن يكتب البيت بِاسمه تحسباً لأي مصادرة قد تحدث للمنزل إذا أُطيح بحُكم الهاشميين.

قال الشريف "أرى أن عبدالناصر سيفعل ما من شأنه أن يضرّ العراق، وربما سيتحوّل البلد إلى مثل مصر"!

في صباح اليوم التالي، صُعقت العائلة الهاشمية بأنباء وقوع "انقلابٍ" عليها، داخل منزلها تلقّت الأميرة بديعة أخبار تمرد الجيش ولما حاولت الاتصال بالملك طمأنها أن كل الأمور بخير، بعدها قُطع الاتصال وكانت هذه آخر مرة تسمع فيها الأميرة بديعة صوت ابن أختها.

في تمام الساعة 8 صباحاً أخرج الجنود العائلة المالكة إلى حديقة القصر، وما أن اقتربوا من حوض الماء حتى أطلقت عليهم الرصاصات وأردتهم جميعاً عدا الأميرة هيام زوجة عبدالإله، حسبما أوضح محمد حمدي الجعفري في كتابه "نهاية قصر الرحاب: تفاصيل ما حدث ليلة 14 تموز".

وفي لقاء مع تمارا الداغستاني، التي كانت مقربّة من الأميرة هيام، وعاصرت المجزرة. قالت الأميرة لها، إنها مع بقية العائلة المالكة كانوا يحاولون الهرب بعدما سمعوا أن الجنود قادمون للقصر، لكن بسبب تأخرها عن اللحاق بهم، أصيبت برصاصة غير مميتة، وفقدت الوعي مباشرة، لتجد بعد استعادته الملك مقتولاً وأجزاء من رأسه تغطي ثيابه. 

عقب نصف ساعة من المجزرة الهاشمية طرق أحد ضباط الحرس الوطني دار الشريف حسين والأميرة بديعة، وما أن فتحا له صرخ فيهما "لقد ماتوا جميعاً، اخرجوا بسرعة".

ووفقاً لكتاب "نوري السعيد: رجل الدولة والإنسان"، فإن الأميرة بديعة فور وقوع الانقلاب تلقّت زيارة من الدكتور صالح البصام الذي شغل عدة مناصب وزارية إبان العهد الملكي للاطمئنان عليها وتحذيرها مما جرى.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

وداعاً العراق

كشف لطفي جعفر في كتابه "الملك فيصل الثاني: آخر ملوك العراق"، أن الزوجين، بصحبة أبنائهما الثلاثة، هربوا إلى السفارة السعودية ببغداد، التي وفّرت لهم الحماية حتى خرجوا إلى القاهرة، قبل أن يغادروا إلى مستقرّهم الأخير في لندن.

عن لحظة مغادرتها للعراق حكت بديعة في مذكراتها "حسبتُ أن الطيّار سيحلّق فوق قصر الرحاب، لعلّي ألمح أحداً من أهلي ربما نسوا أن يقضوا عليه فانزوى مختبئاً هنا أو هناك، غير أن الطيّار خيّب ظنّي للأسف".

طبيبها الخاص كامل السامرائي قابلها بعد تلك الوقائع بعام خلال زيارة لها، بصحبة زوجها إلى لبنان، حيث كانا يقيمان في شقة بمنطقة "الروشة" في بيروت.

كشف السامرائي انطباعاته عن أول مرة قابل فيها الأميرة بعد مقتل عائلتها قائلاً: "ذوَى وجهها الجميل غير أن وجهها النبيل ما زال في قمة عنفوانه".

كما لفت انتباهه أنها لم ترتدِ السواد حداداً على أسرتها إنما التزمت باللون الأبيض وفاءً لتقاليد أهالي الحجاز بارتداء البياض في لحظات الحداد، ولاحظ أن الاميرة علّقت صور جميع أفرادها المقتولين على أحد جدران الشقة.

في لبنان تلقّت نبأ مقتل عبدالسلام عارف 1966 فاشترت كمًا كبيرًا من الألعاب النارية أشعلتها كلها خلال احتفالها بوفاة الرجل الثاني في "الانقلاب"، وفي مصر عاصرت وفاة عبدالناصر 1970 فسجدت على الأرض "شكرًا لله".

ملك العراق فيصل الثاني يؤدي اليمين أمام البرلمان في 5 مايو 1953 ببغداد ليحل محل خاله الأمير عبد الإله
مجزرة قصر الرحاب... شاهدة تروي تفاصيلها لارفع صوتك
أقام القصر الملكي حفلا وفقرات لتسلية الأطفال كعرض الساحر، كانت تجلس تمارا إلى جانب الملك فيصل في تلك اللحظة التي وصلت بها سيارة بيضاء تحمل رسالة إلى الملك.
نظرت تمارا إلى الملك وهو يفتح الرسالة، والتي تعتقد أنها رسالة من دولة أجنبية كونها تشبه أوراق السفارات، مكتوب فيها باللغة الإنجليزية "أحذر الليلة

وفي عام 1988 أجرى المفكر العراقي حسن العلوي لقاءً مع الشريف الحسين في لندن، كشف بعض تفاصيله في كتابه "أسوار الطين: في عقدة الكويت وأيدولوجيا الضم"، حينها كان الحسين في السبعين من عمره لكنه "في لياقة صحية عالية تضفي على مهابته قامة باسقة وملامح حجازية عريقة لرجلٍ يتوازن فيه وقار الانتساب بعِظم المُصاب" على حد تعبير العلوي.

خلال اللقاء اعتبر الشريف الحسين أن عودة الأسرة المالكة لحُكم العراق "أفضل خيار للتخلُّص من حُكم صدام حسين، وأن ابنه الشريف علي هو الوريث الشرعي للحُكم والأحقُّ بعرش العراق".

من أجل تنفيذ هذه الفكرة قام الشريف الحسين بجولة خليجية للترويج لفكرته لكنه صادف اعتراضاً كويتياً أردنياً وتجاهُلاً سعودياً، فأُجهضت الفكرة مبكراً وبقيت طيَّ الأدراج حتى توفي صاحبها عام 1996، أما الأميرة بديعة فقد عمّرت بعده طويلاً حتى توفيت في بريطانيا عام 2020.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".