صورة لمشهد في أحد شوارع بيروت، التقطت عام 1973- فرانس برس
صورة من أحد شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، التقطت عام 1973- فرانس برس

ما هي حكاية سوق سيور في العاصمة اللبنانية بيروت؟ من أين أتى اسم "ساقية الجنزير"؟ أين يذهب البيروتي ليصلح "الغرامافون"؟ قهوة الفردوس ما هي؟ وماذا عن الخندق العسكري في "ساحة الشهداء"؟ مجموعة من الأسئلة وسواها يطرحها مشروع "ذكريات بيروت".

ويتوخى المشروع من خلال تسجيلات صوتية أشبه برسائل من "حكواتي-مؤرخ" وألبوم غني من الصور النادرة، الحفاظ على ذاكرة المدينة حية.

طارق كوّى، الحكواتي الذي ينشر تسجيلات صوتية تصل لعشرات اللبنانيين عبر مجموعات في تطبيق "واتساب"، يتحدث لـ"ارفع صوتك" عن مشروعه، الذي يهديه للجيل المخضرم ولشباب المستقبل، وفق تعبيره. وكان لنا هذا الحوار معه.

 

كيف أبصرت "ذكريات بيروت" النور وماذا تشعر تجاه هذا المشروع؟

بدأت الفكرة عام 1973، حينها كنت منخرطا في دراسة عن النسيج الاجتماعي لمدينة بيروت، وفي ذلك الوقت، كنا نستخدم دفتر الهواتف ونتأكد من تدوين اسم كل شخص مع عنوان سكنه. مثلا، طارق كوّى، شارع السوق الطويلة مع رقم البناية ورقم الهاتف، وهكذا، استطعت تجميع مدونة تضم كل  سوق على حدة، وكان ذلك قبل إنشاء "سوليدير"..

وبعد 25 عاما، عدت للتواصل مع الناس مع العلم أن الكثير تغير، فسكان المناطق أصبحوا من أطباء الأسنان والجراحين وما عادوا يزاولون المهن نفسها كما آباءهم الذين عملوا بالخيطان أو الخيش أو القماش.

كانت لدي كل تلك المعلومات عن الأسواق، تضاف إليها ذكرياتي منذ الطفولة حيث كنت أدور في الأسواق. هكذا بدأت العمل على مشاركة كل ما أعرفه عن الأسواق من خلال تسجيلات صوتية شكلت مشروع "ذكريات بيروت".

ابنتي هي أول المستمعين والمشجعين على نشر هذه التسجيلات، لينطلق بعدها المشروع. ولعل أكثر ما أثر في نفسي هو شعوري بالواجب تجاه بيروت وتجاه الجيل الجديد، فنحن كجيل مخضرم تقع على عاتقنا مسؤولية الإضاءة على ما نفخر به وهو أكثر بكثير من مجرد التركيز على السيارات والمنازل الفارهة والأموال والهواتف الذكية الحديثة. 

 

"ذكريات بيروت" ترسم خطا لتطور المدينة فكيف ترى تطورها عبر الزمن؟ 

في رحلة الحياة، من الطبيعي أن نختبر خلال عملية التطور التقدم وفي أحيان كثيرة الخسارة. ويحتم علينا التطور تغيير أسلوب حياتنا الذي لا يكون ناجحا بالضرورة في معظم الأحيان، ولذلك يحصل الفشل. ولذا نعود بحسرة للماضي ونقول "كانت الأيام أحلى!".

على سبيل المثال، هناك بنايات مرممة في وسط البلد وهناك من يقول اليوم "يا ليتنا تركنا مبان أكثر"، ولكن فلننظر للأمر من منظور مختلف، على اعتبار أن الحرب لم تدمر المباني، لكانوا أزالوا أيضا ثلاثة أرباع المباني ليتم تشييد غيرها في مناطق كما في زقاق البلاط والحمرا والمزرعة والأشرفية، وغيرها.

التطور لا يعني حكما الخيار الصحيح، لكنه يلحظ عوامل مستجدة مثل النمو السكاني والتعليم وتغير منظور الأمور، وفي معظم الأحيان، قد يضحي الأشخاص بأشياء يحبونها من أجل أشياء يعتبرون في حينها أنها الأمثل. ولكن هل هي دائما كذلك؟ لدي الكثير من الشك. ومع ذلك، هذا لا يعني أنني ضد التطور بل على العكس، أنا مع دمج الماضي بالحاضر، ليبقى الأثر المهم والقصص العميقة بالتوازي مع بصمة الحاضر والمستقبل. ومن الأمثلة على ذلك، مبنى "النهار" الذي أضيف إليه طابق بالكامل من الموزاييك أو حتى مبنى مكاتب مجلس النواب، حيث كان Banca de Roma سابقا، والذي يضم معالم من أيام الرومان. 

 

يُقال إن الأماكن حافظة للذاكرة، فماذا عن ذاكرة بيروت المكانية؟ 

أحاول من خلال هذا المشروع العودة للأماكن الدلالة أو مشاركة قصص الأماكن الموجودة في ذاكرتنا الجماعية. مثلا، أعود في التسجيلات إلى أماكن الدلالة التي تصبح هي نفسها محور الإرشادات المكانية مثلا: "أدر ظهرك لبناية العزارية، سر إلى الشمال أو انزل الدرج (السلالم)".

هذه الأماكن ربما لا يعرفها أولاد اليوم، كسوق الطويلة أو سوق سرسق، مثلاً، لكنهم سمعوا عنها من دردشات أهاليهم أو جدودهم أو جيرانهم أو أصحابهم. هذه الأماكن تحفظ الذاكرة وأنا أحاول بدوري إبقاء هذه الأماكن حية قدر الإمكان من خلال بناء القصة-التاريخ المحيط بها، وهذا ينطبق أيضا على الأماكن التي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا وهي كثيرة الحمد لله.

وفي بيروت كلها، بوسطها وتفرعاتها، هناك أماكن دلالة يسمح وجودها بحفظ ذاكرة الأماكن. 

 

كيف تروي قصة هذه الأماكن البيروتية عبر الزمن؟ 

أحاول أن أقصّ ماضي كل بقعة بيروتية كما لو كنت أتوجه لصديق، ولذلك أعتمد أسلوبا دافئا مع المستمعين لأنني على يقين بأن متابعي هذا المشروع هم في الأصل عشاق بيروت.

أروي القصة كما لو كنت جالسا قبالة المستمع على طاولة نحتسي فنجان قهوة ونسافر عبر الزمن. أروي عن تلك الساحات التي تبدلت معالمها وحتى أسماؤها، كساحة المدافع التي كانت ساحة  فخر الدين أو بساتين فخر الدين قبل أن تصبح شهيرة بساحة الشهداء أو معمل جلول أو قهوة القزاز التي تعني الكثير للبنانيين؛ لأن ذكرها وذكراها محفوران في الذاكرة الجماعية، ولأننا سمعنا أسماءها بينما يمضي بنا قطار العمر حتى ولو لم تتسن لنا زيارتها. 

استمع
إحدى الحلقات المسجلة من "ذكريات بيروت" بصوت طارق كوّى
إحدى الحلقات المسجلة من "ذكريات بيروت" بصوت طارق كوّى

كيف أثر انفجار مرفأ بيروت المروع على ما تبقى من ذاكرة الأماكن؟

لا شك بأن انفجار المرفأ في الرابع من آب (أغسطس) مثّل ضربة كبيرة للشواهد على ذاكرة المدينة، وشوه الكثير من الأشياء، خصوصا في منطقة الجميزة والمرفأ. في إحدى الحلقات، تكلمت عن محطات القطار، حيث دمر الانفجار ما تبقى من محطة مار ميخايل وعجّل هذا الحدث الأليم بتدمير مناطق أخرى ربما كانت لتبقى حية ولتستمر كشاهد  للجيل الصاعد. 

جزء من سكة حديد عند محطة "مار ميخائل" المُشار إليها في الفقرة السابقة- فرانس برس

طالما احتضنت بيروت طوائف مختلفة (من مسيحيين ومسلمين ويهود) كيف يظهر ذلك من خلال ذاكرة الأماكن؟

لطالما انتمى وسط مدينة بيروت للجميع. حارب كثر فيه وحوله ولكن أحدا لم يتمكن من الاستحواذ عليه، بالتالي، بقي دون صبغة طائفية أو مذهبية.

أهم الكنائس والجوامع في لبنان موجودة في وسط المدينة، مثل كاتدرائية سان جورج للروم الأرثوذكس أو مسجد الأمير منصور العساف، أو الجامع العمري الكبير، أو الكاتدرائية الكابوشية للقديس لويس، أو كنيس بيروت اليهودي. بيروت مهد لجميع الطوائف والكل مسؤول عن الحفاظ عليها وعلى تراثها، ويشهد التاريخ  أن أهم الأحداث التي حصلت نظمت في أهم كنائس وجوامع المدينة. 

 

وسط كل هذه المتغيرات، ما هي الثوابت التي تحفظ لبيروت هويتها؟

بعض الأشياء لا تتلاشى مع الزمن كالنشيد الوطني والعلم وسواها. في ما يتعلق بمعالم بيروت، لا بد من محاولة الحفاظ على الشوارع والمباني التي تحفظ هوية بيروت مع الحرص على أن تكون الأماكن صالحة وغير مهددة بالسقوط وقد تتحول لمرتع للقوارض.

هناك أسواق تم الحفاظ عليها وأخرى تغيرت وتطورت حول المدينة. ما يهم هو أن تحترم الحداثة هوية المدينة، وهناك أمكان لا تزال موجودة كما في أول شارع المعرض، القناطر مثل شارع الريفولي وبنايات بغلافات خارجية تحترم الماضي والحاضر، ولكن اللافت مثلا في كركون الدروز وزقاق البلاط حيث القصور الرائعة، بناء ناطحات سحاب تقطع الضوء عن المباني القديمة. ألم يكن أجدى مثلا الاكتفاء بطوابق معدودة تسمح بتأمين السكن مع احترام خصوصيات الأماكن؟ 

 

هل يرمز هذا الالتفات للماضي إلى الشعور بالخيبة من الحاضر والمستقبل؟

في بعض الأحيان، نشعر بغض النظر عن السياسة، بأن المسؤولين الذين يفترض بهم الالتفات لهذا الموضوع غائبون، كأن تكون رؤى البلديات محدودة. وبالعودة للتاريخ، لعبت بلدية بيروت في عهد فخري بك دورا أساسيا في تجميل ساحة الشهداء مثلا. هذا يطرح علامات استفهام حول مدى كفاءة الأشخاص المفوضين بحماية هذا الإرث.

اليوم، تضج بيروت في كل شارع وفي كل زاروب بتاريخ غني، ولكن مع الأسف، يظهر أن الاحترام والاهتمام بها غائب، ما يضاعف من خيبة الحاضر.

لم تكن هذه أحلامنا. كنا نطمح أن نكون جزءا من بيروت التي تتسع أحلامنا. أما عن المستقبل، نخشى أنه إذا شابه الأيام الحالية، سيصعب علينا النهوض، ليس من منطق ثورجي وإنما من منطق أن في يدنا نِعم تحيط بنا ولا نقدرها. الحاضر سيء وإذا بقي المستقبل بيد الأشخاص عينهم، فعلى الدنيا السلام.

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.