اختفى موسى الصدر عام 1978 بعد رحلة إلى ليبيا.
اختفى موسى الصدر عام 1978 بعد رحلة إلى ليبيا.

في 31 أغسطس 1978، شوهد الزعيم الشيعي موسى الصدر للمرة الأخيرة مع رفيقيه محمد يعقوب وعباس بدر الدين أثناء زيارتهما للعاصمة الليبية طرابلس.

ورغم مرور خمسة وأربعين سنة على هذا التاريخ إلا أن قضية اختفائهم ما زالت لغزاً غامضاً لم يُحل. 

 

من هو موسى الصدر؟

ولد موسى الصدر في مدينة قم الإيرانية عام 1928، وتعود أصوله إلى أسرة علوية النسب كانت تسكن في منطقة جبل عامل في لبنان. وهاجر أحد أجداده إلى مدينة النجف العراقية، لتستقر  الأسرة لاحقاً في إيران. 

سار على نهج آبائه وأجداده، فبدأ دراساته الدينية منذ سن مبكرة. وفي الوقت ذاته التحق بالمدرسة الابتدائية ليحصل بعض العلوم الأكاديمية. وفي المرحلة الجامعية، سافر إلى طهران فدرس في جامعتها العلوم السياسية، وأتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

وبعدها عاد الصدر مرة أخرى إلى مدينة قم المقدسة ليتتلمذ على يد العالم الشيعي الكبير محمد حسين الطباطبائي.

في السنوات الأولى من خمسينيات القرن العشرين، سافر الصدر إلى النجف ليتابع دراساته الدينية على يد كبار علماء الشيعة المعروفين في العراق، بينهم محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي.

وفي 1955 سافر إلى لبنان وقابل الزعيم الديني الذي يتولى مسؤولية قيادة الشيعة هناك، عبد الحسين شرف الدين، وتعرف عن قرب على أوضاع الشيعة في الأراضي اللبنانية.

بعد سقوط النظام الملكي في العراق سنة 1958، عاد الصدر إلى قم، وعمل على كتابة بعض المقالات المختصة بالاقتصاد الإسلامي في إحدى المجلات التابعة لآية الله البروجردي، أكبر المرجعيات الشيعية في إيران آنذاك.

الاستقرار في لبنان

في عام 1959، قبل موسى الصدر بالعرض الذي قُدم إليه من قبل بعض الزعامات الدينية في النجف، حيث كان عبد الحسين شرف الدين توفى عام 1957، وبحث علماء النجف عن شخص قادر على خلافته. ليجدوا بغيتهم في الصدر بسبب اطلاعه على ظروف الشيعية اللبنانيين من جهة، ولأصوله الأسرية التي ترجع إلى منطقة جبل عامل من جهة أخرى.

استقر الصدر في مدينة صور اللبنانية، وعمل على الاهتمام بالمكون الشيعي في كافة أنحاء لبنان، فأسس العشرات من الجمعيات الخيرية، ووسع نشاطات جمعية "البرو الإحسان" التي أسسها شرف الدين،  كما عمل على بناء مدرسة جبل عامل المهنية، ومدرسة أخرى للتمريض.

شارك أيضاً في العديد من الفعاليات العالمية، واشتهر باعتباره "صوتاً مسلماً" ينادي بالتقريب بين المذاهب والأديان المختلفة، ويدعو لإنهاء الصراعات الطائفية القائمة في شتى أنحاء العالم.

في عام 1963 شارك الصدر في مراسم تتويج البابا الكاثوليكي بولس السادس بناء على دعوة رسمية، وكان الوحيد الذي دُعي لهذه المناسبة. وأسهمت لقاءاته في الفاتيكان بإطلاق سراح رجل الدين الشيعي الإيراني آية الله الخميني من سجنه.

وفي عام 1969، خطا خطوة مهمة في سبيل توحيد جهود الشيعة في لبنان عندما أنشأ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"، واُنتخب رئيساً له. من جهة أخرى. وفي 1974، أسس أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة بـ"حركة أمل".

جهود الصدر في لبنان ظهرت على أوضح صورة مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، حيث عمل على تدارك الموقف وإقامة جسور للصلح بين الطوائف المتناحرة، فشكل مع مجموعة من اللبنانيين ما عُرف باسم "لجنة التهدئة الوطنية"، ولما فشلت في وقف الاقتتال الدائر، قام بالاعتصام في مسجد "الصفا" وامتنع عن الطعام والشراب لعدة أيام، لينهي الاعتصام بعد تأليف الحكومة التي أخذ منها وعداً بالعمل على إقامة المصالحة.

كانت الدعوة للتقارب والتآلف هي السمة المسيطرة على معظم الخطابات والمحاضرات التي ألقاها الصدر داخل لبنان وخارجه. قال في إحدا ها: "الوحدة الوطنية نعيشها اليوم في أعمالنا، وفي اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا وفي تعاوننا، في مجال الوظيفة الرسمية وغير الرسمية، ولكن هذه الوحدة يجب ألا تعني كما يعتقد البعض، ذوبان الجناح المسلم في الجناح المسيحي، أو ذوبان الجناح المسيحي في الجناح المسلم، ولكن أن يظل المسيحي على مسيحيته مئة بالمئة ويمد يداً مخلصة إلى أخيه المسلم؛ وأن يظل المسلم مسلماً مئة بالمئة ويمد يداً مخلصة إلى أخيه المسيحي، فإن ذلك يكون أجدى وأنفع، وبذلك نعيش الوحدة الوطنية فعلاً لا قولاً...".

 

لغز الاختفاء

في عام 1978 وجه الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي دعوة لموسى الصدر للمشاركة في احتفالات "الفاتح من سبتمبر". ليسافر في نهاية أغسطس مع رفيقيه محمد يعقوب وعباس بدر الدين، تلبيةً للدعوة.

تمت استضافتهم في فندق "الشاطئ" بمدينة طرابلس من قِبل الحكومة الليبية. وفي يوم 31 أغسطس شوهد الصدر للمرة الأخيرة مع رفيقيه قبل أن تنقطع أخبارهم بشكل كامل دون أن يخلفوا أي أثر.

نفى نظام القذافي اختفاء الرجال الثلاثة أثناء وجودهم على أراضيه، وأكد أنهم غادروا إلى إيطاليا على متن إحدى الطائرات المتجهة للعاصمة روما. من جهتها، نفت الحكومة الإيطالية وصول  الصدر إلى أراضيها.

وبحسب المذكرة النهائية للمدعي العام الإيطالي الصادرة سنة 2015، فإن التحقيقات توصلت إلى أن "الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين لم يصلوا ليل 31 أغسطس 1978 إلى مطار روما، وأن جريمة الخطف وقعت في ليبيا إبان حكم القذافي".

أثار اختفاء الصدر ومرافقيه الكثير من الجدل والنقاش في السنوات السابقة، وظهرت العديد من الروايات المفسرة لهذا الاختفاء الغامض. على سبيل المثال أكد وزير الداخلية الليبي الأسبق عبد الفتاح يونس، أن "الصدر ورفيقيه قتلا بعد وصولهما إلى ليبيا بأيام على يد صبري البنا، المشهور بأبي نضال، وهو مؤسس وقائد (حركة فتح المجلس الثوري)، والثلاثة دفنوا في حديقة منزل البنا في طرابلس".

وقال رئيس وزراء ليبيا الأسبق عبد السلام جلود في مذكراته، إن "معمر القذافي طلب من أجهزة الأمن أن تختار شخصاً بحجم وطول الإمام موسى الصدر، ليتقمص شخصيته ويلبس ملابسه ليغادر إلى روما"، الأمر الذي يُفهم منه تورط الأجهزة الأمنية الليبية في عملية إخفاء الصدر.

أشارت أصابع أخرى إلى أن إخفاء الصدر وقع بمعرفة بعض الأجهزة الأمنية الإيرانية التابعة للحكومة الإسلامية. في سنة 2018 قال جلال الدين فارسي مستشار المرشد الإيراني السابق الخميني، إن موسى الصدر كان "يجب أن يُقتل" بسبب تصريحات له حول توحد الأديان والمذاهب.

وأوضح فارسي أن الصدر كانت "لديه روابط قوية بشاه إيران وقال يجب أن نتوحد مع المسيحيين ويجب أن يذهب الشيخ إلى الكنيسة والقس يجب أن يحضر إلى المسجد. صدر هذا الكلام منه وكان يستوجب الوقوف ضده".

عُرف فارسي بعلاقاته الوطيدة مع حكومة القذافي، ولهذا حامت بعض الشكوك حول اشتراكه في جريمة قتل الصدر.

بشكل عام، أثار اختفاؤه عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الكثير من القوى الإقليمية، كما أثر هذا الاختفاء بالسلب على العلاقات اللبنانية الليبية لسنين طويلة. وفي سنة 2002 غاب القذافي عن القمة العربية التي عُقدت في بيروت بعد تردد أنباء عن تلقيه تهديدات من جماعات شيعية لبنانية تنحي باللائمة على ليبيا في اختفاء الصدر.

وبعدها بسنة واحدة، أغلقت ليبيا سفارتها في بيروت بدعوى أن الضغط اللبناني عليها لكي تكشف عن مصير الصدر "يشكل إهانة لها". ووصلت الأزمة بين البلدين إلى أوجها في أغسطس  2008 عندما أصدرت السلطات اللبنانية لائحة اتهام ضد معمر القذافي تتعلق باختفاء موسى الصدر "وصدر أمر الاعتقال القذافي بموجب نص قانوني يتيح للقضاء اتخاذ مثل هذا الإجراء بحق المشتبه بهم الذين يرفضون الاستجابة لاستدعاء رسمي إلى التحقيق".

في سبتمبر 2021، دخلت العراق على خط النقاش الدائر حول قضية اختفاء موسى الصدر، حين أعلن زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر عن تشكيل لجنة للكشف عن مصيره.

وقال عبر حسابه في منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "تم تشكيل لجنة مهامها الكشف عن مصير القائد المغيب، السيد موسى الصدر".

في الرابع من أغسطس الحالي، وقع تطور مهم أسهم في إحياء النقاش حول تلك القضية من جديد، حين عرض النائب العام الليبي على السلطات اللبنانية التعاون المشترك في قضية اختفاء الصدر داعياً إلى "موافاة النيابة العامة الليبية بطلب مساعدة قانونية يتضمن تقدير السلطات القضائية اللبنانية للإجراءات التي من شأنها الإسهام في استجلاء حقيقة تغييب موسى الصدر ورفيقيه".

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.