اختفى موسى الصدر عام 1978 بعد رحلة إلى ليبيا.
اختفى موسى الصدر عام 1978 بعد رحلة إلى ليبيا.

في 31 أغسطس 1978، شوهد الزعيم الشيعي موسى الصدر للمرة الأخيرة مع رفيقيه محمد يعقوب وعباس بدر الدين أثناء زيارتهما للعاصمة الليبية طرابلس.

ورغم مرور خمسة وأربعين سنة على هذا التاريخ إلا أن قضية اختفائهم ما زالت لغزاً غامضاً لم يُحل. 

 

من هو موسى الصدر؟

ولد موسى الصدر في مدينة قم الإيرانية عام 1928، وتعود أصوله إلى أسرة علوية النسب كانت تسكن في منطقة جبل عامل في لبنان. وهاجر أحد أجداده إلى مدينة النجف العراقية، لتستقر  الأسرة لاحقاً في إيران. 

سار على نهج آبائه وأجداده، فبدأ دراساته الدينية منذ سن مبكرة. وفي الوقت ذاته التحق بالمدرسة الابتدائية ليحصل بعض العلوم الأكاديمية. وفي المرحلة الجامعية، سافر إلى طهران فدرس في جامعتها العلوم السياسية، وأتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

وبعدها عاد الصدر مرة أخرى إلى مدينة قم المقدسة ليتتلمذ على يد العالم الشيعي الكبير محمد حسين الطباطبائي.

في السنوات الأولى من خمسينيات القرن العشرين، سافر الصدر إلى النجف ليتابع دراساته الدينية على يد كبار علماء الشيعة المعروفين في العراق، بينهم محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي.

وفي 1955 سافر إلى لبنان وقابل الزعيم الديني الذي يتولى مسؤولية قيادة الشيعة هناك، عبد الحسين شرف الدين، وتعرف عن قرب على أوضاع الشيعة في الأراضي اللبنانية.

بعد سقوط النظام الملكي في العراق سنة 1958، عاد الصدر إلى قم، وعمل على كتابة بعض المقالات المختصة بالاقتصاد الإسلامي في إحدى المجلات التابعة لآية الله البروجردي، أكبر المرجعيات الشيعية في إيران آنذاك.

الاستقرار في لبنان

في عام 1959، قبل موسى الصدر بالعرض الذي قُدم إليه من قبل بعض الزعامات الدينية في النجف، حيث كان عبد الحسين شرف الدين توفى عام 1957، وبحث علماء النجف عن شخص قادر على خلافته. ليجدوا بغيتهم في الصدر بسبب اطلاعه على ظروف الشيعية اللبنانيين من جهة، ولأصوله الأسرية التي ترجع إلى منطقة جبل عامل من جهة أخرى.

استقر الصدر في مدينة صور اللبنانية، وعمل على الاهتمام بالمكون الشيعي في كافة أنحاء لبنان، فأسس العشرات من الجمعيات الخيرية، ووسع نشاطات جمعية "البرو الإحسان" التي أسسها شرف الدين،  كما عمل على بناء مدرسة جبل عامل المهنية، ومدرسة أخرى للتمريض.

شارك أيضاً في العديد من الفعاليات العالمية، واشتهر باعتباره "صوتاً مسلماً" ينادي بالتقريب بين المذاهب والأديان المختلفة، ويدعو لإنهاء الصراعات الطائفية القائمة في شتى أنحاء العالم.

في عام 1963 شارك الصدر في مراسم تتويج البابا الكاثوليكي بولس السادس بناء على دعوة رسمية، وكان الوحيد الذي دُعي لهذه المناسبة. وأسهمت لقاءاته في الفاتيكان بإطلاق سراح رجل الدين الشيعي الإيراني آية الله الخميني من سجنه.

وفي عام 1969، خطا خطوة مهمة في سبيل توحيد جهود الشيعة في لبنان عندما أنشأ "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"، واُنتخب رئيساً له. من جهة أخرى. وفي 1974، أسس أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة بـ"حركة أمل".

جهود الصدر في لبنان ظهرت على أوضح صورة مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، حيث عمل على تدارك الموقف وإقامة جسور للصلح بين الطوائف المتناحرة، فشكل مع مجموعة من اللبنانيين ما عُرف باسم "لجنة التهدئة الوطنية"، ولما فشلت في وقف الاقتتال الدائر، قام بالاعتصام في مسجد "الصفا" وامتنع عن الطعام والشراب لعدة أيام، لينهي الاعتصام بعد تأليف الحكومة التي أخذ منها وعداً بالعمل على إقامة المصالحة.

كانت الدعوة للتقارب والتآلف هي السمة المسيطرة على معظم الخطابات والمحاضرات التي ألقاها الصدر داخل لبنان وخارجه. قال في إحدا ها: "الوحدة الوطنية نعيشها اليوم في أعمالنا، وفي اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا وفي تعاوننا، في مجال الوظيفة الرسمية وغير الرسمية، ولكن هذه الوحدة يجب ألا تعني كما يعتقد البعض، ذوبان الجناح المسلم في الجناح المسيحي، أو ذوبان الجناح المسيحي في الجناح المسلم، ولكن أن يظل المسيحي على مسيحيته مئة بالمئة ويمد يداً مخلصة إلى أخيه المسلم؛ وأن يظل المسلم مسلماً مئة بالمئة ويمد يداً مخلصة إلى أخيه المسيحي، فإن ذلك يكون أجدى وأنفع، وبذلك نعيش الوحدة الوطنية فعلاً لا قولاً...".

 

لغز الاختفاء

في عام 1978 وجه الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي دعوة لموسى الصدر للمشاركة في احتفالات "الفاتح من سبتمبر". ليسافر في نهاية أغسطس مع رفيقيه محمد يعقوب وعباس بدر الدين، تلبيةً للدعوة.

تمت استضافتهم في فندق "الشاطئ" بمدينة طرابلس من قِبل الحكومة الليبية. وفي يوم 31 أغسطس شوهد الصدر للمرة الأخيرة مع رفيقيه قبل أن تنقطع أخبارهم بشكل كامل دون أن يخلفوا أي أثر.

نفى نظام القذافي اختفاء الرجال الثلاثة أثناء وجودهم على أراضيه، وأكد أنهم غادروا إلى إيطاليا على متن إحدى الطائرات المتجهة للعاصمة روما. من جهتها، نفت الحكومة الإيطالية وصول  الصدر إلى أراضيها.

وبحسب المذكرة النهائية للمدعي العام الإيطالي الصادرة سنة 2015، فإن التحقيقات توصلت إلى أن "الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين لم يصلوا ليل 31 أغسطس 1978 إلى مطار روما، وأن جريمة الخطف وقعت في ليبيا إبان حكم القذافي".

أثار اختفاء الصدر ومرافقيه الكثير من الجدل والنقاش في السنوات السابقة، وظهرت العديد من الروايات المفسرة لهذا الاختفاء الغامض. على سبيل المثال أكد وزير الداخلية الليبي الأسبق عبد الفتاح يونس، أن "الصدر ورفيقيه قتلا بعد وصولهما إلى ليبيا بأيام على يد صبري البنا، المشهور بأبي نضال، وهو مؤسس وقائد (حركة فتح المجلس الثوري)، والثلاثة دفنوا في حديقة منزل البنا في طرابلس".

وقال رئيس وزراء ليبيا الأسبق عبد السلام جلود في مذكراته، إن "معمر القذافي طلب من أجهزة الأمن أن تختار شخصاً بحجم وطول الإمام موسى الصدر، ليتقمص شخصيته ويلبس ملابسه ليغادر إلى روما"، الأمر الذي يُفهم منه تورط الأجهزة الأمنية الليبية في عملية إخفاء الصدر.

أشارت أصابع أخرى إلى أن إخفاء الصدر وقع بمعرفة بعض الأجهزة الأمنية الإيرانية التابعة للحكومة الإسلامية. في سنة 2018 قال جلال الدين فارسي مستشار المرشد الإيراني السابق الخميني، إن موسى الصدر كان "يجب أن يُقتل" بسبب تصريحات له حول توحد الأديان والمذاهب.

وأوضح فارسي أن الصدر كانت "لديه روابط قوية بشاه إيران وقال يجب أن نتوحد مع المسيحيين ويجب أن يذهب الشيخ إلى الكنيسة والقس يجب أن يحضر إلى المسجد. صدر هذا الكلام منه وكان يستوجب الوقوف ضده".

عُرف فارسي بعلاقاته الوطيدة مع حكومة القذافي، ولهذا حامت بعض الشكوك حول اشتراكه في جريمة قتل الصدر.

بشكل عام، أثار اختفاؤه عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الكثير من القوى الإقليمية، كما أثر هذا الاختفاء بالسلب على العلاقات اللبنانية الليبية لسنين طويلة. وفي سنة 2002 غاب القذافي عن القمة العربية التي عُقدت في بيروت بعد تردد أنباء عن تلقيه تهديدات من جماعات شيعية لبنانية تنحي باللائمة على ليبيا في اختفاء الصدر.

وبعدها بسنة واحدة، أغلقت ليبيا سفارتها في بيروت بدعوى أن الضغط اللبناني عليها لكي تكشف عن مصير الصدر "يشكل إهانة لها". ووصلت الأزمة بين البلدين إلى أوجها في أغسطس  2008 عندما أصدرت السلطات اللبنانية لائحة اتهام ضد معمر القذافي تتعلق باختفاء موسى الصدر "وصدر أمر الاعتقال القذافي بموجب نص قانوني يتيح للقضاء اتخاذ مثل هذا الإجراء بحق المشتبه بهم الذين يرفضون الاستجابة لاستدعاء رسمي إلى التحقيق".

في سبتمبر 2021، دخلت العراق على خط النقاش الدائر حول قضية اختفاء موسى الصدر، حين أعلن زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر عن تشكيل لجنة للكشف عن مصيره.

وقال عبر حسابه في منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "تم تشكيل لجنة مهامها الكشف عن مصير القائد المغيب، السيد موسى الصدر".

في الرابع من أغسطس الحالي، وقع تطور مهم أسهم في إحياء النقاش حول تلك القضية من جديد، حين عرض النائب العام الليبي على السلطات اللبنانية التعاون المشترك في قضية اختفاء الصدر داعياً إلى "موافاة النيابة العامة الليبية بطلب مساعدة قانونية يتضمن تقدير السلطات القضائية اللبنانية للإجراءات التي من شأنها الإسهام في استجلاء حقيقة تغييب موسى الصدر ورفيقيه".

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".