طه حسين
"عميد الأدب العربي" طه حسين عانى من إعاقة بصرية لم تمنعه من إثراء المكتبات العربية بمؤلفاته

ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي. لم يمر وقت طويل حتى توسعت الجيوش العربية في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس والمغرب الكبير. بعد فترة، عرفت تلك البلاد ظهور حضارة جديدة متميزة، وهي الحضارة العربية الإسلامية التي شارك في تشييدها العديد من الشعوب على اختلاف المذاهب والأعراق. بدورهم، شارك العديد من "أصحاب الهمم" في تشييد وبناء تلك الحضارة. نلقي الضوء في هذا المقال على بعض النماذج المُختارة. والتي لم تمنعها اعاقتها الجسدية من التميز في مجالات الأدب والمعرفة والفنون.

 

أبو الأسود الدؤلي... واضع علم النحو

أسلم في حياة النبي. ولكنه لم يره. وشارك بجوار علي بن أبي طالب في حروبه، وكان من شيعته المقربين. عُرف الدؤلي بعرجه الشديد والذي كان يؤثر على مشيه. ومات في سنة 69ه.

ترجع شهرة أبي الأسود الدؤلي إلى وضعه قواعد ثابتة في نطق اللغة العربية. وهي القواعد التي ستُعرف فيما بعد بعلم النحو. دخل الكثير من الفرس والعجم إلى الإسلام في فترة التوسعات العربية. وتكلم هؤلاء العربية دون مراعاة لقواعدها الصحيحة. ومن ثم احتاج المجتمع الجديد لمن يضبط الكلام. وكان أبو الأسود من اضطلع بتلك المهمة الصعبة. تذكر الكثير من الروايات أن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب هو الذي كلف الدؤلي بالعمل على الأمر. يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" أن "علي بن أبي طالب أمره بوضع شيء في النحو لما سمع اللحن. أراه أبو الأسود ما وضع، فقال علي: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، فمن ثم سمي النحو نحواً...". تذكر روايات أخرى أن والي الكوفة زياد بن أبيه هو الذي أمر الدؤلي بوضع قواعد علم النحو. من ذلك ما أورده الذهبي في كتابه "جاء أبو الأسود إلى زياد فقال: أرى العرب قد خالطت العجم فتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاماً يقيمون به كلامهم؟ قال: لا، قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون. فقال: ادع لي أبا الأسود. فدعي فقال: ضع للناس الذي نهيتك عنه".

 

محمد بن سيرين... أشهر مفسري الأحلام

ولد التابعي محمد بن سيرين في سنة 33ه. واشتهر بلقب الأصم لأنه لم يكن يسمع أو كان سمعه ضعيفاً للغاية. حتى كان القاضي عامر الشعبي يقول: "عليكم بذلك الرجل الأصم- يعني ابن سيرين".

أثنى العديد من العلماء على ابن سيرين فوصفوه بأنه "حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب". كما قالوا عنه: "لم يكن كوفياً ولا بصرياً، له مثل ورع محمد بن سيرين" بحسب ما يذكر الذهبي في السيّر. أما أشهر ما عُرف به ابن سيرين فكان تفسيره للأحلام والرؤى. يُنسب إليه كتاب مهم في هذا المجال. كما تمتلئ المصادر التاريخية بقصص تفسيره للأحلام والمنامات الغريبة. حتى أضحى اسمه ملازماً لذلك "الفن" في التقليد الشعبي. ولا يزال الناس حتى اليوم يرجعون لكتابه ليفهموا الدلالات والرمزيات الخاصة بأحلامهم. توفى ابن سيرين في سنة 110ه، ودُفن بالبصرة.

 

عطاء بن رباح... مفتي الحرم

ولد التابعي عطاء بن رباح في سنة 27ه. ويرجع إلى أصول نوبية. وأخذ العلم عن مجموعة كبيرة من الصحابة ومنهم السيدة عائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.

اجتمعت في عطاء مجموعة من الإعاقات الجسدية التي ندر اجتماعها في إنسان واحد. تذكر المصادر التاريخية إنه كان أعور العين، مشلول اليد، أعرج القدم. كما أنه صار كفيفاً لما كبر سنه. رغم كل ذلك تميز عطاء بشكل لافت للنظر في ميادين العلم الديني. وصفه الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" بأنه كان واحداً من أهم علماء مكة في زمانه وبأنه "شيخ الإسلام مفتي الحرم".

في سنة 114ه، توفي عطاء بن رباح. ودفن في مكة المكرمة.

لعبة الشطرنج- تعبيرية
روايات حرّمتها وأخرى أسطرتها.. قصة الشطرنج مع خلفاء وشعراء مسلمين
ظهرت لعبة الشطرنج للمرة الأولى في بلاد الهند في فترة غير معلومة على وجه اليقين. وسُميت اللعبة باسم الشطورانجا، وهو اسم أحد تشكيلات المعارك المذكورة في الملحمة الهندية الشهيرة ماهابهاراتا، ويشير إلى أربعة أقسام من الجيش، وهي الأفيال والعربات والفرسان والمشاة.

بشار بن برد... أشعر أهل زمانه

ولد بشار بن برد في سنة 96ه. ويعود إلى أصول فارسية. تمثلت إعاقة بشار في كونه كفيفاً منذ ولادته. عاصر بشار نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وظل قرابة السبعين عاماً من عمره ينشد الشعر. واشتهر جداً بين شعراء عصره حتى قيل: "إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده".

ثار الجدل حول بشار بن برد بسبب استخفافه بالناس، ولأنه كان سليط اللسان، ويكثر من الهجاء في قصائده. في أواخر حياته اتهمه بعض العلماء بالشعوبية والزندقة. وتسبب ذلك في إعدامه في زمن الخليفة المهدي في سنة 167ه ودُفن جثمانه في البصرة.

 

أبو العلاء المعري... رهين المحبسين

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي. ولد في سنة 363ه في معرة النعمان من أعمال حلب الواقعة في شمالي سوريا وتوفى في سنة 449ه. أصيب المعري بالعمى في صغره بسبب مرض الجدري، وعُرف بـ"رهين المحبسين"، لكونه قضى أكثر فترات حياته حبيساً في منزله وحبيساً للظلام الذي عاش فيه بسبب عماه. عُرف المعري باعتباره واحداً من كبار الشعراء والفلاسفة. واشتهر بنظرته التشاؤمية التي عبر عنها في الكثير من أشعاره ومؤلفاته.

ألف المعري العديد من الكتب التي أثرت الحضارة العربية الإسلامية. من بينها ديوان "سقط الزند"، و"ديوان اللزوميات"، و"رسالة الغفران" التي اُعتبرت مصدر الإلهام الرئيس للكاتب الإيطالي دانتي إليجري عند تأليفه الكوميديا الإلهية، و"الفصول والغايات"، و"رسائله إلى داعي الدعاة" والتي تبادل فيها النقاش والحجاج مع داعي الدعاة الفاطمي في مصر المؤيد في الدين الشيرازي. بشكل عام، يُعدّ المعري واحداً من أهم المفكرين الذين عرفتهم الحضارة العربية الإسلامية عبر جميع عصورها.

الزمخشري... المعتزلي ومفسر القرآن

هو أبو القاسم محمود بن محمد الزمخشري الخوارزمي. ولد بزمخشر الواقعة في أسيا الوسطى/ تركمانستان الحالية في سنة 467ه. ورحل في طلب العلم فزار العديد من الدول الإسلامية. ثم أقام في مكة وتوفي بها في سنة 538ه.

تمثلت عاهة الزمخشري في كونه مقطوع الرجل. يذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" سبب قطع رجل الزمخشري فينقل على لسان الزمخشري "كنت في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي...".

أسهم الزمخشري في إثراء الحضارة العربية الإسلامية. كان عالماً معتزلياً كبيراً. كما كتب العديد من المؤلفات في فنون التفسير واللغة والآداب. من أشهر كتبه "الرائض في علم الفرائض"، و"أطواق الذهب في المواعظ"، و"كتاب النصائح"، وكتاب "الأمكنة والجبال والمياه"، وكتاب "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" وهو أشهر كتبه على الإطلاق ويُعرف اختصاراً باسم "الكشاف".

البوصيري... الصوفي وصاحب البردة

ولد الشاعر الصوفي محمد بن سعيد بن حماد البوصيري في سنة 608ه في قرية النويرة في صعيد مصر. وترجع اصوله إلى قبيلة صنهاجة المغربية. تمثلت الإعاقة البدنية التي تعرض لها البوصيري في إصابته بالشلل النصفي. فكان نصفه السفلي لا يتحرك.

ينقل محمد أحمد درنيقة في كتابه "معجم أعلام شعراء المدح النبوي" عن البوصيري أنه قرر أن يكتب قصيدة في مدح النبي. وبعد ان انتهى منها نام ودعا الله أن يشفيه من المرض. يقول البوصيري: "نمت فرأيت النبي فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدتُ فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي..."!

اشتهرت تلك القصيدة باسم بردة البوصيري، وتألفت من 160 بيتاً. وأشهر أبياتها قوله:

مولاي صل وسلم دائمًا أبداً... على حبيبك خير الخلق كلهم

أثّرت تلك القصيدة بشكل كبير على جميع الأشعار والمدائح النبوية التي صُنفت فيما بعد. على سبيل المثال قال زكي مبارك في كتابه المدائح النبوية في الأدب العربي: "البوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلّقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبواباً من السيرة النبوية، وعن البردة تلّقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال...". توفي البوصيري في سنة 696ه، ودُفن في مدينة الإسكندرية. وضريحه فيها معروف ويزوره العديد من الصوفية للتبرك.

 

المعاصرون ايضاً

حظي "أصحاب الهمم" المعاصرون ايضاً بفرص عدة لإثبات وجودهم، كما لعبوا ادواراً مهمة في إثراء الحضارة العربية الإسلامية في مجالات الفن والأدب والموسيقى والرسم.

ولد المصري -السوري الاصل- مصطفى صادق الرافعي في سنة 1880م واشتهر بمؤلفاته المهمة في مجالات الشعر والأدب والبلاغة. كما كان عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق. عانى الرافعي من الصمم. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يصبح واحداً من أقطاب الأدب العربي الحديث في القرن العشرين. كذلك، عرف الحقل الأدبي الفكري مبدع أخر من ذوي الهمم، وهو المصري طه حسين. ولد حسين في سنة 1889م في صعيد مصر. وأُصيب بكفاف البصر في صغره. وتابع دراسته الأزهرية. ثم تحصل على شهادة الدكتوراة من السوربون بفرنسا. وأنطلق بعدها في رحلة إبداعية طويلة تسببت اكسبته لقب "عميد الأدب العربي". كتب حسين عشرات الكتب المهمة ومنها كل من "الفتنة الكبرى"، و"الأيام"، و"دعاء الكروان"، و"في الشعر الجاهلي".

في مجال الموسيقى يظهر اسم الملحن المصري عمار الشريعي. ولد الشريعي سنة 1948م. ولم يمنعه كفاف بصره من التألق في التلحين وتأليف المقطوعات الموسيقية الخالدة. من أشهر أعماله تأليف الموسيقى التصويرية لمسلسلات "ليالي الحلمية"، و"دموع في عيون وقحة"، و"رأفت الهجان"، و"حديث الصباح والمساء". توفى الشريعي في سنة 2012م عن عمر ناهز 64 عاماً.

في السياق نفسه، يُعدّ الفنان السعودي راكان كردي من بين النماذج العربية الشابة المعبرة عن القدرة على تحدي الإعاقة. يعاني راكان من ضمور عضلي قيده بكرسي متحرك. لم يمنعه ذلك من ممارسة الرسم سواء اللوحات الشخصية أو اللوحات التعبيرية. باع كردي أكثر من 1000 لوحة، وشارك في العديد من المعارض الفنية المميزة.

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه، بوصفه "مشروع حسين بن علي سني". وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.