طه حسين
"عميد الأدب العربي" طه حسين عانى من إعاقة بصرية لم تمنعه من إثراء المكتبات العربية بمؤلفاته

ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي. لم يمر وقت طويل حتى توسعت الجيوش العربية في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس والمغرب الكبير. بعد فترة، عرفت تلك البلاد ظهور حضارة جديدة متميزة، وهي الحضارة العربية الإسلامية التي شارك في تشييدها العديد من الشعوب على اختلاف المذاهب والأعراق. بدورهم، شارك العديد من "أصحاب الهمم" في تشييد وبناء تلك الحضارة. نلقي الضوء في هذا المقال على بعض النماذج المُختارة. والتي لم تمنعها اعاقتها الجسدية من التميز في مجالات الأدب والمعرفة والفنون.

 

أبو الأسود الدؤلي... واضع علم النحو

أسلم في حياة النبي. ولكنه لم يره. وشارك بجوار علي بن أبي طالب في حروبه، وكان من شيعته المقربين. عُرف الدؤلي بعرجه الشديد والذي كان يؤثر على مشيه. ومات في سنة 69ه.

ترجع شهرة أبي الأسود الدؤلي إلى وضعه قواعد ثابتة في نطق اللغة العربية. وهي القواعد التي ستُعرف فيما بعد بعلم النحو. دخل الكثير من الفرس والعجم إلى الإسلام في فترة التوسعات العربية. وتكلم هؤلاء العربية دون مراعاة لقواعدها الصحيحة. ومن ثم احتاج المجتمع الجديد لمن يضبط الكلام. وكان أبو الأسود من اضطلع بتلك المهمة الصعبة. تذكر الكثير من الروايات أن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب هو الذي كلف الدؤلي بالعمل على الأمر. يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" أن "علي بن أبي طالب أمره بوضع شيء في النحو لما سمع اللحن. أراه أبو الأسود ما وضع، فقال علي: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، فمن ثم سمي النحو نحواً...". تذكر روايات أخرى أن والي الكوفة زياد بن أبيه هو الذي أمر الدؤلي بوضع قواعد علم النحو. من ذلك ما أورده الذهبي في كتابه "جاء أبو الأسود إلى زياد فقال: أرى العرب قد خالطت العجم فتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاماً يقيمون به كلامهم؟ قال: لا، قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون. فقال: ادع لي أبا الأسود. فدعي فقال: ضع للناس الذي نهيتك عنه".

 

محمد بن سيرين... أشهر مفسري الأحلام

ولد التابعي محمد بن سيرين في سنة 33ه. واشتهر بلقب الأصم لأنه لم يكن يسمع أو كان سمعه ضعيفاً للغاية. حتى كان القاضي عامر الشعبي يقول: "عليكم بذلك الرجل الأصم- يعني ابن سيرين".

أثنى العديد من العلماء على ابن سيرين فوصفوه بأنه "حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب". كما قالوا عنه: "لم يكن كوفياً ولا بصرياً، له مثل ورع محمد بن سيرين" بحسب ما يذكر الذهبي في السيّر. أما أشهر ما عُرف به ابن سيرين فكان تفسيره للأحلام والرؤى. يُنسب إليه كتاب مهم في هذا المجال. كما تمتلئ المصادر التاريخية بقصص تفسيره للأحلام والمنامات الغريبة. حتى أضحى اسمه ملازماً لذلك "الفن" في التقليد الشعبي. ولا يزال الناس حتى اليوم يرجعون لكتابه ليفهموا الدلالات والرمزيات الخاصة بأحلامهم. توفى ابن سيرين في سنة 110ه، ودُفن بالبصرة.

 

عطاء بن رباح... مفتي الحرم

ولد التابعي عطاء بن رباح في سنة 27ه. ويرجع إلى أصول نوبية. وأخذ العلم عن مجموعة كبيرة من الصحابة ومنهم السيدة عائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.

اجتمعت في عطاء مجموعة من الإعاقات الجسدية التي ندر اجتماعها في إنسان واحد. تذكر المصادر التاريخية إنه كان أعور العين، مشلول اليد، أعرج القدم. كما أنه صار كفيفاً لما كبر سنه. رغم كل ذلك تميز عطاء بشكل لافت للنظر في ميادين العلم الديني. وصفه الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" بأنه كان واحداً من أهم علماء مكة في زمانه وبأنه "شيخ الإسلام مفتي الحرم".

في سنة 114ه، توفي عطاء بن رباح. ودفن في مكة المكرمة.

روايات حرّمتها وأخرى أسطرتها.. قصة الشطرنج مع خلفاء وشعراء مسلمين
ظهرت لعبة الشطرنج للمرة الأولى في بلاد الهند في فترة غير معلومة على وجه اليقين. وسُميت اللعبة باسم الشطورانجا، وهو اسم أحد تشكيلات المعارك المذكورة في الملحمة الهندية الشهيرة ماهابهاراتا، ويشير إلى أربعة أقسام من الجيش، وهي الأفيال والعربات والفرسان والمشاة.

بشار بن برد... أشعر أهل زمانه

ولد بشار بن برد في سنة 96ه. ويعود إلى أصول فارسية. تمثلت إعاقة بشار في كونه كفيفاً منذ ولادته. عاصر بشار نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وظل قرابة السبعين عاماً من عمره ينشد الشعر. واشتهر جداً بين شعراء عصره حتى قيل: "إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده".

ثار الجدل حول بشار بن برد بسبب استخفافه بالناس، ولأنه كان سليط اللسان، ويكثر من الهجاء في قصائده. في أواخر حياته اتهمه بعض العلماء بالشعوبية والزندقة. وتسبب ذلك في إعدامه في زمن الخليفة المهدي في سنة 167ه ودُفن جثمانه في البصرة.

 

أبو العلاء المعري... رهين المحبسين

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي. ولد في سنة 363ه في معرة النعمان من أعمال حلب الواقعة في شمالي سوريا وتوفى في سنة 449ه. أصيب المعري بالعمى في صغره بسبب مرض الجدري، وعُرف بـ"رهين المحبسين"، لكونه قضى أكثر فترات حياته حبيساً في منزله وحبيساً للظلام الذي عاش فيه بسبب عماه. عُرف المعري باعتباره واحداً من كبار الشعراء والفلاسفة. واشتهر بنظرته التشاؤمية التي عبر عنها في الكثير من أشعاره ومؤلفاته.

ألف المعري العديد من الكتب التي أثرت الحضارة العربية الإسلامية. من بينها ديوان "سقط الزند"، و"ديوان اللزوميات"، و"رسالة الغفران" التي اُعتبرت مصدر الإلهام الرئيس للكاتب الإيطالي دانتي إليجري عند تأليفه الكوميديا الإلهية، و"الفصول والغايات"، و"رسائله إلى داعي الدعاة" والتي تبادل فيها النقاش والحجاج مع داعي الدعاة الفاطمي في مصر المؤيد في الدين الشيرازي. بشكل عام، يُعدّ المعري واحداً من أهم المفكرين الذين عرفتهم الحضارة العربية الإسلامية عبر جميع عصورها.

الزمخشري... المعتزلي ومفسر القرآن

هو أبو القاسم محمود بن محمد الزمخشري الخوارزمي. ولد بزمخشر الواقعة في أسيا الوسطى/ تركمانستان الحالية في سنة 467ه. ورحل في طلب العلم فزار العديد من الدول الإسلامية. ثم أقام في مكة وتوفي بها في سنة 538ه.

تمثلت عاهة الزمخشري في كونه مقطوع الرجل. يذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" سبب قطع رجل الزمخشري فينقل على لسان الزمخشري "كنت في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي...".

أسهم الزمخشري في إثراء الحضارة العربية الإسلامية. كان عالماً معتزلياً كبيراً. كما كتب العديد من المؤلفات في فنون التفسير واللغة والآداب. من أشهر كتبه "الرائض في علم الفرائض"، و"أطواق الذهب في المواعظ"، و"كتاب النصائح"، وكتاب "الأمكنة والجبال والمياه"، وكتاب "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" وهو أشهر كتبه على الإطلاق ويُعرف اختصاراً باسم "الكشاف".

البوصيري... الصوفي وصاحب البردة

ولد الشاعر الصوفي محمد بن سعيد بن حماد البوصيري في سنة 608ه في قرية النويرة في صعيد مصر. وترجع اصوله إلى قبيلة صنهاجة المغربية. تمثلت الإعاقة البدنية التي تعرض لها البوصيري في إصابته بالشلل النصفي. فكان نصفه السفلي لا يتحرك.

ينقل محمد أحمد درنيقة في كتابه "معجم أعلام شعراء المدح النبوي" عن البوصيري أنه قرر أن يكتب قصيدة في مدح النبي. وبعد ان انتهى منها نام ودعا الله أن يشفيه من المرض. يقول البوصيري: "نمت فرأيت النبي فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدتُ فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي..."!

اشتهرت تلك القصيدة باسم بردة البوصيري، وتألفت من 160 بيتاً. وأشهر أبياتها قوله:

مولاي صل وسلم دائمًا أبداً... على حبيبك خير الخلق كلهم

أثّرت تلك القصيدة بشكل كبير على جميع الأشعار والمدائح النبوية التي صُنفت فيما بعد. على سبيل المثال قال زكي مبارك في كتابه المدائح النبوية في الأدب العربي: "البوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلّقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبواباً من السيرة النبوية، وعن البردة تلّقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال...". توفي البوصيري في سنة 696ه، ودُفن في مدينة الإسكندرية. وضريحه فيها معروف ويزوره العديد من الصوفية للتبرك.

 

المعاصرون ايضاً

حظي "أصحاب الهمم" المعاصرون ايضاً بفرص عدة لإثبات وجودهم، كما لعبوا ادواراً مهمة في إثراء الحضارة العربية الإسلامية في مجالات الفن والأدب والموسيقى والرسم.

ولد المصري -السوري الاصل- مصطفى صادق الرافعي في سنة 1880م واشتهر بمؤلفاته المهمة في مجالات الشعر والأدب والبلاغة. كما كان عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق. عانى الرافعي من الصمم. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يصبح واحداً من أقطاب الأدب العربي الحديث في القرن العشرين. كذلك، عرف الحقل الأدبي الفكري مبدع أخر من ذوي الهمم، وهو المصري طه حسين. ولد حسين في سنة 1889م في صعيد مصر. وأُصيب بكفاف البصر في صغره. وتابع دراسته الأزهرية. ثم تحصل على شهادة الدكتوراة من السوربون بفرنسا. وأنطلق بعدها في رحلة إبداعية طويلة تسببت اكسبته لقب "عميد الأدب العربي". كتب حسين عشرات الكتب المهمة ومنها كل من "الفتنة الكبرى"، و"الأيام"، و"دعاء الكروان"، و"في الشعر الجاهلي".

في مجال الموسيقى يظهر اسم الملحن المصري عمار الشريعي. ولد الشريعي سنة 1948م. ولم يمنعه كفاف بصره من التألق في التلحين وتأليف المقطوعات الموسيقية الخالدة. من أشهر أعماله تأليف الموسيقى التصويرية لمسلسلات "ليالي الحلمية"، و"دموع في عيون وقحة"، و"رأفت الهجان"، و"حديث الصباح والمساء". توفى الشريعي في سنة 2012م عن عمر ناهز 64 عاماً.

في السياق نفسه، يُعدّ الفنان السعودي راكان كردي من بين النماذج العربية الشابة المعبرة عن القدرة على تحدي الإعاقة. يعاني راكان من ضمور عضلي قيده بكرسي متحرك. لم يمنعه ذلك من ممارسة الرسم سواء اللوحات الشخصية أو اللوحات التعبيرية. باع كردي أكثر من 1000 لوحة، وشارك في العديد من المعارض الفنية المميزة.

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.