طه حسين
"عميد الأدب العربي" طه حسين عانى من إعاقة بصرية لم تمنعه من إثراء المكتبات العربية بمؤلفاته

ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي. لم يمر وقت طويل حتى توسعت الجيوش العربية في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس والمغرب الكبير. بعد فترة، عرفت تلك البلاد ظهور حضارة جديدة متميزة، وهي الحضارة العربية الإسلامية التي شارك في تشييدها العديد من الشعوب على اختلاف المذاهب والأعراق. بدورهم، شارك العديد من "أصحاب الهمم" في تشييد وبناء تلك الحضارة. نلقي الضوء في هذا المقال على بعض النماذج المُختارة. والتي لم تمنعها اعاقتها الجسدية من التميز في مجالات الأدب والمعرفة والفنون.

 

أبو الأسود الدؤلي... واضع علم النحو

أسلم في حياة النبي. ولكنه لم يره. وشارك بجوار علي بن أبي طالب في حروبه، وكان من شيعته المقربين. عُرف الدؤلي بعرجه الشديد والذي كان يؤثر على مشيه. ومات في سنة 69ه.

ترجع شهرة أبي الأسود الدؤلي إلى وضعه قواعد ثابتة في نطق اللغة العربية. وهي القواعد التي ستُعرف فيما بعد بعلم النحو. دخل الكثير من الفرس والعجم إلى الإسلام في فترة التوسعات العربية. وتكلم هؤلاء العربية دون مراعاة لقواعدها الصحيحة. ومن ثم احتاج المجتمع الجديد لمن يضبط الكلام. وكان أبو الأسود من اضطلع بتلك المهمة الصعبة. تذكر الكثير من الروايات أن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب هو الذي كلف الدؤلي بالعمل على الأمر. يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" أن "علي بن أبي طالب أمره بوضع شيء في النحو لما سمع اللحن. أراه أبو الأسود ما وضع، فقال علي: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، فمن ثم سمي النحو نحواً...". تذكر روايات أخرى أن والي الكوفة زياد بن أبيه هو الذي أمر الدؤلي بوضع قواعد علم النحو. من ذلك ما أورده الذهبي في كتابه "جاء أبو الأسود إلى زياد فقال: أرى العرب قد خالطت العجم فتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاماً يقيمون به كلامهم؟ قال: لا، قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا وترك بنون. فقال: ادع لي أبا الأسود. فدعي فقال: ضع للناس الذي نهيتك عنه".

 

محمد بن سيرين... أشهر مفسري الأحلام

ولد التابعي محمد بن سيرين في سنة 33ه. واشتهر بلقب الأصم لأنه لم يكن يسمع أو كان سمعه ضعيفاً للغاية. حتى كان القاضي عامر الشعبي يقول: "عليكم بذلك الرجل الأصم- يعني ابن سيرين".

أثنى العديد من العلماء على ابن سيرين فوصفوه بأنه "حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب". كما قالوا عنه: "لم يكن كوفياً ولا بصرياً، له مثل ورع محمد بن سيرين" بحسب ما يذكر الذهبي في السيّر. أما أشهر ما عُرف به ابن سيرين فكان تفسيره للأحلام والرؤى. يُنسب إليه كتاب مهم في هذا المجال. كما تمتلئ المصادر التاريخية بقصص تفسيره للأحلام والمنامات الغريبة. حتى أضحى اسمه ملازماً لذلك "الفن" في التقليد الشعبي. ولا يزال الناس حتى اليوم يرجعون لكتابه ليفهموا الدلالات والرمزيات الخاصة بأحلامهم. توفى ابن سيرين في سنة 110ه، ودُفن بالبصرة.

 

عطاء بن رباح... مفتي الحرم

ولد التابعي عطاء بن رباح في سنة 27ه. ويرجع إلى أصول نوبية. وأخذ العلم عن مجموعة كبيرة من الصحابة ومنهم السيدة عائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.

اجتمعت في عطاء مجموعة من الإعاقات الجسدية التي ندر اجتماعها في إنسان واحد. تذكر المصادر التاريخية إنه كان أعور العين، مشلول اليد، أعرج القدم. كما أنه صار كفيفاً لما كبر سنه. رغم كل ذلك تميز عطاء بشكل لافت للنظر في ميادين العلم الديني. وصفه الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء" بأنه كان واحداً من أهم علماء مكة في زمانه وبأنه "شيخ الإسلام مفتي الحرم".

في سنة 114ه، توفي عطاء بن رباح. ودفن في مكة المكرمة.

روايات حرّمتها وأخرى أسطرتها.. قصة الشطرنج مع خلفاء وشعراء مسلمين
ظهرت لعبة الشطرنج للمرة الأولى في بلاد الهند في فترة غير معلومة على وجه اليقين. وسُميت اللعبة باسم الشطورانجا، وهو اسم أحد تشكيلات المعارك المذكورة في الملحمة الهندية الشهيرة ماهابهاراتا، ويشير إلى أربعة أقسام من الجيش، وهي الأفيال والعربات والفرسان والمشاة.

بشار بن برد... أشعر أهل زمانه

ولد بشار بن برد في سنة 96ه. ويعود إلى أصول فارسية. تمثلت إعاقة بشار في كونه كفيفاً منذ ولادته. عاصر بشار نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وظل قرابة السبعين عاماً من عمره ينشد الشعر. واشتهر جداً بين شعراء عصره حتى قيل: "إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غزل ولا مغنية ولا نائحة إلا يروي من شعر بشار فيما هو بصدده".

ثار الجدل حول بشار بن برد بسبب استخفافه بالناس، ولأنه كان سليط اللسان، ويكثر من الهجاء في قصائده. في أواخر حياته اتهمه بعض العلماء بالشعوبية والزندقة. وتسبب ذلك في إعدامه في زمن الخليفة المهدي في سنة 167ه ودُفن جثمانه في البصرة.

 

أبو العلاء المعري... رهين المحبسين

هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي. ولد في سنة 363ه في معرة النعمان من أعمال حلب الواقعة في شمالي سوريا وتوفى في سنة 449ه. أصيب المعري بالعمى في صغره بسبب مرض الجدري، وعُرف بـ"رهين المحبسين"، لكونه قضى أكثر فترات حياته حبيساً في منزله وحبيساً للظلام الذي عاش فيه بسبب عماه. عُرف المعري باعتباره واحداً من كبار الشعراء والفلاسفة. واشتهر بنظرته التشاؤمية التي عبر عنها في الكثير من أشعاره ومؤلفاته.

ألف المعري العديد من الكتب التي أثرت الحضارة العربية الإسلامية. من بينها ديوان "سقط الزند"، و"ديوان اللزوميات"، و"رسالة الغفران" التي اُعتبرت مصدر الإلهام الرئيس للكاتب الإيطالي دانتي إليجري عند تأليفه الكوميديا الإلهية، و"الفصول والغايات"، و"رسائله إلى داعي الدعاة" والتي تبادل فيها النقاش والحجاج مع داعي الدعاة الفاطمي في مصر المؤيد في الدين الشيرازي. بشكل عام، يُعدّ المعري واحداً من أهم المفكرين الذين عرفتهم الحضارة العربية الإسلامية عبر جميع عصورها.

الزمخشري... المعتزلي ومفسر القرآن

هو أبو القاسم محمود بن محمد الزمخشري الخوارزمي. ولد بزمخشر الواقعة في أسيا الوسطى/ تركمانستان الحالية في سنة 467ه. ورحل في طلب العلم فزار العديد من الدول الإسلامية. ثم أقام في مكة وتوفي بها في سنة 538ه.

تمثلت عاهة الزمخشري في كونه مقطوع الرجل. يذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" سبب قطع رجل الزمخشري فينقل على لسان الزمخشري "كنت في صباي أمسكت عصفوراً وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سن الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي...".

أسهم الزمخشري في إثراء الحضارة العربية الإسلامية. كان عالماً معتزلياً كبيراً. كما كتب العديد من المؤلفات في فنون التفسير واللغة والآداب. من أشهر كتبه "الرائض في علم الفرائض"، و"أطواق الذهب في المواعظ"، و"كتاب النصائح"، وكتاب "الأمكنة والجبال والمياه"، وكتاب "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" وهو أشهر كتبه على الإطلاق ويُعرف اختصاراً باسم "الكشاف".

البوصيري... الصوفي وصاحب البردة

ولد الشاعر الصوفي محمد بن سعيد بن حماد البوصيري في سنة 608ه في قرية النويرة في صعيد مصر. وترجع اصوله إلى قبيلة صنهاجة المغربية. تمثلت الإعاقة البدنية التي تعرض لها البوصيري في إصابته بالشلل النصفي. فكان نصفه السفلي لا يتحرك.

ينقل محمد أحمد درنيقة في كتابه "معجم أعلام شعراء المدح النبوي" عن البوصيري أنه قرر أن يكتب قصيدة في مدح النبي. وبعد ان انتهى منها نام ودعا الله أن يشفيه من المرض. يقول البوصيري: "نمت فرأيت النبي فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدتُ فيّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي..."!

اشتهرت تلك القصيدة باسم بردة البوصيري، وتألفت من 160 بيتاً. وأشهر أبياتها قوله:

مولاي صل وسلم دائمًا أبداً... على حبيبك خير الخلق كلهم

أثّرت تلك القصيدة بشكل كبير على جميع الأشعار والمدائح النبوية التي صُنفت فيما بعد. على سبيل المثال قال زكي مبارك في كتابه المدائح النبوية في الأدب العربي: "البوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلّقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبواباً من السيرة النبوية، وعن البردة تلّقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال...". توفي البوصيري في سنة 696ه، ودُفن في مدينة الإسكندرية. وضريحه فيها معروف ويزوره العديد من الصوفية للتبرك.

 

المعاصرون ايضاً

حظي "أصحاب الهمم" المعاصرون ايضاً بفرص عدة لإثبات وجودهم، كما لعبوا ادواراً مهمة في إثراء الحضارة العربية الإسلامية في مجالات الفن والأدب والموسيقى والرسم.

ولد المصري -السوري الاصل- مصطفى صادق الرافعي في سنة 1880م واشتهر بمؤلفاته المهمة في مجالات الشعر والأدب والبلاغة. كما كان عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق. عانى الرافعي من الصمم. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يصبح واحداً من أقطاب الأدب العربي الحديث في القرن العشرين. كذلك، عرف الحقل الأدبي الفكري مبدع أخر من ذوي الهمم، وهو المصري طه حسين. ولد حسين في سنة 1889م في صعيد مصر. وأُصيب بكفاف البصر في صغره. وتابع دراسته الأزهرية. ثم تحصل على شهادة الدكتوراة من السوربون بفرنسا. وأنطلق بعدها في رحلة إبداعية طويلة تسببت اكسبته لقب "عميد الأدب العربي". كتب حسين عشرات الكتب المهمة ومنها كل من "الفتنة الكبرى"، و"الأيام"، و"دعاء الكروان"، و"في الشعر الجاهلي".

في مجال الموسيقى يظهر اسم الملحن المصري عمار الشريعي. ولد الشريعي سنة 1948م. ولم يمنعه كفاف بصره من التألق في التلحين وتأليف المقطوعات الموسيقية الخالدة. من أشهر أعماله تأليف الموسيقى التصويرية لمسلسلات "ليالي الحلمية"، و"دموع في عيون وقحة"، و"رأفت الهجان"، و"حديث الصباح والمساء". توفى الشريعي في سنة 2012م عن عمر ناهز 64 عاماً.

في السياق نفسه، يُعدّ الفنان السعودي راكان كردي من بين النماذج العربية الشابة المعبرة عن القدرة على تحدي الإعاقة. يعاني راكان من ضمور عضلي قيده بكرسي متحرك. لم يمنعه ذلك من ممارسة الرسم سواء اللوحات الشخصية أو اللوحات التعبيرية. باع كردي أكثر من 1000 لوحة، وشارك في العديد من المعارض الفنية المميزة.

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".