صورة أرشيفية لأحد شيوخ الدروز في سوريا- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد شيوخ الدروز في سوريا- تعبيرية

تمكنت الجيوش الإسلامية من فرض سيطرتها على مساحات واسعة من بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس في القرن السابع الميلادي، وخضعت تلك المناطق لسلطة الخلافة الإسلامية لقرون طويلة.

اندمج أهل البلاد في المجتمع الإسلامي بتنوعهم العرقي والديني، لكن ذلك لم يكن السمة الغاالبة وليس في جميع البلدان، حيث ظهرت الكثير من الجماعات المناوئة للسلطة والثائرة على أنظمة الحكم، وهذه بعض الأمثلة.

 

العراق

تُعدّ ثورة الزُطّ التي اندلعت في العراق خلال القرن الثالث الهجري، من أشهر الثورات العرقية التي عرفتها المنطقة العربية عبر التاريخ.

يذكر البلاذري في كتابه "فتوح البلدان"، أن بلاد الهند كانت الموطن الأصلي للزُطّ، وكانوا يمتهنون حرفة رعي الجواميس. ولمّا توسع المسلمون في بعض مناطق الهند في عهد الدولة الأموية قام والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي باستقدام جماعات الزُطّ إلى جنوب العراق، وأسكنهم في منطقة البطيحة ليحفظوا الأمن فيها.

ويقول المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري، في كتابه "العصر العباسي الأول"، إن الحجاج استعان بالزُطّ في زراعة منطقة الأهوار.

بمرور الوقت، ازداد عدد الزُطّ في منطقة البطائح، وعانوا من الفقر والتهميش، ونُظر إليهم باعتبارهم طبقة اجتماعية وضيعة يجب عدم الاختلاط بها. وفي مطلع القرن الثالث الهجري، ضاق الزُطَ بالظروف المعيشية الصعبة التي عاشوها، واستغلوا الاضطراب والفوضى الناشبين في الدولة العباسية بسبب اندلاع الحرب الأهلية بين محمد الأمين وعبد الله المأمون، ليقوموا بالهجوم على سفن البضائع القادمة من البصرة، ومحاصرة بغداد.

بعد انتصار المأمون، أرسل حملات عسكرية للقضاء على ثورة الزُطّ، لكنهم كانوا يهربون في كل مرة. وفي سنة 219 هجرية، عزم الخليفة المعتصم بالله أن يقضي بشكل تام على تلك الثورة، فجهز جيشاً من عشرة آلاف مقاتل بقيادة عجيف بن عنبسة، وتمكن من تبديد شمل الزُطّ، ونقل الآلاف منهم إلى منطقة الثغور في بلاد الشام، فظلوا بها حتى قضى عليهم البيزنطيون في الحروب المتعددة التي اندلعت هناك.

في العراق أيضاً، حدثت ثورة الزنج. وكان العرب جلبوا جماعات الزنج من شرق أفريقيا إلى العراق في القرن الأول من الهجرة، وأسكنوهم في المنطقة المحيطة بنهري دجلة والفرات.

تمثلت وظيفة الزنج في استصلاح الأراضي الزراعية، لا سيما الإقطاعات التي امتلكها رجال الطبقة الأرستقراطية. وعاش الزنج في ظروف معيشية بالغة الصعوبة، حيث عانوا من الفقر والتضييق وقلة الطعام وانتشار الأوبئة والأمراض فضلاً عن ظروف العمل الشاقة.

بدأت اعتراضات الزنج للمرة الأولى في سبعينيات القرن الأول الهجري عندما احتلوا بعض المزارع والضيع، واستولوا على ما فيها من الثمار والمحاصيل، ولكن سرعان ما تم القضاء على تلك الحركة على يد الخلفاء الأمويين الذين تعاقبوا على كرسي الخلافة.

عادت اعتراضات الزنج إلى الواجهة بشكل أكثر عنفاً في منتصف القرن الثالث الهجري، وحينها تمكن علي بن محمد، وهو فارسي يدعي النسب العلوي، أن يقود جماعات الزنج للثورة.

يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، أن "علي بن محمد استمال الزنج بالوعود والأماني التي قدمها لهم، فقال إنه يريد أن يرفع أقدارهم ويُملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلى الأمور...".

بعد شهور قليلة، فرض الزنج سيطرتهم على المنطقة الجنوبية الشرقية من العراق، واستولوا على البصرة، كما استغلوا ضعف الخلافة العباسية فوسعوا نفوذهم في المنطقة الواقعة بين الأهواز وواسط.

في سنة 270 هـ، وضع العباسيون حداً لتلك الثورة، حيث تمكن ولي العهد أبو أحمد الموفق بالله من حشد جيش كبير العدد، وتغلب على قوات الزنج وقتل علي بن محمد في المعركة، ليُسدل الستار بذلك على الثورة التي طالبت بتحقيق العدالة الاجتماعية.

نبقى في العراق، حيث ثورة الأيزيديين في سنجار، الذين تعرضوا للعديد من المحن والمصائب. وعلى الرغم من طباعهم التي تميل للتسامح والهدوء، اضطر أصحاب الديانة الأيزيدية -أحياناً- لإعلان الثورة ضد السلطات التي تحكمهم، كما حدث سنة 1893 ميلادية.

كان العثمانيون يعفون الأيزيديين من الخدمة العسكرية في جيوشهم بسبب اختلافهم الديني، وبحسب القوانين المتبعة، كان الأيزيدي الذي يصل لسن التجنيد يدفع مبلغاً مالياً محدداً للسلطة العثمانية مقابل هذا الإعفاء.

يذكر الكاتب الأيزيدي أمين فرحان جيجو، في كتابه "القومية الأيزيدية"، أن وجهة النظر العثمانية اختلفت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اعتقد أنه من الواجب "هداية الأيزيديين للإسلام"، ولحثهم على ذلك استصدر فرماناً يلزم أصحاب الديانة الأيزيدية بالانخراط في السلك العسكري.

وأُوفد نقيب ديار بكر الحاج مسعود بك، إلى منطقة سنجار في شمالي العراق، في 1890، لإقناع أهلها بتنفيذ الأمر السلطاني. وعندما فشلت مهمة النقيب تم تكليف القائد العسكري الفريق عمر وهبي بإنفاذ الأمر بالقوة، فتحرك الفريق على رأس جيش كبير للمناطق التي يعيش فيها الأيزيديون العراقيون في كل من الشيخان وبعشيقه وبحزاني.

في البداية، قام العثمانيون بمداهمة السكان الأيزيديين، وخربوا العديد من القرى، كما قتلوا المئات من الرجال والنساء والشيوخ. وحوّل وهبي المزارات الأيزيدية المقدسة إلى مساجد ومدارس دينية إسلامية.

أمام هذا الضغط، أعلن الأيزيديون الثورة على الحكم العثماني، فتجمع المئات منهم في جبال سنجار الوعرة، وقاموا بالهجوم على بعض التحصينات العسكرية العثمانية. وكبدوا جيش عمر وهبي العديد من الخسائر البشرية والمادية.

يذكر جيجو أن الثوار اجتمعوا في قرية بكران بقيادة الزعيمين سفوك مطو باشا المسقوري الجوانبي ومحما عبدو الهبابي، واستعدوا للقتال ضد قوات الفريق عمر وهبي. تقدمت عندها القوات العثمانية باتجاه بكران، ودارت بين الفريقين معركة كبيرة في 15 أبريل 1893، انتصر فيها الأيزيديون واضطر وهبي للانسحاب بالبقية الباقية من قواته.

لم يهنأ الأيزيديون طويلاً بهذا الانتصار، إذ سرعان ما توالت الحملات العثمانية على أراضيهم، فاضطروا للخضوع ثانية لسلطة الخليفة العثماني.

 

مصر 

عاش المسيحيون البشموريون في منطقه شمال الدلتا في مصر في القرون التي أعقبت سيطرة المسلمين على البلاد. تذكر سناء المصري في كتابها "هوامش الفتح العربي لمصر"، أنهم -أي البشموريين- عُرفوا بالثورة ضد الحكام الأجانب قبل خضوع مصر للسلطة العربية، حيث ثاروا  على الحكم الروماني في سنة 172 ميلادية.

رفع البشموريون راية الثورة ضد دولة الخلافة الإسلامية لأكثر من مرة في عصر الدولة الأموية. وفي سنة 216 هـ اندلعت ثورتهم الكبرى ضد العباسيين بسبب زيادة الجزية المفروضة عليهم.

تذكر المصادر التاريخية أن الثوار استغلوا طبيعة الأرض الموحلة التي تحيط بهم في إعاقة تقدم الجيوش العربية، وتمكنوا من الانتصار على تلك الجيوش في بعض المعارك المهمة.

تصدى الخليفة المأمون لتلك الثورة وقدم بنفسه إلى مصر للقضاء عليها قبل أن يستفحل خطرها. يذكر عبد العزيز جمال الدين في كتابه "ثورات المصريين حتى عصر المقريزي"، أن المأمون استدعى البابا يوساب بطريرك الكنيسة القبطية المصرية، وأقنعه أن يتخلى عن تقديم الدعم الروحي والمعنوي للثوار.

لم يمر وقت طويل حتى ضعفت الروح المعنوية للبشموريين وهزموا أمام القوات العربية، واُقتيد الآلاف منهم إلى العراق حيث تم تسكينهم في منطقة الأهواز والدجيل، وأجبروا على العمل في استصلاح الأراضي.

 

سوريا

تمكن والي مصر محمد علي باشا من فرض سيطرته على مساحات واسعة من بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، خلفه في ما بعد ابنه  إبراهيم باشا، الذي قام بتجنيد الرجال استعدادا لمتابعة حروبه ضد الدولة العثمانية.

في البداية، لم يهتم إبراهيم باشا بتجنيد الدروز الموحدين باعتبارهم أقلية دينية، ليغير رأيه لاحقا بإصدار قرار بتجنيد الدروز في الجيش المصري بسبب حاجته للمزيد من القوات المقاتلة.

رفض زعماء الدروز في حوران الامتثال لهذا الأمر، وحاولوا إقناع والي الشام بدفع بدلية من القمح نظير إعفائهم من التجنيد. لم يقبل الباشا بذلك المقترح، وأهان بعض شيوخ الدروز الذين فاوضوه، وعلى أثره اجتمع زعماء الدروز في السويداء. وقرروا إعلان الثورة ضد الوالي.

بدأت المواجهة بين الجانبين في أواخر سنة 1837م، وحقق الثوار نجاحاً باهراً في أول الأمر وتمكنوا من تشتيت القوات المصرية النظامية بعدما استدرجوها إلى بعض النواحي الجبلية الوعرة.

أمام تلك الهزائم، اضطر إبراهيم باشا لحشد جيش كبير قوامه عشرين ألف جندي، وقاده بنفسه لقتال الثوار، وتمكن في نهاية المطاف من الانتصار عليهم، فاضطروا إلى التسليم وطلب الصلح.

في يوليو 1838م انتهت أحداث تلك الثورة بعد تسعة شهور من القتال المتواصل، وعُقد اتفاق بين إبراهيم باشا وزعماء الدروز، تم بموجبه إعفاؤهم من التجنيد مقابل تسليم جميع أسلحتهم والإفراج عن الأسرى المصريين لديهم.

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.
عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.

في خضم توترات متصاعدة في الشرق الأوسط، أثارت تصريحات الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بشأن المسجد الأقصى عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعد تشكيكه في "الوضع القائم" بالحرم، وتعبيره عن تأييد بناء كنيس يهودي في باحاته.

ومثلت دعوة الوزير الإسرائيلي تحديا مباشرا للاتفاقيات والتفاهمات التاريخية التي حكمت لعقود إدارة هذا الموقع الذي يعد محور خلاف رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الأهمية الدينية والسياسية

ويحتل المسجد الأقصى كما يطلق المسلمون أو  "جبل الهيكل" وفق التسمية اليهودية، مكانة فريدة في قلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يحظى برمزية دينية وسياسية كبيرة للجانبين.

ويقع هذا الصرح التاريخي في قلب القدس القديمة، ممتدا على مساحة 14 هكتارا، ويضم في نطاقه المسجد الأقصى وبداخله قبة الصخرة الشهيرة.

وبالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس الأماكن الدينية  بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي، كما يرتبط بأحداث دينية وروحية في وجدان المسلمين حول العالم.

وعلى الجانب اليهودي، تكتسب هذه البقعة أيضا أهمية دينية وتاريخية، حيث أنها موقع وجود هيكلين يهوديين تعرضا للهدم في عامي 586 قبل الميلاد و70 ميلادي على التوالي.

ويعد الحائط الغربي للمسجد، المعروف بحائط المبكى عند اليهود أو البراق لدى المسلمين، أقدس موقع متاح للصلاة في الديانة اليهودية، بينما تحظر السلطة الحاخامية في إسرائيل دخول اليهود إلى باقي أرجاء الموقع باعتباره أرضا مقدسة.

ويطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، كعاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبرها إسرائيل جزءا لا يتجزأ من عاصمتها الموحدة.

ولدى العديد من الدول بعثات دبلوماسية لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي عام 2018، نقلت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب، سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد أن اعترف واشنطن بالمدينة عاصمة لإسرائيل.

يهود يؤدون الصلاة عند الحائظ الغربي في المدينة القديمة بالقدس، أرشيف

"الوضع القائم"

وكانت القدس الشرقية وسائر مدن الضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية قبل حرب يونيو 1967. ومنذ سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية بعد صراع "الستة أيام"، بات المسجد الأقصى تحت إدارة مشتركة بين إسرائيل والأردن، فيما يُعرف بـ"الوضع التاريخي القائم".

ووفق هذا الترتيب، تتولى الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الموقع، بينما تضطلع إسرائيل بمسؤوليات الأمن والوصول إليه.

وبموجب "الوضع القائم"، يمكن للمسلمين الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما تحق لغيرهم زيارته في أوقات محدّدة دون أداء الصلوات والطقوس الدينية فيه.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف عمان على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وتنص معاهدة السلام بين  البلدين، على أن إسرائيل "تحترم الدور الخاص الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس".

ووافقت إسرائيل على أن الإدارة اليومية وتنظيم الزيارة والعبادة في المسجد الأقصى ستظل مسؤولية الأوقاف الأردنية، مع مراعاة الإشراف والوجود الأمني ​​الإسرائيلي.

وتم تأكيد هذا الترتيب لاحقا فيما أصبح يُعرف باسم "تفاهمات كيري" التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، والحكومتين الإسرائيلية والأردنية.

وبحسب المؤسسة البحثية الإسرائيلية "مركز القدس لدراسات الشؤون العامة والسياسية"، فإن تفاهمات كيري اعترفت بالدور الخاص للأردن في القدس كما هو محدد في معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، بما في ذلك دور عمان التاريخي كـ"حارس للأماكن المقدسة الإسلامية" في القدس، وأعادت تأكيد الترتيبات القائمة بشأن الصلاة في المسجد الأقصى، والتي تسمح للمسلمين بالصلاة هناك، فيما يكون مسموحا لغير المسلمين بزيارة الموقع فقط.

القوات الإسرائيلية فرضت قيودا على دخول المصلين إلى المسجد - صورة أرشيفية.

"تحولات الوضع القائم"

وشهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في "الوضع القائم"، بحسب تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، والذي يشير إلى أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ازدادت السيطرة الإسرائيلية على الوصول للموقع، وارتفع عدد الزيارات اليهودية بشكل كبير.

كما يلاحظ التقرير "تراجع" دور الأوقاف الأردنية، مقابل "تزايد" النفوذ الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه رغم استمرار التنسيق الظاهري بين الأوقاف والشرطة الإسرائيلية، تقلصت سلطة الأوقاف.

وقد أدى هذا إلى فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر عدد من الإجراءات مثل تحديد عدد المصلين أو أعمارهم، والتي تقول إسرائيل إن وراءها دوافع أمنية.

وفي المقابل، تسجل زيادة ملحوظة في عدد الزوار اليهود، بما في ذلك من مجموعات كبيرة وشخصيات سياسية بارزة، مع تسجيل رقم قياسي للزوار بلغ 50 ألف  في عام 2022.

وتؤكد دائرة الأوقاف باستمرار أن المسجد بساحاته موقع مسلم فقط، وتندّد بالمحاولات الإسرائيلية "لتهويده". وكذلك، يعتبره الفلسطينيون "مهدّدا".

ويرى الجانبان في الزيارات "استفزازا" لمشاعر المسلمين. بينما يبقى الأكثر إثارة للجدل، ما وصفه المجموعة بـ"التآكل التدريجي" لحظر الصلاة اليهودية في الموقع، حيث أصبحت الصلاة العلنية لليهود "أمرا شبه اعتيادي، في ما يعتبر انتهاكا للوضع القائم".

ويأتي هذا التحول، بحسب المجموعة، في سياق "تسييس متزايد" لقضية جبل الهيكل من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي أصبحت زيارة الموقع والصلاة فيه جزءا أساسيا من أجندته السياسية والدينية.

وضع القدس في أروقة الأمم المتحدة

في 29 نوفمبر 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إدخال قضية القدس رسميا إلى أروقة المنظمة الدولية، من خلال القرار رقم 181، المعروف بـ"قرار التقسيم"، القاضي بإنشاء  "دولة يهودية" و "دولة عربية"، مع اعتبار القدس كيانا متميزا يخضع لنظام دولي خاص.

وكان الهدف من هذا المقترح حماية المصالح الدينية لجميع الأطراف في المدينة المقدسة، في ظل حساسيتها وأهميتها الكبيرة في الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ورفضت الدول العربية الخطوة واندلعت الحرب في 1948، مما أدى إلى تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن، إذ أصبحت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما خضعت القدس الشرقية للسيطرة الأردنية.

واستمر هذا التقسيم حتى حرب 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.  

إسرائيل تعتبر القدس بأكملها، بما فيها القدس الشرقية عاصمة البلاد

وظلت قضية القدس محور اهتمام المجتمع الدولي، وانعكس ذلك في سلسلة متواصلة من القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة.

وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات، بشأن الوضع في القدس، من أبرزها:

ـ القرار 242 عام 1967، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير، ومن ضمنها القدس الشرقية.

ـ ثم القرار 252  الصادر في 21 مايو 1968 ركز بشكل أساسي على الوضع في القدس والإجراءات الإسرائيلية فيها، حيث عبر مجلس الأمن عن رفضه للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، واعتبر هذه الإجراءات غير صالحة، ودعا إسرائيل إلى التراجع عنها.

ـ وفي سبتمبر 1971، دان القرار 298 عدم احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بإجراءاتها لتغيير وضع القدس.

ـ وأكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي "هي إجراءات باطلة أصلا، ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة".

ـ ولاحقا، دانت الأمم المتحدة مرارا قرار إسرائيل في 1980 الذي جعل القدس الشرقية جزءا من "القدس عاصمة إسرائيل".

ـ كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 478 على بطلان إقرار إسرائيل "القانون الأساسي" بشأن القدس  معتبرا إياه انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير وضع القدس، ويدعو المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها. كما يطلب من الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها.

ـ وفي عام 1996، أصدر المجلس القرار رقم 1073، تفاعلا مع الأحداث الدموية التي وقعت في القدس ومناطق أخرى فلسطينية بعد قيام الحكومة الإسرائيلية بفتح مدخل لنفق بالقرب من المسجد الأقصى.

ـ ومن بين القرارات الأخرى المهمة، القرار رقم 1322 لعام 2000، الذي دان زيارة أرييل شارون، للمسجد الأقصى، واصفا الخطوة بـ"الاستفزازية"، والتي أدت إلى اندلاع موجة من العنف في القدس والأراضي الفلسطينية، مؤكدا على ضرورة احترام الأماكن المقدسة.

بدورها، دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات سنوية تؤكد على الوضع الخاص للقدس، وتشدد معظم هذه القرارات على أهمية الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة وحماية حقوق جميع سكانها. ومن ضمن أبرز قراراتها:

ـ القرار رقم 303 لعام 1949، الذي يؤكد على وضع القدس تحت نظام دولي دائم لحماية الأماكن المقدسة، ويدعو إلى إنشاء القدس ككيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة، مع تحديد حدودها لتشمل البلدات والقرى المحيطة.

ـ وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا آخر في 4 يوليو 1967، معبرة عن قلقها العميق إزاء الوضع السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

واعتبر القرار هذه الإجراءات غير صالحة، داعيا إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير المتخذة بالفعل والامتناع فورا عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير وضع القدس.

بدورها، ركزت منظمة اليونسكو عبر سلسلة من القرارات، على الجوانب الثقافية والتراثية للقدس، مسلّطة الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للمدينة القديمة وأسوارها.

وتشدد اليونسكو على ضرورة حماية هذا التراث الإنساني الفريد، غير أن بعض قراراتها أثارت جدلا دبلوماسيا بسبب الصياغة المستخدمة في وصف الأماكن المقدسة، وواجهت انتقادات حادة من إسرائيل واتهامات بـ"عدم الاستقلالية ومحاباة الفلسطينيين".

من جهتها، اعتبرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 "غير قانوني"، ويجب أن ينتهي "في أسرع وقت ممكن"، في قرار وصفه الفلسطينيون بـ "التاريخي"، ورأت إسرائيل أنه "كاذب".

في 31 ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار "رأي استشاري" بشأن "العواقب القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية"، ويتعلق ذلك بالاحتلال الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. 

ورحب مكتب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالقرار "التاريخي" الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، مطالبا بإلزام إسرائيل بتنفيذه"، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وأضاف المكتب أن "قرار المحكمة انتصار للعدالة، إذ أكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي".

في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إن محكمة العدل الدولية اتخذت "قرارا كاذبا".

وأورد في بيان "الشعب اليهودي ليس بمحتل في أرضه - لا في عاصمتنا الأبدية القدس ولا في إرث أجدادنا يهودا والسامرة"، مستعملا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.

وأضاف "لن يحرّف أي قرار كاذب في لاهاي هذه الحقيقة التاريخية، وكذلك لا يمكن الجدال في قانونية المستوطنات الإسرائيلية في كافة أنحاء وطننا".