لوح طيني يشكّل جزءاً من ملحمة جلجامش استعاده العراق من الولايات المتحدة الأميركية في العام 2021 بعد ان فقد من متحف عراقي- أرشيفية
لوح طيني يشكّل جزءاً من ملحمة جلجامش استعاده العراق من الولايات المتحدة الأميركية في العام 2021 بعد ان فقد من متحف عراقي- أرشيفية

عرفت بلاد الرافدين حضارة عريقة قوية منذ آلاف السنين. تمكن العراقيون القدماء خلالها من تدوين أفكارهم وقصصهم ومعتقداتهم عبر اختراعهم الكتابة في الألف الرابع قبل الميلاد.

وكانت ملحمة جلجامش أحد أهم النصوص الأدبية التي وصلتنا من تلك الفترة التاريخية الموغلة في القدم. من هو جلجامش؟ وما هي قصته؟  وكيف أثرت ملحمته الخالدة في الوجدان الإنساني الجمعي؟

 

السومريون والكتابة

 

يذكر الباحثون أن السومريين عاشوا في الجزء الجنوبي من بلاد ما بين النهرين بدءاً من منتصف الألف الخامس قبل الميلاد.

بنى السومريون العديد من المدن المتطورة في المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات في جنوب العراق، من أشهر تلك المدن كل من كيش، وأوروك، وأور، ولجش، وإيسن.

في تلك المدن ظهرت الإرهاصات الأولى لعلوم الحساب والطب والفلك والهندسة والري. وتطورت التقنيات المرتبطة بمهن الزراعة والتجارة والصناعة، كما بُنيت المعابد والقصور والأسواق والمنازل. وكذلك، وضع السومريون نظاماً سياسياً للحكم والإدارة. 

ظهرت الكتابة السومرية في بلاد سومر في فترة موغلة في القدم. يحددها الباحثون بسنة 3200 قبل الميلاد على وجه التقريب. عُرفت تلك الكتابة باسم الكتابة المسمارية لأنها كانت تُكتب على ألواح من الطين أو الشمع أو الحجر بأدوات حادة، وكانت رسومها تشبه المسامير ولذلك عُرفت بهذا الاسم.

بدأ العراقيون القدماء في استخدام الكتابة المسمارية بشكل مبسط للتعبير عن بعض الأمور الحياتية السهلة والمباشرة. ولكن بعد فترة، تطورت تلك الكتابة لتصبح أكثر تعقيداً وتركيباً. ومن خلالها، دوّن أهل العراق نصوصهم المقدسة وقوانينهم المهمة.

يقول المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه قصة الحضارة: "يغلب على الظن أن الانتقال من الكتابة إلى الأدب تطلب عدة مئات من السنين. فقد ظلت الكتابة قروناً عدة أداة تستخدم في الأعمال التجارية لكتابة العقود والصكوك، وقوائم البضائع التي تنقلها السفن، والإيصالات ونحوها؛ ولعلها كانت بالإضافة إلى هذا أداة لتسجيل الشؤون الدينية، ومحاولة للاحتفاظ بالطلاسم السحرية، والإجراءات المتبعة في الاحتفالات والمراسم، وبالأقاصيص المقدسة، والصلوات والتراتيل، حتى لا تبيد أو يدخل عليها المسخ والتغيير...". في هذا السياق التاريخي، تم تدوين ملحمة جلجامش.

 

قصة الملحمة

 

تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش، بطل مدينة أوروك العظيم، فتصفه بأنه "هو الذي اشتركت الآلهة في صنع صورته؛ فأضفى عليه الجمال شمش السماوي ، وحباه أدد البطولة. على أروع صورة خلق الآلهة العظام جلجامش: بلغ طول قامته أحد عشر ذراعاً، وعرض صدره تسعة أشبار. ثلثاه إلهي، والثلث (الباقي) بشري! وهيئة جسمه شامخة"، كما يقول نص الملحمة.

رغم ذلك المديح، تذكر الملحمة أن جلجامش اغتر بقوته، وصار جباراً يظلم أهل مدينته فهو "لا يترك الابن لأبيه. يقهر الشعب بالليل وفي وضح النهار. إن جلجامش لا يترك العذراء لحبيبها، ولا ابنة البطل، ولا زوجة المحارب".

لوح جلجامش.. لغز الاختفاء والعودة

ظل مفقودا لأكثر من 30 سنة.. سُرق من العراق وبيع في أوروبا وأميركا، قبل أن يقع في يد السلطات الأميركية. القصة الكاملة للوح جلجامش وكيف استعاده العراق في هذا الوثائقي من إنتاج ارفع صوتك.

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Wednesday, September 29, 2021

بسبب تلك المظالم، رفع سكان أوروك شكواهم إلى الآلهة، فانعقد المجمع الإلهي وأُصدرت الأوامر إلى الإلهة آرورو بأن تخلق بطلاً يكون قادراً على هزيمة جلجامش، "فغسلت آرورو يديها. وأخذت قبضة من الطين ورمتها في البرية. وخلقت أنكيدو الجبار، بطلاً وربيب سكون الليل".

لما عرف جلجامش بأمر أنكيدو الذي يصاحب الحيوانات ويعيش بجوار أحد الأنهار، أمر أحد الصيادين أن يذهب إليه ويحتال عليه، وقال له: "اذهب يا صياد، وخذ معك بغيٍّا. فإذا ما اقترب الوحش البري -يقصد أنكيدو- فاجعلها تخلع ثوبها، وتكشف عن فتنتها، وما إن يقع عليها بصره، حتى يقترب منها، لكن حيواناته ستنكره، وهي التي تربت معه في البرية".

نجحت الخطة، واستسلم أنكيدو لروح المدنية التي حملتها له المرأة فاستسلم لها. ووافق أن يذهب معها إلى الوركاء ليقابل جلجامش. ولما وصل أنكيدو إلى الوركاء دخل في معركة عظيمة ضد جلجامش. وفي النهاية "قبَّلا بعضهما وعقدا أواصر الصداقة بينهما".

تحكي القصة بعد ذلك أن جلجامش طلب من صديقه الجديد أن يساعده في قتل الوحش العظيم خمبابا، حارس غابات الأرز. وتسهب الملحمة في وصف استعداد البطلين لتلك المهمة الصعبة. وكيف أنهما صنعا أسلحة جديدة لهما، وخاضا رحلة طويلة في الغابات حتى وصلا إلى الوحش وتمكنا من قتله. ثم عادا مرة أخرى إلى أوروك وحظيا بالتهنئة والإشادة من جميع من فيها من السكان.

هنا، تتدخل الإلهة عشتار للمرة الأولى في الأحداث. تعجب كثيراً بجلجامش وتطلب منه أن يكون زوجاً لها، فتقول له: "تعال يا جلجامش! كن زوجي! امنحني فيض قوتك! فتكون زوجي، وأكون زوجتك. سآمر لك بعربة من الذهب واللازورد، عجلاتها من ذهب، وقرونها من نحاس أصفر".

رفض جلجامش عرض عشتار، وذكّرها بعشاقها السابقين الذين خدعتهم وقضت عليهم واحداً بعد آخر. "لم تكد عشتار تسمع هذا الكلام، حتى تملَّكها الغضب وصعدت إلى السماء، مثلت في حضرة أبيها آنو، وجرت دموعها أمام أمها آنتوم، وقالت: أبتاه! لقد سبّني جلجامش وأهانني، ألحق بي إهاناته واحدة بعد الأخرى".

طلبت عشتار من أبيها أن يعطيها ثور السماء العظيم ليقتل جلجامش. ولما وافق أخذت الثور وأنزلته للوركاء فعاث فيها فساداً وقتل الكثير من أهلها. ولكن جلجامش وأنكيدو تصديا له ونجحا في قتله.

هنا، تذكر الملحمة أن الآلهة اجتمعت وقررت أن تعاقب البطلين. وفي نهاية الاجتماع أُصدر الأمر بموت أنكيدو، ليعيش جلجامش بعدها في حزن عظيم "وبعد أن غطى وجه الصديق كما يُغطى وجه العروس، أخذ يحوم حوله كالنسر، كلبؤة اختُطف منها أشبالها. وطفق يذهب ويجيء أمام فراشه، وينتف شعره المسترسل ويرمي به على الأرض، ويمزق ثيابه ويُلقي بها كأنها شيء بخس لا يلمس"

قرر جلجامش بعد وفاة صاحبه أن يعتزل الحياة. وبدأ البحث عن أوتنابشتيم الذي وهبته الآلهة سر الخلود بعد الطوفان، ليعرف منه كيف يتغلب على الموت. بعد رحلة طويلة يعثر جلجامش على البشري الخالد ويطلب منه سر الخلود، فيقول له أوتنابشتيم الحكيم: "الموت القاسي لا يرحم. هل نبني بيتاً لا يفنى؟ هل نختم عقداً لا يبلى؟ هل يقتسم الإخوة ميراثاً يبقى؟ أيعم الأرض إلى الأبد الحقد، وتدوم مياه الفيضان إذا امتلأ النهر، فيبقى المد ويطغى؟".

أمام إلحاح جلجامش كشف له أوتنابشتيم عن سر الخلود. وكشف له عن وجود نبات في قاع النهر، وأن من أكل منه يظل حياً ولا يقرب منه الموت. نزل عندها جلجامش إلى النهر وقطف من ذلك النبات الذي يشبه الورد. وخرج مسروراً بما يحمله، وقال: "سأحملها معي إلى أوروك، وأعطيها للناس ليأكلوا منها، وبذلك أجربها… ولسوف آكل منها ليرجع إلي شبابي".

لم تسر خطة جلجامش كما أراد. نزل ذات يوم أثناء رحلة العودة إلى النهر ليستحم. فأتى الثعبان وأكل النبتة. ولما عرف جلجامش بما وقع جلس يبكي على الشاطئ وقد عرف أن سر الخلود ضاع منه إلى الأبد، فقال مختتماً أحداث تلك الملحمة: "لمن كل ذراعي؟ ولمن قد نزف القلب دماه؟ لم أجن لنفسي خيراً. بل قدمت الخير لأسد الترب-يقصد الثعبان".

 

كيف أثرت ملحمة جلجامش في الوجدان الإنساني؟

 

يعتقد الكثير من المؤرخين أن جلجامش كان شخصية حقيقية، وأنه كان ملكاً لدولة الوركاء السومرية، وأنه قد تم تأليهه بعد فترة من وفاته عندما أختاره العراقيون القدماء ليصبح بطلاً أسطورياً تجتمع فيه صفات البشر والآلهة في آن واحد.

على الأرجح، دونت القصص الأولى عن جلجامش في الألف الثاني قبل الميلاد، وبالتزامن مع حلول العصر البابلي القديم في الألف الثاني قبل الميلاد تم تجميع القصص المتناثرة حول جلجامش لتصبح ملحمة واحدة طويلة.

في منتصف القرن التاسع عشر، اُكتشفت معظم مواد ملحمة جلجامش ضمن خرائب مكتبة معبد الإله نابو، وفي مكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال في مدينة نينوى. كما عُثر على العديد من الشظايا والألواح التي دونت عليها بعض أجزاء تلك الملحمة في مناطق مختلفة من بلاد الرافدين.

قدم عالم الآثار البريطاني جورج سميث أول ترجمة لنصوص تلك الملحمة في سبعينات القرن التاسع عشر. وفي سنة 1891م، قام ألفريد جيرمواس بترجمتها إلى اللغة الألمانية. وتتابعت بعد ذلك الترجمات بجميع اللغات. ومن أبرزها الترجمة العربية التي نشرها عالم الآثار العراقي طه باقر في سنة 1962م.

يتفق الباحثون على التأثير العميق الذي تركته ملحمة جلجامش في الوجدان الإنساني الجمعي. على سبيل المثال يذكر عالم اللغويات الأميركي باري بي باول في كتابه "هوميروس" أن تلك الملحمة انتشرت في آسيا الصغرى في العصور القديمة. وانتقلت أفكارها ومضامينها إلى بلاد اليونان، فأسهمت في صياغة وتشكيل الأدب اليوناني القديم.

من جهة أخرى، يربط بعض الباحثين بين قصة الطوفان السومري الواردة في ملحمة جلجامش، وقصة الطوفان الواردة في سفر التكوين في النصوص التوراتية. يذكر الباحث المصري سيد القمني في كتابه "قصة الخلق: منابع سفر التكوين" أن الملحمة العراقية كانت أحد المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها العبرانيون عند تدوين أسفارهم المقدسة.

بشكل عام، يمكن القول إن ملحمة جلجامش حافظت لنفسها على مكانة سامية بين جميع الآثار الأدبية التي نُقلت لنا من العصور القديمة. حاول طه باقر أن يوضح ذلك في مقدمة ترجمته للملحمة، فقال: "لعلني لا أبالغ إذا قلت إنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين من منجزاتها وعلومها ومتونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة أن تتبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة".

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.