يمتد تاريخ الحضارة في سوريا لأكثر من 5 آلاف سنة، وتمكن السوريون القدماء من استغلال خصوبة أراضي البلاد، فأقاموا مجتمعات زراعية متطورة منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
كذلك عرف الكنعانيون والفينيقيون القدماء الصناعة والتجارة، ونشروا أفكارهم في حوض البحر المتوسط، كما أسسوا مستعمرة كبيرة لهم في قرطاجنة على الساحل التونسي. وفي العهد الإسلامي، حكم الأمويون دولة الخلافة من عاصمتها المزدهرة دمشق.
وفيما بعد، تعرضت سوريا لصدمات عنيفة متتالية على يد الصليبيين والمغول والعثمانيين والفرنسيين، لكن بلاد الشام -رغم ذلك- ظلّت مصدرة للعلم والثقافة والحضارة.
في هذا المقال نتعرف على خمسة من أهم الكتب التي تناولت سوريا (بلاد الشام) عبر التاريخ.
"تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية"
مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والباحث الفرنسي جان مازيل. وصدر الكتاب للمرة الأولى باللغة الفرنسية عام 1968، وتُرجم للعربية عام 1998، ونُشر في سوريا من خلال دار "الحوار للنشر والتوزيع".
وجاء في مقدمته، على لسان الكاتب: "لقد سعيت خلال ست سنوات كاملة وراء هؤلاء الغزاة الأوائل للبحار متتبعاً أثرهم على مدى القرن العشرين فوق البر والبحر على دروب القصدير والذهب حيث عثرت شيئاً فشيئاً عن موانئهما".
وكتب الناشر: "في جولاته البرية والبحرية قطع الباحث في التاريخ الفينيقي جان مازيل خمسةً وخمسين ألف كيلومتر، وهو يتقفى خطى الفينيقيين كي يكتب هذا الكتاب، فإذا بالمراكز الفينيقية -التي كانت قلب العالم القديم كما كانت بابل دماغه- تتلامع على طريق القصدير الذي اختطه فينيقيو الشرق من جبيل (حاضرة الكتابة) وصيدون (حاضرة الفكر) وسواهما، إلى قبرص واليونان وإنجلترا وأميركا، فلنتذكر أن الرحلة الفينيقية ترتقي إلى أربعة آلاف سنة".
تألف الكتاب من 41 فصلاً، استعرض فيها تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية في مختلف المجالات. فخصص الفصل الأول للحياة الدينية في المجتمع الفينيقي، والثاني للحياة العمرانية، متحدثاً عن المدن الفينيقية المزدهرة في كل من جبيل وصور وصيدون وبيروت.
وفي الفصل الثالث، تناول الكاتب التأثيرات الفنية العظيمة للحضارة الفينيقية، فاستعرض أهم التماثيل والمنحوتات المنسوبة إليها. وفي الفصل الرابع، كتب عن المبتكرات المنسوبة للفينيقيين، أهمها الملاحة، وعلم الفلك، والنسيج، والصبغة الأرجوانية الشهيرة التي منحت للحضارة الفينيقية اسمها الخالد.
وتحدث مازيل في الفصل الخامس عن الامتدادات الفينيقية في كل من قبرص، ورودس، وساحل البحر الأدرياتي، وصقلية، والساحل الجنوبي من شبه الجزيرة الأيبيرية، وقرطاجنة.
وهكذا في كل فصل موضوعة مقرونة بالتفاصيل والدلائل الحضارية المتبقية منها، أثراً وتأثيراً.
"تاريخ دمشق"
مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والمُحّدث أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المتوفى 571هـ (1176)، وأراد به أن يضاهي عمل الخطيب البغدادي عندما كتب "تاريخ بغداد" في القرن الخامس الهجري.
كتب في المقدمة: "أما بعد فإني كنت قد بدأت قديماً بالاعتزام لسؤال من قابلت سؤاله بالامتثال والالتزام على جمع تاريخ لمدينة دمشق أم الشام... وهو كتاب مشتمل على ذكر من حلها من أماثل البرية أو اجتاز بها أو بأعمالها... وقدمت قبل جميع ذلك جملة من الأخبار في شرف الشام وفضله وبعض ما حفظ من مناقب سكانه وأهله وما خصوا به دون أهل الأقطار وامتازوا به على سائر سكان الأمصار".
بشكل عام، يُعد هذا الكتاب واحداً من أفضل وأهم الكتب التي دونها المؤرخون المسلمون في وصف بلاد الشام على الإطلاق، وظل مخطوطاً لقرون طويلة. حتى تمت طباعته في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع عام 1995.
وقدم الكتاب الكثير من المعلومات عن دمشق وبقية المدن السورية، وسِيراً لعدد هائل من الأعلام المسلمين الذين دخلوا بلاد الشام على مر القرون. من هنا يمكن فهم الأهمية العظيمة التي مثلها الكتاب للمكتبة التاريخية الإسلامية، وكيف أضحى مصدراً لدراسة أحوال المجتمع السوري في أزمنة الخلفاء "الراشدين"، والأمويين، والعباسيين، والسلاجقة، والزنكيين.
"سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني"
للمؤرخ الروسي قسطنطين ميخالوفيتش بازيلي. في 1838 عُين بازيلي في منصب قنصل روسيا في يافا ثم في بيروت، وبقي فيه 15 عاماً.
هذا الأمر، أتاح له ذلك الاقتراب من المجتمع الشامي، ومكنه من رصد أهم الأحداث التي وقعت خلال حقبة الحكم العثماني في سوريا ولبنان.
قام بازيلي بتأليف الكتاب في 1847 أثناء وجوده في دير مار إلياس في جبل لبنان. وفي 1861، صدر الكتاب للمرة الأولى بنسخته الروسية في أوكرانيا، ثم تُرجم للعربية ونشرته دار "التقدم" في موسكو عام 1989.
تناول الكتاب أهم القضايا السياسية في تاريخ سوريا العثمانية، وألقى الضوء على العلاقات القائمة بين الدولة العثمانية من جهة، وروسيا القيصرية والغرب من جهة أخرى.
بشكل عام، يُعدّ الكتاب مرجعاً تاريخياً مهماً لفهم أسباب التغيرات المحورية التي مرت بالمجتمع السوري على مدار ما يقرب من الخمسة قرون.
تألف الكتاب من 24 فصلاً، قدمت تفصيلات مهمة عايش بازيلي العديد منها أثناء فترة إقامته في سوريا ولبنان. على سبيل المثال ألقى الضوء في الفصل الأول، على العناصر التي تألف منها المجتمع السياسي العربي في سوريا العثمانية، وأوضح طبيعة وبنية النظام الإقطاعي في الشرق، كما بيّن أهم سماته التي تختلف عن مثيله الغربي.
وفي الفصل الثالث، تناول حقبة ولاية والي سوريا القوي، أحمد الجزار. وتحدث بشكل تفصيلي عن ظروف الحملة الفرنسية على سوريا بقيادة نابليون بونابرت، وبيّن كيف تمكن السوريون من إفشال الحملة.
وفي الفصلين الخامس والسادس من الكتاب، تعرض بازيلي لحملة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر على سوريا، مسهباً في استعراض أسباب انتصار الجيش المصري على الجيوش العثمانية. كما قدم تحليلاً دقيقاً لأسباب ضعف الإمبراطورية العثمانية، وموقف الدول الأوروبية من العثمانيين.
"تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011"
مؤلف الكتاب هو الباحث اللبناني الكندي، كمال ديب. ألف أكثر من 20 كتاباً بعناوين اقتصادية في الدول العربية وكندا، وله مئات الأبحاث المنشورة في الشؤون الاقتصادية، ويشغل منصب بروفيسور في مواد الاقتصاد والثقافة في جامعة "أوتاوا" بكندا.
صدر الكتاب عام 2011 عن دار "النهار" في بيروت، ويُعدّ واحداً من أهم الأعمال الأكاديمية الرصينة التي صدرت عن تاريخ سوريا.
سرد المؤلف الكثير من المعلومات التاريخية عن سوريا منذ فترة الانتداب الفرنسي وبداية الحكم الفيصلي حتى اندلاع أحداث الثورة السورية في أوائل 2011، وقام في الوقت ذاته بتحليل الأحداث وربطها ببعضها البعض، مقدماً صورة شبه متكاملة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحزبية في سوريا.
تألف الكتاب من 27 فصلاً، وتم تقسيمه إلى خمسة أجزاء رئيسة. في الجزء الأول، تحدث الكاتب عما أسماه بـ"ولادة الدولة الوطنية" إثر اتفاق سايكس- بيكو. وفي الثاني عرض أحداث الصراع الإقليمي الدولي على سوريا وما تخللها من انقلابات عسكرية من جهة، ومحاولة ضم سوريا إلى بعض التحالفات الإقليمية من جهة أخرى.
في الجزء الثالث، تناول ديب ثورة "حزب البعث"، التي امتدت بين 1963 و1970. وفي الرابع، فترة حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد في الفترة الواقعة بين سبعينيات القرن العشرين إلى سنة 2000. أما في الجزء الخامس والأخير من الكتاب، فألقى الضوء على مرحلة حكم رئيس النظام السوري بشار الأسد، بدءاً من لحظة تسلمه السلطة سنة 2000 حتى اندلاع الثورة.
"دولة محترقة.. سوريون في الثورة والحرب"
قام السوريان البريطانيان روبين ياسين كساب، وليلى الشامي، بتأليف الكتاب باللغة الإنجليزية، ونُشر في لندن عام 2016.
في ديسمبر 2017، صنفت صحيفة "الغارديان" البريطانية "دولة محترقة" ضمن "أفضل الكتب التي أرخت للأحداث الأولى للثورة السورية"، وقالت عنه، إنه "مزج بين الشهادات المباشرة والتحليل الواضح لتأريخ الثورة السورية عام 2011 من القاعدة الشعبية إلى الأعلى"، و"إنه تاريخ شعب، يمنح صوتاً للمواطنين العاديين".
وأضافت الصحيفة، أن الكتاب تدرج في عرضه للجذور التاريخية للثورة، إذ "توفر الفصول الأولى سياقاً تاريخياً، وتوضح كيف انتقلت الأقلية الشيعية العلوية - التي تنتمي إليها عائلة الأسد - من هوامش المجتمع إلى التيار الرئيس، واستولت على السلطة في الستينيات".
من جهة أخرى، نجح المؤلفان في استعراض الأسباب المباشرة لاشتعال الثورة، حيث جاء فيه: "جلب استيلاء بشار على السلطة بعد وفاة والده عام 2000 آمالاً بالإصلاح، لكنها لم تتحقق. عندما خرج المتظاهرون السلميون إلى الشوارع في عام 2011، كان رد فعل النظام وحشياً. وبعد معمودية الرعب تلك، أصبحت الثورة أكثر شراسة. لقد تعسكرت، وانقسمت إلى فصائل، وكان عدد متزايد من المقاتلين إسلاميين".
