صورة تعبيرية من مدينة تدمر الأثرية ، حمص وسط سوريا- ا ف ب
صورة تعبيرية من مدينة تدمر الأثرية ، حمص وسط سوريا- ا ف ب

يمتد تاريخ الحضارة في سوريا لأكثر من 5 آلاف سنة، وتمكن السوريون القدماء من استغلال خصوبة أراضي البلاد، فأقاموا مجتمعات زراعية متطورة منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

كذلك عرف الكنعانيون والفينيقيون القدماء الصناعة والتجارة، ونشروا أفكارهم في حوض البحر المتوسط، كما أسسوا مستعمرة كبيرة لهم في قرطاجنة على الساحل التونسي. وفي العهد الإسلامي، حكم الأمويون دولة الخلافة من عاصمتها المزدهرة دمشق.

وفيما بعد، تعرضت سوريا لصدمات عنيفة متتالية على يد الصليبيين والمغول والعثمانيين والفرنسيين، لكن بلاد الشام -رغم ذلك- ظلّت مصدرة للعلم والثقافة والحضارة.

في هذا المقال نتعرف على خمسة من أهم الكتب التي تناولت سوريا (بلاد الشام) عبر التاريخ.

 

"تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية"

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والباحث الفرنسي جان مازيل. وصدر الكتاب للمرة الأولى باللغة الفرنسية عام 1968، وتُرجم للعربية عام 1998، ونُشر في سوريا من خلال دار "الحوار للنشر والتوزيع".

وجاء في مقدمته، على لسان الكاتب: "لقد سعيت خلال ست سنوات كاملة وراء هؤلاء الغزاة الأوائل للبحار متتبعاً أثرهم على مدى القرن العشرين فوق البر والبحر على دروب القصدير والذهب حيث عثرت شيئاً فشيئاً عن موانئهما".

وكتب الناشر: "في جولاته البرية والبحرية قطع الباحث في التاريخ الفينيقي جان مازيل خمسةً وخمسين ألف كيلومتر، وهو يتقفى خطى الفينيقيين كي يكتب هذا الكتاب، فإذا بالمراكز الفينيقية -التي كانت قلب العالم القديم كما كانت بابل دماغه- تتلامع على طريق القصدير الذي اختطه فينيقيو الشرق من جبيل (حاضرة الكتابة) وصيدون (حاضرة الفكر) وسواهما، إلى قبرص واليونان وإنجلترا وأميركا، فلنتذكر أن الرحلة الفينيقية ترتقي إلى أربعة آلاف سنة".

تألف الكتاب من 41 فصلاً، استعرض فيها تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية في مختلف المجالات. فخصص الفصل الأول للحياة الدينية في المجتمع الفينيقي، والثاني للحياة العمرانية، متحدثاً عن المدن الفينيقية المزدهرة في كل من جبيل وصور وصيدون وبيروت.

وفي الفصل الثالث، تناول الكاتب التأثيرات الفنية العظيمة للحضارة الفينيقية، فاستعرض أهم التماثيل والمنحوتات المنسوبة إليها. وفي الفصل الرابع، كتب عن المبتكرات المنسوبة للفينيقيين، أهمها الملاحة، وعلم الفلك، والنسيج، والصبغة الأرجوانية الشهيرة التي منحت للحضارة الفينيقية اسمها الخالد.

وتحدث مازيل في الفصل الخامس عن الامتدادات الفينيقية في كل من قبرص، ورودس، وساحل البحر الأدرياتي، وصقلية، والساحل الجنوبي من شبه الجزيرة الأيبيرية، وقرطاجنة.

وهكذا في كل فصل موضوعة مقرونة بالتفاصيل والدلائل الحضارية المتبقية منها، أثراً وتأثيراً.

 

"تاريخ دمشق"

مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والمُحّدث أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المتوفى 571هـ (1176)، وأراد به أن يضاهي عمل الخطيب البغدادي عندما كتب "تاريخ بغداد" في القرن الخامس الهجري.

كتب في المقدمة: "أما بعد فإني كنت قد بدأت قديماً بالاعتزام لسؤال من قابلت سؤاله بالامتثال والالتزام على جمع تاريخ لمدينة دمشق أم الشام... وهو كتاب مشتمل على ذكر من حلها من أماثل البرية أو اجتاز بها أو بأعمالها... وقدمت قبل جميع ذلك جملة من الأخبار في شرف الشام وفضله وبعض ما حفظ من مناقب سكانه وأهله وما خصوا به دون أهل الأقطار وامتازوا به على سائر سكان الأمصار".

بشكل عام، يُعد هذا الكتاب واحداً من أفضل وأهم الكتب التي دونها المؤرخون المسلمون في وصف بلاد الشام على الإطلاق، وظل مخطوطاً لقرون طويلة. حتى تمت طباعته في دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع عام 1995.

وقدم الكتاب الكثير من المعلومات عن دمشق وبقية المدن السورية، وسِيراً لعدد هائل من الأعلام المسلمين الذين دخلوا بلاد الشام على مر القرون. من هنا يمكن فهم الأهمية العظيمة التي مثلها الكتاب للمكتبة التاريخية الإسلامية، وكيف أضحى مصدراً لدراسة أحوال المجتمع السوري في أزمنة الخلفاء "الراشدين"، والأمويين، والعباسيين، والسلاجقة، والزنكيين.

"سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني"

للمؤرخ الروسي قسطنطين ميخالوفيتش بازيلي. في 1838 عُين بازيلي في منصب قنصل روسيا في يافا ثم في بيروت، وبقي فيه 15 عاماً.

هذا الأمر، أتاح له ذلك الاقتراب من المجتمع الشامي، ومكنه من رصد أهم الأحداث التي وقعت خلال حقبة الحكم العثماني في سوريا ولبنان.

قام بازيلي بتأليف الكتاب في 1847 أثناء وجوده في دير مار إلياس في جبل لبنان. وفي 1861، صدر الكتاب للمرة الأولى بنسخته الروسية في أوكرانيا، ثم تُرجم للعربية ونشرته دار "التقدم" في موسكو عام 1989.

تناول الكتاب أهم القضايا السياسية في تاريخ سوريا العثمانية، وألقى الضوء على العلاقات القائمة بين الدولة العثمانية من جهة، وروسيا القيصرية والغرب من جهة أخرى.

بشكل عام، يُعدّ الكتاب مرجعاً تاريخياً مهماً لفهم أسباب التغيرات المحورية التي مرت بالمجتمع السوري على مدار ما يقرب من الخمسة قرون.

تألف الكتاب من 24 فصلاً، قدمت تفصيلات مهمة عايش بازيلي العديد منها أثناء فترة إقامته في سوريا ولبنان. على سبيل المثال ألقى الضوء في الفصل الأول، على العناصر التي تألف منها المجتمع السياسي العربي في سوريا العثمانية، وأوضح طبيعة وبنية النظام الإقطاعي في الشرق، كما بيّن أهم سماته التي تختلف عن مثيله الغربي.

وفي الفصل الثالث، تناول حقبة ولاية والي سوريا القوي، أحمد الجزار. وتحدث بشكل تفصيلي عن ظروف الحملة الفرنسية على سوريا بقيادة نابليون بونابرت، وبيّن كيف تمكن السوريون من إفشال الحملة.

وفي الفصلين الخامس والسادس من الكتاب، تعرض بازيلي لحملة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر على سوريا، مسهباً في استعراض أسباب انتصار الجيش المصري على الجيوش العثمانية. كما قدم تحليلاً دقيقاً لأسباب ضعف الإمبراطورية العثمانية، وموقف الدول الأوروبية من العثمانيين.

"تاريخ سورية المعاصر: من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011"

مؤلف الكتاب هو الباحث اللبناني الكندي، كمال ديب. ألف أكثر من 20 كتاباً بعناوين اقتصادية في الدول العربية وكندا، وله مئات الأبحاث المنشورة في الشؤون الاقتصادية، ويشغل منصب بروفيسور في مواد الاقتصاد والثقافة في جامعة "أوتاوا" بكندا.

صدر الكتاب عام 2011 عن دار "النهار" في بيروت، ويُعدّ واحداً من أهم الأعمال الأكاديمية الرصينة التي صدرت عن تاريخ سوريا.

سرد المؤلف الكثير من المعلومات التاريخية عن سوريا منذ فترة الانتداب الفرنسي وبداية الحكم الفيصلي حتى اندلاع أحداث الثورة السورية في أوائل 2011، وقام في الوقت ذاته بتحليل الأحداث وربطها ببعضها البعض، مقدماً صورة شبه متكاملة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحزبية في سوريا.

تألف الكتاب من 27 فصلاً، وتم تقسيمه إلى خمسة أجزاء رئيسة. في الجزء الأول، تحدث الكاتب عما أسماه بـ"ولادة الدولة الوطنية" إثر اتفاق سايكس- بيكو. وفي الثاني عرض أحداث الصراع الإقليمي الدولي على سوريا وما تخللها من انقلابات عسكرية من جهة، ومحاولة ضم سوريا إلى بعض التحالفات الإقليمية من جهة أخرى.

في الجزء الثالث، تناول ديب ثورة "حزب البعث"، التي امتدت بين 1963 و1970. وفي الرابع، فترة حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد في الفترة الواقعة بين سبعينيات القرن العشرين إلى سنة 2000. أما في الجزء الخامس والأخير من الكتاب، فألقى الضوء على مرحلة حكم رئيس النظام السوري بشار الأسد، بدءاً من لحظة تسلمه السلطة سنة 2000 حتى اندلاع الثورة.

صورة مركبة للمفكر السوري منذر الحايك وبعض عناوين كتبه من سلسلة "نصوص مقدسة"
المفكر السوري منذر الحايك ومشروعه للتقريب بين الأديان ومواجهة التعصّب
يُعدّ الباحث السوري منذر الحايك واحداً من أهم المؤرخين العرب الحاليين. ولد في مدينة حمص السورية عام 1944. درس علم التاريخ في جامعة دمشق، ثم حصل على درجتي الماجيستير والدكتوراة، ليعمل بعدها فترة طويلة في جامعة حمص. قبل أن يترك سوريا مطلع 2012، ويقيم حالياً في قبرص.

"دولة محترقة.. سوريون في الثورة والحرب"

قام السوريان البريطانيان روبين ياسين كساب، وليلى الشامي، بتأليف الكتاب باللغة الإنجليزية، ونُشر في لندن عام 2016. 

في ديسمبر 2017، صنفت صحيفة "الغارديان" البريطانية "دولة محترقة" ضمن "أفضل الكتب التي أرخت للأحداث الأولى للثورة السورية"، وقالت عنه، إنه "مزج بين الشهادات المباشرة والتحليل الواضح لتأريخ الثورة السورية عام 2011 من القاعدة الشعبية إلى الأعلى"، و"إنه تاريخ شعب، يمنح صوتاً للمواطنين العاديين".

وأضافت الصحيفة، أن الكتاب تدرج في عرضه للجذور التاريخية للثورة، إذ "توفر الفصول الأولى سياقاً تاريخياً، وتوضح كيف انتقلت الأقلية الشيعية العلوية - التي تنتمي إليها عائلة الأسد - من هوامش المجتمع إلى التيار الرئيس، واستولت على السلطة في الستينيات".

من جهة أخرى، نجح المؤلفان في استعراض الأسباب المباشرة لاشتعال الثورة، حيث جاء فيه: "جلب استيلاء بشار على السلطة بعد وفاة والده عام 2000 آمالاً بالإصلاح، لكنها لم تتحقق. عندما خرج المتظاهرون السلميون إلى الشوارع في عام 2011، كان رد فعل النظام وحشياً. وبعد معمودية الرعب تلك، أصبحت الثورة أكثر شراسة. لقد تعسكرت، وانقسمت إلى فصائل، وكان عدد متزايد من المقاتلين إسلاميين".

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.
عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.

في خضم توترات متصاعدة في الشرق الأوسط، أثارت تصريحات الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بشأن المسجد الأقصى عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعد تشكيكه في "الوضع القائم" بالحرم، وتعبيره عن تأييد بناء كنيس يهودي في باحاته.

ومثلت دعوة الوزير الإسرائيلي تحديا مباشرا للاتفاقيات والتفاهمات التاريخية التي حكمت لعقود إدارة هذا الموقع الذي يعد محور خلاف رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الأهمية الدينية والسياسية

ويحتل المسجد الأقصى كما يطلق المسلمون أو  "جبل الهيكل" وفق التسمية اليهودية، مكانة فريدة في قلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يحظى برمزية دينية وسياسية كبيرة للجانبين.

ويقع هذا الصرح التاريخي في قلب القدس القديمة، ممتدا على مساحة 14 هكتارا، ويضم في نطاقه المسجد الأقصى وبداخله قبة الصخرة الشهيرة.

وبالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس الأماكن الدينية  بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي، كما يرتبط بأحداث دينية وروحية في وجدان المسلمين حول العالم.

وعلى الجانب اليهودي، تكتسب هذه البقعة أيضا أهمية دينية وتاريخية، حيث أنها موقع وجود هيكلين يهوديين تعرضا للهدم في عامي 586 قبل الميلاد و70 ميلادي على التوالي.

ويعد الحائط الغربي للمسجد، المعروف بحائط المبكى عند اليهود أو البراق لدى المسلمين، أقدس موقع متاح للصلاة في الديانة اليهودية، بينما تحظر السلطة الحاخامية في إسرائيل دخول اليهود إلى باقي أرجاء الموقع باعتباره أرضا مقدسة.

ويطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، كعاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبرها إسرائيل جزءا لا يتجزأ من عاصمتها الموحدة.

ولدى العديد من الدول بعثات دبلوماسية لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي عام 2018، نقلت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب، سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد أن اعترف واشنطن بالمدينة عاصمة لإسرائيل.

يهود يؤدون الصلاة عند الحائظ الغربي في المدينة القديمة بالقدس، أرشيف

"الوضع القائم"

وكانت القدس الشرقية وسائر مدن الضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية قبل حرب يونيو 1967. ومنذ سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية بعد صراع "الستة أيام"، بات المسجد الأقصى تحت إدارة مشتركة بين إسرائيل والأردن، فيما يُعرف بـ"الوضع التاريخي القائم".

ووفق هذا الترتيب، تتولى الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الموقع، بينما تضطلع إسرائيل بمسؤوليات الأمن والوصول إليه.

وبموجب "الوضع القائم"، يمكن للمسلمين الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما تحق لغيرهم زيارته في أوقات محدّدة دون أداء الصلوات والطقوس الدينية فيه.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف عمان على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وتنص معاهدة السلام بين  البلدين، على أن إسرائيل "تحترم الدور الخاص الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس".

ووافقت إسرائيل على أن الإدارة اليومية وتنظيم الزيارة والعبادة في المسجد الأقصى ستظل مسؤولية الأوقاف الأردنية، مع مراعاة الإشراف والوجود الأمني ​​الإسرائيلي.

وتم تأكيد هذا الترتيب لاحقا فيما أصبح يُعرف باسم "تفاهمات كيري" التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، والحكومتين الإسرائيلية والأردنية.

وبحسب المؤسسة البحثية الإسرائيلية "مركز القدس لدراسات الشؤون العامة والسياسية"، فإن تفاهمات كيري اعترفت بالدور الخاص للأردن في القدس كما هو محدد في معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، بما في ذلك دور عمان التاريخي كـ"حارس للأماكن المقدسة الإسلامية" في القدس، وأعادت تأكيد الترتيبات القائمة بشأن الصلاة في المسجد الأقصى، والتي تسمح للمسلمين بالصلاة هناك، فيما يكون مسموحا لغير المسلمين بزيارة الموقع فقط.

القوات الإسرائيلية فرضت قيودا على دخول المصلين إلى المسجد - صورة أرشيفية.

"تحولات الوضع القائم"

وشهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في "الوضع القائم"، بحسب تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، والذي يشير إلى أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ازدادت السيطرة الإسرائيلية على الوصول للموقع، وارتفع عدد الزيارات اليهودية بشكل كبير.

كما يلاحظ التقرير "تراجع" دور الأوقاف الأردنية، مقابل "تزايد" النفوذ الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه رغم استمرار التنسيق الظاهري بين الأوقاف والشرطة الإسرائيلية، تقلصت سلطة الأوقاف.

وقد أدى هذا إلى فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر عدد من الإجراءات مثل تحديد عدد المصلين أو أعمارهم، والتي تقول إسرائيل إن وراءها دوافع أمنية.

وفي المقابل، تسجل زيادة ملحوظة في عدد الزوار اليهود، بما في ذلك من مجموعات كبيرة وشخصيات سياسية بارزة، مع تسجيل رقم قياسي للزوار بلغ 50 ألف  في عام 2022.

وتؤكد دائرة الأوقاف باستمرار أن المسجد بساحاته موقع مسلم فقط، وتندّد بالمحاولات الإسرائيلية "لتهويده". وكذلك، يعتبره الفلسطينيون "مهدّدا".

ويرى الجانبان في الزيارات "استفزازا" لمشاعر المسلمين. بينما يبقى الأكثر إثارة للجدل، ما وصفه المجموعة بـ"التآكل التدريجي" لحظر الصلاة اليهودية في الموقع، حيث أصبحت الصلاة العلنية لليهود "أمرا شبه اعتيادي، في ما يعتبر انتهاكا للوضع القائم".

ويأتي هذا التحول، بحسب المجموعة، في سياق "تسييس متزايد" لقضية جبل الهيكل من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي أصبحت زيارة الموقع والصلاة فيه جزءا أساسيا من أجندته السياسية والدينية.

وضع القدس في أروقة الأمم المتحدة

في 29 نوفمبر 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إدخال قضية القدس رسميا إلى أروقة المنظمة الدولية، من خلال القرار رقم 181، المعروف بـ"قرار التقسيم"، القاضي بإنشاء  "دولة يهودية" و "دولة عربية"، مع اعتبار القدس كيانا متميزا يخضع لنظام دولي خاص.

وكان الهدف من هذا المقترح حماية المصالح الدينية لجميع الأطراف في المدينة المقدسة، في ظل حساسيتها وأهميتها الكبيرة في الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ورفضت الدول العربية الخطوة واندلعت الحرب في 1948، مما أدى إلى تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن، إذ أصبحت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما خضعت القدس الشرقية للسيطرة الأردنية.

واستمر هذا التقسيم حتى حرب 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.  

إسرائيل تعتبر القدس بأكملها، بما فيها القدس الشرقية عاصمة البلاد

وظلت قضية القدس محور اهتمام المجتمع الدولي، وانعكس ذلك في سلسلة متواصلة من القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة.

وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات، بشأن الوضع في القدس، من أبرزها:

ـ القرار 242 عام 1967، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير، ومن ضمنها القدس الشرقية.

ـ ثم القرار 252  الصادر في 21 مايو 1968 ركز بشكل أساسي على الوضع في القدس والإجراءات الإسرائيلية فيها، حيث عبر مجلس الأمن عن رفضه للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، واعتبر هذه الإجراءات غير صالحة، ودعا إسرائيل إلى التراجع عنها.

ـ وفي سبتمبر 1971، دان القرار 298 عدم احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بإجراءاتها لتغيير وضع القدس.

ـ وأكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي "هي إجراءات باطلة أصلا، ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة".

ـ ولاحقا، دانت الأمم المتحدة مرارا قرار إسرائيل في 1980 الذي جعل القدس الشرقية جزءا من "القدس عاصمة إسرائيل".

ـ كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 478 على بطلان إقرار إسرائيل "القانون الأساسي" بشأن القدس  معتبرا إياه انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير وضع القدس، ويدعو المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها. كما يطلب من الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها.

ـ وفي عام 1996، أصدر المجلس القرار رقم 1073، تفاعلا مع الأحداث الدموية التي وقعت في القدس ومناطق أخرى فلسطينية بعد قيام الحكومة الإسرائيلية بفتح مدخل لنفق بالقرب من المسجد الأقصى.

ـ ومن بين القرارات الأخرى المهمة، القرار رقم 1322 لعام 2000، الذي دان زيارة أرييل شارون، للمسجد الأقصى، واصفا الخطوة بـ"الاستفزازية"، والتي أدت إلى اندلاع موجة من العنف في القدس والأراضي الفلسطينية، مؤكدا على ضرورة احترام الأماكن المقدسة.

بدورها، دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات سنوية تؤكد على الوضع الخاص للقدس، وتشدد معظم هذه القرارات على أهمية الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة وحماية حقوق جميع سكانها. ومن ضمن أبرز قراراتها:

ـ القرار رقم 303 لعام 1949، الذي يؤكد على وضع القدس تحت نظام دولي دائم لحماية الأماكن المقدسة، ويدعو إلى إنشاء القدس ككيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة، مع تحديد حدودها لتشمل البلدات والقرى المحيطة.

ـ وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا آخر في 4 يوليو 1967، معبرة عن قلقها العميق إزاء الوضع السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

واعتبر القرار هذه الإجراءات غير صالحة، داعيا إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير المتخذة بالفعل والامتناع فورا عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير وضع القدس.

بدورها، ركزت منظمة اليونسكو عبر سلسلة من القرارات، على الجوانب الثقافية والتراثية للقدس، مسلّطة الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للمدينة القديمة وأسوارها.

وتشدد اليونسكو على ضرورة حماية هذا التراث الإنساني الفريد، غير أن بعض قراراتها أثارت جدلا دبلوماسيا بسبب الصياغة المستخدمة في وصف الأماكن المقدسة، وواجهت انتقادات حادة من إسرائيل واتهامات بـ"عدم الاستقلالية ومحاباة الفلسطينيين".

من جهتها، اعتبرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 "غير قانوني"، ويجب أن ينتهي "في أسرع وقت ممكن"، في قرار وصفه الفلسطينيون بـ "التاريخي"، ورأت إسرائيل أنه "كاذب".

في 31 ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار "رأي استشاري" بشأن "العواقب القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية"، ويتعلق ذلك بالاحتلال الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. 

ورحب مكتب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالقرار "التاريخي" الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، مطالبا بإلزام إسرائيل بتنفيذه"، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وأضاف المكتب أن "قرار المحكمة انتصار للعدالة، إذ أكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي".

في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إن محكمة العدل الدولية اتخذت "قرارا كاذبا".

وأورد في بيان "الشعب اليهودي ليس بمحتل في أرضه - لا في عاصمتنا الأبدية القدس ولا في إرث أجدادنا يهودا والسامرة"، مستعملا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.

وأضاف "لن يحرّف أي قرار كاذب في لاهاي هذه الحقيقة التاريخية، وكذلك لا يمكن الجدال في قانونية المستوطنات الإسرائيلية في كافة أنحاء وطننا".