الجامع الأموي في دمشق، عاصمة الخلافة الأموية- تعبيرية
الجامع الأموي في دمشق، عاصمة الخلافة الأموية- تعبيرية

لعب أصحاب البشرة السوداء دوراً مهماً في تشييد وتأسيس الحضارة الإسلامية، كما برز منهم العديد في مجالات الأدب والسياسة والحروب، على الرغم من تعرضهم للتهميش والعنصرية في كثير من الأحيان.

 

شعراء

 

تميز العديد من أصحاب البشرة السوداء بنظم الشعر وإنشاده، فكان وسيلة يعبرون بها عن أنفسهم ومشاعرهم وحياتهم. يُعدّ سُحيم المعروف بـ "عبد بني الحسحاس"، من أشهر الشعراء المسلمين السود الذين ظهروا في الفترة المبكرة من الإسلام. ويُقال إنه كان من بين الشعراء المخضرمين، أي أنه نظم الشعر قبل ظهور الإسلام وبعده.

من أشهر أشعاره، ما كتبه معبراً عن اعتزازه وفخره بلون بشرته، نقتبس منها "أشعار عبد بني الحسحاس قمن له‌.. عند الفخار مقام الأصل والورق‌/ إن كنت عبداً فنفسي حرّة كرماً... أو أسود اللون إني أبيض الخلق‌".

في القرن الأول الهجري كذلك، ظهر الشاعر النوبي نصيب بن رباح، ومن أشعاره: "وَإِن أك حالِكاً لَوني فَإنّي.. لِعَقل غَيرِ ذي سَقَط وِعاءُ/ وَما نَزَلتُ بي الحاجاتِ اِلّا.. وَفي عَرضي مِنَ الطَمَع الحَياء".

وقوله في قصيدة أخرى "لَيسَ السَواد ناقِصي ما دامَ لي.. هذا اللِسانُ إِلى فُؤاد ثابِت/ من كانَ تَرفَعه منابِت أَصلِهِ... فَبُيوت أشعاري جَعَلن منابِتي/ كَم بَينَ اسودَ ناطِق بِبَيانِهِ... ماضي الجِنان وَبَينَ أبيَضَ صامِت".

نلاحظ كذلك أن بعض الشعراء المسلمين السود، أنشدوا القصائد التي أشاروا فيها للتقليد اليهودي التوراتي الذي يرى أن اللون الأسود كان عقاباً لحام بن نوح -ونسله- على إحدى الخطايا التي ارتكبها بحق أبيه. وهو ما بدا واضحاً في بعض أشعار الشاعر جعفر بن عبد الله بن قبيصة، المعروف بـ"ابن عُقاب"، وعقاب اسم والدته الحبشية التي نُسب إليها.

مما نظم

"وضمّتني العُقاب إلى حشاها.. وخير الطَّير قد علموا العُقاب

فتاة مِن بني حام بن نوح... سبتها الخيل غصباً والرِّكاب"

أدباء

 

كان المفكر المعتزلي الشهير أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزاره الليثي، المعروف باسم الجاحظ، أشهر من كتب في موضوعة البشرة السوداء، على الإطلاق، حيث ألف رسالة "فخر السودان على البيضان"، منتصراً فيها للونه الأسود، وعدّه خصيصة طبيعية مقترنة بالظرف المكاني والمناخي.

يقول الجاحظ: " إن "الله لم يخلقنا سوداً تشويهاً بنا، والسواد والبياض إنما هما من قبل خلقة البلدة وما طبع الله عليه الماء والتربة، ومن قبل قرب الشمس وبعدها، وشدة حرها ولينها، وليس ذلك من قبل مسخٍ ولا عقوبة ولا تشويه ولا تقصير، وما إفراط سواد من أسودّ من الناس إلا كإفراط بياض من أبيضّ من الناس".

وكتب في ذلك أيضاً، الأديب أبو العباس الناشئ، المعروف بـ"ابن شرشير"، في القرن الثالث الهجري، رسالة "في تفضيل السود على البيض"، وكذلك ابن المرزبان، كتب رسالة أخرى في القرن الرابع الهجري، بعنوان "السودان وفضلهم على البيضان".

دفعت كثرة ذلك النوع من الرسائل بعض العلماء -من غير أصحاب البشرة السوداء- لتأليف الكتب المدافعة عن السود، من ذلك "تنوير الغبش في فضل السودان والحبش" ألفه الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في القرن السادس الهجري.

صرح ابن الجوزي بسبب تأليف الكتاب في المقدمة فقال: "فَإِنِّي رَأَيْت جمَاعَة من أخيار الحبشان تنكسر قُلُوبهم لأجل اسوداد الألوان، فأعلمتهم أَن الِاعْتِبَار بِالْإِحْسَانِ لَا بالصور الحسان، وَوضعت لَهُم هَذَا الْكتاب فِي ذكر فضل خلق كثير من الْحَبَش والسودان".

من جهة أخرى، ظهرت العديد من الأمثال الأدبية التي ترفع من شأن أصحاب البشرة السوداء. من ذلك ما قام به أبو منصور الثعالبي في كتابه "اللطائف والظرائف"، عندما عقد باباً مخصوصاً بعنوان "في مدح السواد".

كذلك اعتاد الأدباء والقصاصون على حكاية بعض القصص البطولية التي تُعلي من شأن السود، من أشهرها "السيرة الهلالية"، التي سلطت الأضواء على بطولة الفارس الأسود أبي زيد الهلالي.

 

فقهاء وسياسيون

 

حظي الكثير من أصحاب البشرة السوداء بمقام محترم في المجتمع الإسلامي المبكر، حيث كان هناك العديد من الصحابة السود، بينهم مؤذن الرسول محمد، بلال بن رباح، وأشارت المصادر التاريخية للمكانة المهمة التي احتلها بين المسلمين الأوائل. ينقل البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب قوله "أبو بكر سيدُنا، وأعتقَ سيدَنا، يعني بلالاً".

في طبقة التابعين، ظهر العديد من الفقهاء السود، مثل الفقيه يزيد بن أبي حبيب، الذي وصفه شمس الدين الذهبي في كتابه "تذكرة الحفاظ"، بأنه "كان مفتي أهل مصر وكان حليماً عاقلاً وهو أول من أظهر العلم بمصر والمسائل والحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يحدثون في الترغيب والملاحم والفتن".

كما لعب يزيد دوراً في تحويل الانتماءات السياسية في مصر في القرن الأول الهجري إذ يقول: "نشأت بمصر وهم علوية يعنى شيعة فقلبتهم عثمانية".

كذلك أشتهر أمر التابعي عطاء بن أبي رباح، ووصفه الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء"، بأنه كان واحداً من أهم علماء مكة في زمانه وبأنه "شيخ الإسلام مفتي الحرم".

يحكي الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه" قصة عن المكانة العظيمة التي وصل إليها عطاء، إذ يذكر أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، ذهب لزيارة عطاء ومعه أبناؤه، ووجه ثلاثتهم العديد من الأسئلة لعطاء بخصوص مناسك الحج، لكن الفقيه الأسود لم يعرهم الاهتمام المنتظر، فقال الخليفة لأبنائه: "يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود".

من جهة أخرى، ظهر الأثر الفكري لأصحاب البشرة السوداء واضحاً في فقه الخوارج الذين عرفهم العالم الإسلامي عقب اندلاع ما عرف بـ"الفتنة الكبرى"، ومن أشهر زعماء الخوارج السود عكرمة البربري مولى عبد الله بن عباس، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.

خالف هؤلاء الرأي الفقهي السائد الذي يذهب أصحابه إلى اشتراط الأصل القرشي- العربي للخليفة، وذهبوا إلى أن أي رجل مسلم قادر بوسعه أن يتبوأ هذا المنصب بغض النظر عن أصوله وعرقه ولون بشرته.

كما حرص هؤلاء الفقهاء على التأكيد على القيمة المركزية للشورى، وأكدوا على اعتبارية رأي عامة المسلمين في اختيار الحاكم الذي يتولى السلطة.

ثوار ومحاربون

 

رفع أصحاب البشرة السوداء رايات الثورة ضد السلطة الحاكمة في حقب تاريخية متعددة، نتيجة الشعور المتزايد بالظلم والغبن والتهميش.

في القرن الأول الهجري، قاد الفقيه الأسود سعيد بن جبير، الكثير من المسلمين السود للمشاركة في "ثورة عبد الرحمن بن الأشعث" ضد الدولة الأموية. وقعت الحرب بين الطرفين في موقعة "دير الجماجم" سنة 83هـ، ويذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، الدور المؤثر الذي لعبه ابن جبير في المعركة، وأنه خطب في الثوار داعياً إياهم للقتال قائلا: "قاتلوهم. قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة".

هُزم الثوار في تلك المعركة، وقُتل سعيد بن جبير بعدها على يد الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي.

في منتصف القرن الثالث الهجري، أعلن أصحاب البشرة السوداء في العراق رفضهم تسلط الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، فقام الآلاف من "الزنج" الذين يعملون في استصلاح الأراضي الزراعية بالقرب من البصرة، بالثورة على الخلافة العباسية، وقادهم علي بن محمد الفارسي.

ظهر البعد الاجتماعي والعرقي في "ثورة الزنج" في ما نقله الطبري عن علي بن محمد، عندما قبض على أسياد البصرة وأثريائها وقال لهم: "قد أردتُ ضرب أعناقكم لما كنتُم تأتون إلى هؤلاء الغلماء (الزنج)، الذين استضعفتموهم وقهرتموهم وفعلتُم بهم ما حرّم الله عليكم أن تفعلوه بهم، وجعلتُم عليهم ما لا يُطيقون".

استمرت الحرب بين الطرفين لنحو عشرين سنة، وانتهت بهزيمة السود.

في ثلاثينيات القرن الرابع الهجري، لمع اسم واحد من أشهر الحكام السود الذين عرفهم التاريخ الإسلامي، كان هذا الحاكم هو كافور الأخشيدي، الذي استحوذ على السلطة في مصر عقب وفاة أستاذه محمد بن طغج الأخشيد، سنة 334هـ.

يبيّن تقي الدين المقريزي، الدور المهم الذي لعبه كافور خلال فترة حكمه. فينقل في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء"، عن بعض الفاطميين قولهم قُبيل استيلائهم على مصر: "إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود، يعنون كافور الإخشيدي".

في القرن الخامس الهجري، ظهرت بعض النساء من أصحاب البشرة السوداء اللاتي لعبن أدواراً مهمة على مسرح الأحداث السياسية في الدولة الفاطمية. كانت السيدة رصد، أشهر تلك النساء على الإطلاق.

ورصد جارية نوبية سوداء اشتراها الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله، وأنجبت له ابنه المستنصر بالله. عُرفت بمشاركتها في سياسة الدولة وشؤون الحكم، ولمّا اعتلى ابنها الصغير كرسي الخلافة زادت تدخلاتها في الدولة، وتعصبت للجند السودانيين وحرضتهم على قتال الجند الأتراك والمغاربة، الأمر الذي انعكس بالسلب على أحوال الخلافة الفاطمية ككل، وكان أحد أسباب تفككها وضعفها لاحقاً.

بقي تأثير العنصر الأسود في الخلافة الفاطمية قائماً حتى اللحظة الأخيرة. يحكي ابن واصل في كتابه "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب"، عن العبد الأسود المعروف باسم مؤتمن الخلافة، الذي كان يحظى بمكانة مهمة في دولة الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله.

اصطدم مؤتمن الخلافة بطموحات الوزير صلاح الدين الأيوبي ونشبت العداوة بين الرجلين، فقام صلاح الدين باغتيال مؤتمن الخلافة. وعلى أثر ذلك نشبت الحرب بين أتباع صلاح الدين والجند السودانيين.

يحكي ابن واصل تفاصيل هذه الحرب، فيقول إنه لمّا قُتل مؤتمن الخلافة "غار السودان عبيد القصر وثاروا، وكانوا يزيدون على خمسين ألفاً، ووقعت الحرب بين الفريقين، واستمر ذلك يومين، وكانت لهم محلة عظيمة على باب زويلة، تعرف بالمنصورة، فأرسل صلاح الدين إليها من أوقع الحريق فيها على أموالهم وأولادهم وحريمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، وركبتهم السيوف، وأخذت عليهم أفواه السكك، فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، فأجيبوا إلى ذلك".

وهكذا، ارتبطت هزيمة الجند السودانيين في تلك المعارك بسقوط الحكم الفاطمي وتأسيس الدولة الأيوبية على يد صلاح الدين يوسف ابن أيوب.

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.
عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.

في خضم توترات متصاعدة في الشرق الأوسط، أثارت تصريحات الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بشأن المسجد الأقصى عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعد تشكيكه في "الوضع القائم" بالحرم، وتعبيره عن تأييد بناء كنيس يهودي في باحاته.

ومثلت دعوة الوزير الإسرائيلي تحديا مباشرا للاتفاقيات والتفاهمات التاريخية التي حكمت لعقود إدارة هذا الموقع الذي يعد محور خلاف رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الأهمية الدينية والسياسية

ويحتل المسجد الأقصى كما يطلق المسلمون أو  "جبل الهيكل" وفق التسمية اليهودية، مكانة فريدة في قلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يحظى برمزية دينية وسياسية كبيرة للجانبين.

ويقع هذا الصرح التاريخي في قلب القدس القديمة، ممتدا على مساحة 14 هكتارا، ويضم في نطاقه المسجد الأقصى وبداخله قبة الصخرة الشهيرة.

وبالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس الأماكن الدينية  بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي، كما يرتبط بأحداث دينية وروحية في وجدان المسلمين حول العالم.

وعلى الجانب اليهودي، تكتسب هذه البقعة أيضا أهمية دينية وتاريخية، حيث أنها موقع وجود هيكلين يهوديين تعرضا للهدم في عامي 586 قبل الميلاد و70 ميلادي على التوالي.

ويعد الحائط الغربي للمسجد، المعروف بحائط المبكى عند اليهود أو البراق لدى المسلمين، أقدس موقع متاح للصلاة في الديانة اليهودية، بينما تحظر السلطة الحاخامية في إسرائيل دخول اليهود إلى باقي أرجاء الموقع باعتباره أرضا مقدسة.

ويطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، كعاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبرها إسرائيل جزءا لا يتجزأ من عاصمتها الموحدة.

ولدى العديد من الدول بعثات دبلوماسية لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي عام 2018، نقلت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب، سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد أن اعترف واشنطن بالمدينة عاصمة لإسرائيل.

يهود يؤدون الصلاة عند الحائظ الغربي في المدينة القديمة بالقدس، أرشيف

"الوضع القائم"

وكانت القدس الشرقية وسائر مدن الضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية قبل حرب يونيو 1967. ومنذ سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية بعد صراع "الستة أيام"، بات المسجد الأقصى تحت إدارة مشتركة بين إسرائيل والأردن، فيما يُعرف بـ"الوضع التاريخي القائم".

ووفق هذا الترتيب، تتولى الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الموقع، بينما تضطلع إسرائيل بمسؤوليات الأمن والوصول إليه.

وبموجب "الوضع القائم"، يمكن للمسلمين الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما تحق لغيرهم زيارته في أوقات محدّدة دون أداء الصلوات والطقوس الدينية فيه.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف عمان على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وتنص معاهدة السلام بين  البلدين، على أن إسرائيل "تحترم الدور الخاص الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس".

ووافقت إسرائيل على أن الإدارة اليومية وتنظيم الزيارة والعبادة في المسجد الأقصى ستظل مسؤولية الأوقاف الأردنية، مع مراعاة الإشراف والوجود الأمني ​​الإسرائيلي.

وتم تأكيد هذا الترتيب لاحقا فيما أصبح يُعرف باسم "تفاهمات كيري" التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، والحكومتين الإسرائيلية والأردنية.

وبحسب المؤسسة البحثية الإسرائيلية "مركز القدس لدراسات الشؤون العامة والسياسية"، فإن تفاهمات كيري اعترفت بالدور الخاص للأردن في القدس كما هو محدد في معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، بما في ذلك دور عمان التاريخي كـ"حارس للأماكن المقدسة الإسلامية" في القدس، وأعادت تأكيد الترتيبات القائمة بشأن الصلاة في المسجد الأقصى، والتي تسمح للمسلمين بالصلاة هناك، فيما يكون مسموحا لغير المسلمين بزيارة الموقع فقط.

القوات الإسرائيلية فرضت قيودا على دخول المصلين إلى المسجد - صورة أرشيفية.

"تحولات الوضع القائم"

وشهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في "الوضع القائم"، بحسب تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، والذي يشير إلى أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ازدادت السيطرة الإسرائيلية على الوصول للموقع، وارتفع عدد الزيارات اليهودية بشكل كبير.

كما يلاحظ التقرير "تراجع" دور الأوقاف الأردنية، مقابل "تزايد" النفوذ الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه رغم استمرار التنسيق الظاهري بين الأوقاف والشرطة الإسرائيلية، تقلصت سلطة الأوقاف.

وقد أدى هذا إلى فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر عدد من الإجراءات مثل تحديد عدد المصلين أو أعمارهم، والتي تقول إسرائيل إن وراءها دوافع أمنية.

وفي المقابل، تسجل زيادة ملحوظة في عدد الزوار اليهود، بما في ذلك من مجموعات كبيرة وشخصيات سياسية بارزة، مع تسجيل رقم قياسي للزوار بلغ 50 ألف  في عام 2022.

وتؤكد دائرة الأوقاف باستمرار أن المسجد بساحاته موقع مسلم فقط، وتندّد بالمحاولات الإسرائيلية "لتهويده". وكذلك، يعتبره الفلسطينيون "مهدّدا".

ويرى الجانبان في الزيارات "استفزازا" لمشاعر المسلمين. بينما يبقى الأكثر إثارة للجدل، ما وصفه المجموعة بـ"التآكل التدريجي" لحظر الصلاة اليهودية في الموقع، حيث أصبحت الصلاة العلنية لليهود "أمرا شبه اعتيادي، في ما يعتبر انتهاكا للوضع القائم".

ويأتي هذا التحول، بحسب المجموعة، في سياق "تسييس متزايد" لقضية جبل الهيكل من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي أصبحت زيارة الموقع والصلاة فيه جزءا أساسيا من أجندته السياسية والدينية.

وضع القدس في أروقة الأمم المتحدة

في 29 نوفمبر 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إدخال قضية القدس رسميا إلى أروقة المنظمة الدولية، من خلال القرار رقم 181، المعروف بـ"قرار التقسيم"، القاضي بإنشاء  "دولة يهودية" و "دولة عربية"، مع اعتبار القدس كيانا متميزا يخضع لنظام دولي خاص.

وكان الهدف من هذا المقترح حماية المصالح الدينية لجميع الأطراف في المدينة المقدسة، في ظل حساسيتها وأهميتها الكبيرة في الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ورفضت الدول العربية الخطوة واندلعت الحرب في 1948، مما أدى إلى تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن، إذ أصبحت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما خضعت القدس الشرقية للسيطرة الأردنية.

واستمر هذا التقسيم حتى حرب 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.  

إسرائيل تعتبر القدس بأكملها، بما فيها القدس الشرقية عاصمة البلاد

وظلت قضية القدس محور اهتمام المجتمع الدولي، وانعكس ذلك في سلسلة متواصلة من القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة.

وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات، بشأن الوضع في القدس، من أبرزها:

ـ القرار 242 عام 1967، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير، ومن ضمنها القدس الشرقية.

ـ ثم القرار 252  الصادر في 21 مايو 1968 ركز بشكل أساسي على الوضع في القدس والإجراءات الإسرائيلية فيها، حيث عبر مجلس الأمن عن رفضه للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، واعتبر هذه الإجراءات غير صالحة، ودعا إسرائيل إلى التراجع عنها.

ـ وفي سبتمبر 1971، دان القرار 298 عدم احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بإجراءاتها لتغيير وضع القدس.

ـ وأكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي "هي إجراءات باطلة أصلا، ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة".

ـ ولاحقا، دانت الأمم المتحدة مرارا قرار إسرائيل في 1980 الذي جعل القدس الشرقية جزءا من "القدس عاصمة إسرائيل".

ـ كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 478 على بطلان إقرار إسرائيل "القانون الأساسي" بشأن القدس  معتبرا إياه انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير وضع القدس، ويدعو المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها. كما يطلب من الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها.

ـ وفي عام 1996، أصدر المجلس القرار رقم 1073، تفاعلا مع الأحداث الدموية التي وقعت في القدس ومناطق أخرى فلسطينية بعد قيام الحكومة الإسرائيلية بفتح مدخل لنفق بالقرب من المسجد الأقصى.

ـ ومن بين القرارات الأخرى المهمة، القرار رقم 1322 لعام 2000، الذي دان زيارة أرييل شارون، للمسجد الأقصى، واصفا الخطوة بـ"الاستفزازية"، والتي أدت إلى اندلاع موجة من العنف في القدس والأراضي الفلسطينية، مؤكدا على ضرورة احترام الأماكن المقدسة.

بدورها، دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات سنوية تؤكد على الوضع الخاص للقدس، وتشدد معظم هذه القرارات على أهمية الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة وحماية حقوق جميع سكانها. ومن ضمن أبرز قراراتها:

ـ القرار رقم 303 لعام 1949، الذي يؤكد على وضع القدس تحت نظام دولي دائم لحماية الأماكن المقدسة، ويدعو إلى إنشاء القدس ككيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة، مع تحديد حدودها لتشمل البلدات والقرى المحيطة.

ـ وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا آخر في 4 يوليو 1967، معبرة عن قلقها العميق إزاء الوضع السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

واعتبر القرار هذه الإجراءات غير صالحة، داعيا إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير المتخذة بالفعل والامتناع فورا عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير وضع القدس.

بدورها، ركزت منظمة اليونسكو عبر سلسلة من القرارات، على الجوانب الثقافية والتراثية للقدس، مسلّطة الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للمدينة القديمة وأسوارها.

وتشدد اليونسكو على ضرورة حماية هذا التراث الإنساني الفريد، غير أن بعض قراراتها أثارت جدلا دبلوماسيا بسبب الصياغة المستخدمة في وصف الأماكن المقدسة، وواجهت انتقادات حادة من إسرائيل واتهامات بـ"عدم الاستقلالية ومحاباة الفلسطينيين".

من جهتها، اعتبرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 "غير قانوني"، ويجب أن ينتهي "في أسرع وقت ممكن"، في قرار وصفه الفلسطينيون بـ "التاريخي"، ورأت إسرائيل أنه "كاذب".

في 31 ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار "رأي استشاري" بشأن "العواقب القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية"، ويتعلق ذلك بالاحتلال الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. 

ورحب مكتب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالقرار "التاريخي" الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، مطالبا بإلزام إسرائيل بتنفيذه"، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وأضاف المكتب أن "قرار المحكمة انتصار للعدالة، إذ أكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي".

في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إن محكمة العدل الدولية اتخذت "قرارا كاذبا".

وأورد في بيان "الشعب اليهودي ليس بمحتل في أرضه - لا في عاصمتنا الأبدية القدس ولا في إرث أجدادنا يهودا والسامرة"، مستعملا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.

وأضاف "لن يحرّف أي قرار كاذب في لاهاي هذه الحقيقة التاريخية، وكذلك لا يمكن الجدال في قانونية المستوطنات الإسرائيلية في كافة أنحاء وطننا".