صورة أرشيفية ملتقطة من فيديو مسجل لنشرة أخبار قدمها غازي فيصل أثناء عمله داخل العراق
صورة أرشيفية ملتقطة من فيديو مسجل لنشرة أخبار قدمها غازي فيصل أثناء عمله داخل العراق

في العاشر من ديسمبر الجاري، تحلّ ذكرى وفاة "شيخ المذيعين العراقيين" غازي فيصل، الذي يُعتبر من أبرز الوجوه في تاريخ الإعلام العراقي. عمل نحو ٤٠ عاماً في تقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية.

عاش فيصل سنواته الأخيرة في مصر، البلد الذي توفي فيه أيضاً إثر سكتة قلبية، وأعيدت جثمانه ليُدفن في مقبرة وادي السلام بمحافظة النجف العراقية. تعتبر هذه المقبرة أكبر مقبرة في العالم.

 

حفيد الثوار

 

غازي فيصل هو حفيد شخيّر الهيمص، أحد قادة "ثورة العشرين" (1920) ضد الاحتلال البريطاني. اعتاد جده استضافة اجتماعات الثوار في منزله. قبض عليه الإنجليز وأودعوه في سجن الحلّة العسكري برفقة عددٍ كبير من رموز الثورة، وهي واقعة خلّدها الشاعر السيد هبة الدين الشهرستاني في قصيدة ذكر فيها أسماء قادة الثورة من ضمنهم "شخير من آل البوسلطان/ ثم الفتى أمين أبو نعمان".

حُكم على الهيمص بالإعدام سنة 1922، فنعته جريدة الوقائع العراقية الرسمية، ثم بعث الملك فيصل عزاءً إلى أخيه الشيخ عبود الذي شارك بدوره في أحداث الثورة، وبعدها بـ20 عاماً قاد أبناء عشيرته لمقارعة الجيش البريطاني فور اندلاع "ثورة الكيلاني" (1941)، بحسب كتاب "ذكريات وخواطر: عن أحداث عراقية في الماضي القريب" لعبود الهيمص.

كثيراً ما عبّر غازي عن سعادته وفخره بجذوره الثورية، معتبراً أن إعدام جده "واحدة من اللحظات التي صنعت مجد أسرته"، كما قال في إحدى المقابلات. وأضاف "أفخر جداً أن جدي وإخوته شاركوا في هذه الثورة الكبرى التي كانت سبباً في أن ينال العراق حُكماً وطنياً".

 

مذيع النشرة الرسمية

 

حسبما روى في حوارٍ له، فإن موهبة فيصل الخطابية ظهرت مبكراً، حتى أن أستاذه في اللغة العربية تنبّأ له بأنه سيُصبح مذيعاً، وكان يشجّعه بِاستمرار على الانضمام إلى مهرجانات الخطابة خلال المرحلة الإعدادية، حيث حقّق المرتبة الأولى في أغلب المسابقات.

بعد اتمامه دراسته عام 1965، تقدّم فيصل بطلبٍ إلى هيئة إذاعة بغداد للعمل كمذيع، فخضع لاختبارٍ ترأسه أستاذ اللغة الشهير مصطفى جواد، الذي وافق على إلحاقه بفريق المذيعين. حينها كانت الإذاعة العراقية تعجُّ بعددٍ كبير من المذيعين الأكفاء، مثل سعاد الهرمزي ومحمد علي كريم وحافظ القباني وإبراهيم الزبيدي، وغيرهم.

في بداية رحلته الإذاعية عمل تحت إشراف المذيع الراحل سليم المعروف، ولم يُطلّ حينذاك إلا بنشراتٍ بسيطة يقول فيها عبارات موجزة، حتى وقع حدثٍاً طارئاً اعتذر بموجبه المذيع الرئيس عبداللطيف السعدون، فاضطر المعروف إلى تكليف فيصل بالأمر.

عقب نجاحه في أداء النشرة اعتمد في مهام أكثر صعوبة. عزا فيصل الفضل في رفع كفاءته إلى بيئة العمل داخل المؤسسة الإعلامية العراقية، التي لم تكتفِ فقط بإعداد "مذيعيين" بل "إذاعيين" شاملين، ليسوا قادرين فقط على قراءة الأخبار ولكن كتابتها وتحريرها وإعدادها وإخراجها إذاعياً، وفق تعبيره.

من "راديو بغداد"، انتقل فيصل إلى "تلفزيون العراق" عام 1966، وكان يترأّسه الإعلامي أنور السامرائي.

بدأ بقراءة نشرات الأخبار، ثم صار من الوجوه الإعلامية الناطقة بلسان نظام صدام حسين، خاصةً مع إطلالاته الشهيرة على التلفزيون الرسمي ليُلقي آخر أنباء العمليات القتالية مع إيران ثم مع الكويت لاحقاً.

في كتابه "شاي وخبز"، علّق الروائي العراقي خضير الزيدي على طريقة اختيار مذيعي التلفزيون العراقي خلال حقبة صدام حسين، قائلاً: "نشرة الأخبار الرئيسية تمرُّ عبر آلية معقدة للموافقة السياسية لتقديم ما يُوجب تقديمه من الزيارات (الميمونة)".

"ومذيع الأخبار تم اختياره وفق التوجه (الثوري المرعب) بشاربه الكث وصوته الجهوري وقسمات وجهه القاسية، إنه فصل من الرعب العراقي. من رشدي عبد الصاحب إلى غازي فيصل"، أضاف الزيدي.

لم يقتصر دور فيصل على إلقاء النشرات الإخبارية، فكثيراً ما كان يقوم بالسفر إلى الدول العربية لتغطية مؤتمرات القمة ونقل مراسم الحج وإجراء مقابلات مع بعض القادة مثلما فعل مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

كما شغل عدة مناصب إدارية رفيعة في هيئة التلفزيون وترأّس أقسامٍ شتى داخل التلفزيون والإذاعة، فعُيّن مديراً لإذاعة بغداد وإذاعة "صوت الجماهير" ثم مديراً للإذاعات الدولية.

 

مغادرة العراق

 

فور سقوط نظام صدام حسين، اقتحم عدد من المحتجين مبنى الإذاعة وأحرقوا بعضاً من أرشيفها بما حوته من تاريخ شخصي لغازي فيصل، لذا اعتبرها واحدةً من اللحظات المؤلمة في حياته.

في عام 2006 قرّر فيصل الرحيل عن العراق بسبب تردّي الأوضاع الأمنية (بداية الحرب الطائفية) مغادراً صوب مصر. 

ورغم الغياب، استمر تواجده على الساحة الإعلامية العراقية. يقول إحسان السامرائي في كتابه "الفضائيات الإخبارية: دورها في توجيه الرأي العام سياسياً"، إنه التقى بفيصل عام 2013 حين كان يعمل مديراً لبرامج قناة "البغدادية"، التي بدأ بثّها في سبتمبر 2005 بتمويلٍ من رجل الأعمال العراقي عون حسين الخشلوك.

وكشف فيصل للسامرائي، أن القناة يعمل بها قرابة 450 فرداً، يتوزعون في مكاتب "البغدادية" المنتشرة داخل بريطانيا ومصر والأردن وسوريا والعراق وعددٍ من الدول الإسكندنافية.

بعد انتهاء تجربته في هذه القناة لم يلتحق بمؤسسة إعلامية أخرى، لكنه لم يبتعد كثيراً عن العراق وأخباره بعدما ظهر عدة مرات كمُحللٍ في محطات تلفزيونية مصرية للتعليق على أحداث خاصة بالشأن العراقي، أو في محطات عراقية يعبّر فيها عن مدى اشتياقه إلى أرض الوطن.

قال  فيصل في إحدى هذه اللقاءات "أنا بغداد، فهي تسري في دمي وشراييني ولا يمكن إلا أن تعيش معي".

في 10 ديسمبر 2021، تعرّض فيصل لسكتة قلبية، نقل على إثرها  لإحدى مستشفيات القاهرة، وتوفي هناك، عن عُمر 76 عاماً.

نُقل جثمان فيصل إلى بغداد ليُدفن في ترابها حسب وصيته، ليحظى في بلده بجنازة مؤثرة شهدت حضوراً بارزاً رُفعت فيه لافتات قالت "وداعاً أبا علي.. شيخ المذيعين".

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.