"مرقد حزقيال" في مدينة الكفل التابعة لمحافظة بابل- تعبيرية
"امرأة عراقية مسلمة في "مرقد حزقيال" في مدينة الكفل التابعة لمحافظة بابل- تعبيرية

كان الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي من أشهر الرحالة في القرن الثاني عشر الميلادي، وكانت من بين رحلاته، العراق، حيث تجوّل بين مدنه العامرة، وترك لنا وصفاً ممتعاً لأهم المعالم العمرانية والحضارية، كما رسم صورة واضحة للتعايش الآمن بين اليهود والمسلمين في بلاد الرافدين.

على الرغم من الشهرة الواسعة لهذه الرحلة، إلا أن الغموض يحفّ بعض أركانها، في ما يتعلق بزمان حدوثها بالضبط والرحّالة نفسه.

بعض الباحثين قال إن "التطيلي كان حبراً يهودياً من مدينة تطيلة القشتالية (حالياً في شمال إسبانيا)، وقام برحلته موفداً من الهيئات اليهودية في إسبانيا للاطلاع على أحوال يهود الشرق". في وقت يرجّح آخرون أنه كان تاجراً؛ بدليل اهتمامه الكبير بوصف الشؤون الاقتصادية التي عاينها في وُجهاته.

وعن التوقيت، ذهب باحثون إلى أن الرحلة بدأت عام 1165، بناء على المعلومات الواردة في كتاب التطيلي عن رحلته، التي تقول إنه خرج أولاً من تطيلة الواقعة في مملكة قشتالة القديمة، قاصداً برشلونة على شواطئ إسبانيا الشمالية الشرقية، ثم تحرك باتجاه سواحل فرنسا الجنوبية، وبعدها اتجه شرقاً نحو الجمهوريتين البحريتين في إيطاليا (جنوا وبيزا)، وزار روما ثم توجه شرقاً حتى بلغ القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

بعد ذلك، سافر التطيلي إلى البلدان الإسلامية، فوصل فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وأجزاء من تركيا الحالية وإيران، حتى وصل إلى حدود الهند.

وفي رحلة العودة إلى بلاده، مرّ التطيلي بالسودان واليمن ومصر، وفي سنة 1173، وصل إسبانيا بعد 8 سنوات من الترحال.

انصب اهتمام الكثير من الباحثين على رحلته، كونها وقعت في فترة زمنية حرجة إلى حد بعيد، حيث كانت الدولة الموحدية المسلمة تخوض معركة شرسة ضد الممالك المسيحية في الأندلس. في الوقت ذاته، كان الصليبيون الذين جاؤوا من مختلف أنحاء أوروبا يقاتلون المسلمين المشرقيين في بلاد الشام.

وتالياً، أبرز ما ورد في كتاب التطيلي عن مدن العراق: الموصل وبغداد، وبابل، والكوفة، والبصرة.

صورة لكتاب التطيلي الخاص برحلته حول العالم، النسخة المترجمة للإنجليزية
صورة لغلاف كتاب رحلة التطيلي، النسخة المترجمة للعربية

الموصل: واسعة الأرجاء

كانت مدينة الموصل شمال العراق، محطة وصول التطيلي الأولى من بلاد الشام. وبالحديث عنها في كتابه، ربط بين ما رآه وما قرأه في أسفار العهد القديم (التوراة).

لذلك نجده يصف الموصل بأنها "بلدة آشور الكبرى الواردة في التوراة"، وعن عمرانها يكتب "مدينة واسعة الأرجاء، قديمة البنيان".

وذكر أن 700 يهودي كانوا يعيشون في الموصل آنذاك، بعضهم وصل مكانة مرتفعة في الدولة، بدليل أن أحدهم كان الفلكي الخاص المُعين ببلاط حاكم المدينة.

 

بغداد: الرياض والحقول

المحطة الثانية، كانت بغداد، التي نالت إعجابه جداً، بسبب مظاهر الحضارة والتمدّن والعمران، فأسماها "المدينة الكبرى".

كتب التطيلي: "تمتد حولها (بغداد) الرياض والحقول وبساتين النخيل مما لا مثيل له في جميع العراق. ولها تجارة واسعة، يقصدها التجار من جميع أقطار العالم للبيع والشراء. وفي بغداد عدد كبير من العلماء الفلاسفة والمتفننين في جميع العلوم والمعارف والسحريات...".

وأبدى إعجابه بالأبنية العظيمة القائمة في بغداد، كقوله واصفاً البيمارستان (المستشفى) الذي يقع على الجانب الغربي من المدينة، إنه "مجموعة من البنايات الواسعة، يأوي إليها المعوزون من المرضى رغبة في الشفاء. ولهذا البيمارستان قوامون من الأطباء يبلغ عددهم ستين طبيباً، يعالجون المرضى ويطبخون لهم الأدوية. والخليفة يجهزهم بما يحتاجون إليه من بيت المال...".

أيضاً، اهتم الرحالة اليهودي بوصف القصور العباسية العظيمة التي شاهدها في عاصمة الخلافة، أحدها كما كتب عنه: "واسع الأرجاء، تنوف استدارته على ثلاثة أميال. تتوسطه روضة غناء فيها أشجار مثمرة وغير مثمرة من كل صنف، وفيها من الحيوان ضروب كثيرة، وفي الروضة أيضاً بحيرة واسعة يأتيها الماء من دجلة يخرج إليها الخليفة للصيد والنزهة، وقد جمعت فيها أصناف الطير والسمك لرياضة الملك ووزرائه ورجال بطانته وضيوفه...".

ويسهب التطيلي في وصف عظمة وروعة هذا القصر: "وفي قصر الخلافة من الأبنية ما يحير العقول، ففيه الرخام والأساطين المزوقة بالذهب المزينة بالحجارة النادرة المنقوشة تكسو الحيطان. وفي القصر كنوز وافرة وخزائن طافحة بالذهب وثياب الحرير والجواهر الكريمة".

من جهة أخرى، أظهر التطيلي معرفة واسعة بالأوضاع السياسية السائدة في البلاد الإسلامية، وبدا واضحا عندما تحدث عن منصب الخلافة، فقال إن "الخليفة العباسي من آل بيت نبي المسلمين، وهو إمام الدين الإسلامي، يدين له بالطاعة ملوك المسلمين قاطبة. فهو عندهم بمقام البابا عند النصارى".

وأبدى إعجاباً واضحاً بالخليفة العباسي المستنجد بالله، فكتب أنه "على جانب عظيم من الصلاح والتقوى يأكل من تعب كفيه... وهو موصوف بالتقوى والصدق والاستقامة وطلب الخير لجميع رعيته".

بعد ذلك عمل التطيلي على رسم صورة واضحة للأوضاع المتميزة التي عاش فيها اليهود في العراق. تحدث أولاً عن العلاقة الطيبة التي تجمع الخليفة بعلماء اليهود، فقال إن "المستنجد بالله حسن المعاملة لليهود، وفي حاشيته عدد منهم. وهو عليم بمختلف اللغات، عارف بتوراة موسى، يحسن اللغة العبرية قراءة وكتابة".

ثم بدأ في الحديث عن أحوال الشعب اليهودي، فقال "يقيم ببغداد نحو أربعين ألف يهودي وهم يعيشون بأمان وعز ورفاهة في ظل أمير المؤمنين الخليفة، بينهم عدد من كبار العلماء وعلماء الدين. ولهم في بغداد عشر مدارس مهمة".

وذكر بعدها أسماء رؤساء المدراس العشر وأنسابهم، ثم تحدث عن عملهم في رعاية مصالح الشعب اليهودي "وهؤلاء الأساتذة العشرة يعرفون بالمعتكفين لا عمل لهم غير النظر في مصالح أبناء طائفتهم. ويقضون بين الناس طول أيام الأسبوع، كل في مدرسته، خلا نهار الاثنين حيث يجتمعون في مجلس كبيرهم للنظر في شؤون الناس مجتمعين".

بعد ذلك خصص التطيلي جزءاً من كتابه للحديث عن "رأس الجالوت"، وهو أكبر المناصب الدينية التي عرفها اليهود العراقيون في العصور الوسطى، فقال إن "الرابي دانيال بن حسداي كان يشغل هذا المنصب في وقت زيارته لبغداد. يناديه المسلمون بـ(سيدنا ابن داود) لأنه كان يمتلك وثيقة تثبت انتهاء نسبه إلى الملك داود". 

وتحدث التطيلي عن كيفية تعيين "رأس الجالوت"، فقال إنه "كان يستمد سلطانه -بالأساس- من تعيين الخليفة له. وأن هذا المنصب كان ينتقل بالوراثة في أبنائه بعد وفاته، فعند نصب الرئيس يمنحه الخليفة ختم الرئاسة على أبناء ملته كافة. وتقضي التقاليد المرعية بين اليهود والمسلمين وسائر أبناء الرعية بالنهوض أمام رأس الجالوت وتحيته عند مروره بهم. ومن خالف ذلك عوقب بضربه مئة جلدة".

في السياق نفسه، وصف النفوذ العظيم الذي حظي به "رأس الجالوت" داخل العراق وخارجه. من جهة، كان صاحب هذا المنصب "يمتلك العقارات الواسعة والمزارع والبساتين في جميع أنحاء العراق، أكثرها مما ورثه عن أجداده. وأملاكه هذه مصونة، ليس من حق أحد أن ينتزعها منه. وله إيراد سنوي عظيم من الفنادق والأسواق والمتاجر...".

ومن جهة أخرى، كان نفوذ "رأس الجالوت" يسري على جميع طوائف اليهود المنتشرة في العراق واليمن والجزيرة وأرمينيا وبلاد التركمان وآسيا الوسطى وروسيا والهند، بحسب ما ورد في الكتاب،  "هذه الأقطار كلها لا يُعين الرابيون إلا بمعرفة رأس الجالوت، وهم يشخصون إلى بغداد بعد نصبهم لمقابلة الرئيس، ويحملون إليه الهدايا والعطايا من أقصى المعمورة...".

ظهرت آثار تلك الثروات في كنيس "رأس الجالوت"، الذي كان أحد أعظم الأبنية الدينية القائمة في العراق، وصف التطيلي الكنيس بأنه "بناء جسيم، فيه الأساطين الرخام المنقوشة بالأصباغ الزاهية المزوقة بالفضة والذهب. وتزدان رؤوس الأساطين بكتابات من المزامير بحروف من ذهب. وفي صدر الكنيسة مصطبة يصعد إليها بعشر درجات من رخام، وفوقها الأريكة المخصصة لرأس الجالوت أمير آل داود...".

 

بابل: الأطلال

في بابل وما جاورها من المدن، ذكر بنيامين التطيلي، أن قرابة 20 ألف يهودي كانوا يعيشون هناك، أغلبيتهم تقيم حول معبد مشهور منسوب للنبي دانيال. أما بابل نفسها فإنها "تحولت إلى خرائب. ولم يبق منها إلا الأطلال والآثار القديمة".

من تلك الآثار، تحدث عن قصر الملك البابلي الشهير نبوخذ نصر، فقال إن "الناس تخاف الولوج فيه لكثرة ما به من عقارب وأفاع".

وروى التطيلي أيضاً عن "مرقد حزقيال" المُقام على شاطئ نهر الفرات "وهو بناء جسيم يحتوي على ستين صومعة، لكل منها برج. ويتوسط أكبر هذه الصوامع منبر، خلفه مرقد النبي حزقيال... وتعلوه قبة كبيرة هي آية في حسن الإنشاء".

وذكر أن اليهود يعظّمون هذا المقام، ويحجّون إليه كل سنة، فتُقام الأفراح والمهرجانات، وتضطر الجموع الغفيرة إلى الإقامة في العراء، ويقيم الأعراب في هذا الموسم سوقاً عظيمة يبيعون فيها مختلف أنواع السلع.

بحسب التطيلي، كان الكثير من المسلمين يزورون هذا المقام، ويقيمون فيه الصلاة، مؤكداً على "احترام المسلمين للمقدسات اليهودية" عند حديثه عن بعض القبور اليهودية الموجودة بجوار "مرقد "حزقيال"، فقال إن "القبور تحظى بتعظيم كافة أهل العراق على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، فهذه الأبنية كلها محافظ عليها من اليهود والمسلمين. لا يمسّها أحد بضرر حتى في أيام الحروب".

 

الكوفة والبصرة: معابد اليهود

وصل التطيلي محطته الأخيرة في العراق. الكوفة والبصرة. وجد في الكوفة سبعة آلاف يهودي يعيشون "بأمان وسلام، ولديهم العديد من المعابد التي يقيمون فيها شعائر دينهم، منها كنيس عظيم بالقرب من الكوفة، وسبب عظمته أن اليهود اعتقدوا أن آباءهم جلبوا حجارته وترابه من القدس".

لم ينس التطيلي أن يتحدث عن مرقد الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة، فذكر أن المسلمين يحجّون إليه للزيارة والتبرك.

في البصرة، وجد "نحو عشرة آلاف يهودي بينهم العلماء والعظماء"، وقال التطيلي إن "المقام المنسوب لعزرا الكاتب، يقع بالقرب منها، وقد حظي بأهمية كبيرة في العراق، إذ يأتيه المسلمون فيقيمون الصلاة فيه. وكذلك اليهود، وهم على صفاء وولاء في ما بينهم".

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.
عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.

في خضم توترات متصاعدة في الشرق الأوسط، أثارت تصريحات الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بشأن المسجد الأقصى عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعد تشكيكه في "الوضع القائم" بالحرم، وتعبيره عن تأييد بناء كنيس يهودي في باحاته.

ومثلت دعوة الوزير الإسرائيلي تحديا مباشرا للاتفاقيات والتفاهمات التاريخية التي حكمت لعقود إدارة هذا الموقع الذي يعد محور خلاف رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الأهمية الدينية والسياسية

ويحتل المسجد الأقصى كما يطلق المسلمون أو  "جبل الهيكل" وفق التسمية اليهودية، مكانة فريدة في قلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يحظى برمزية دينية وسياسية كبيرة للجانبين.

ويقع هذا الصرح التاريخي في قلب القدس القديمة، ممتدا على مساحة 14 هكتارا، ويضم في نطاقه المسجد الأقصى وبداخله قبة الصخرة الشهيرة.

وبالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس الأماكن الدينية  بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي، كما يرتبط بأحداث دينية وروحية في وجدان المسلمين حول العالم.

وعلى الجانب اليهودي، تكتسب هذه البقعة أيضا أهمية دينية وتاريخية، حيث أنها موقع وجود هيكلين يهوديين تعرضا للهدم في عامي 586 قبل الميلاد و70 ميلادي على التوالي.

ويعد الحائط الغربي للمسجد، المعروف بحائط المبكى عند اليهود أو البراق لدى المسلمين، أقدس موقع متاح للصلاة في الديانة اليهودية، بينما تحظر السلطة الحاخامية في إسرائيل دخول اليهود إلى باقي أرجاء الموقع باعتباره أرضا مقدسة.

ويطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، كعاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبرها إسرائيل جزءا لا يتجزأ من عاصمتها الموحدة.

ولدى العديد من الدول بعثات دبلوماسية لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي عام 2018، نقلت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب، سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد أن اعترف واشنطن بالمدينة عاصمة لإسرائيل.

يهود يؤدون الصلاة عند الحائظ الغربي في المدينة القديمة بالقدس، أرشيف

"الوضع القائم"

وكانت القدس الشرقية وسائر مدن الضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية قبل حرب يونيو 1967. ومنذ سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية بعد صراع "الستة أيام"، بات المسجد الأقصى تحت إدارة مشتركة بين إسرائيل والأردن، فيما يُعرف بـ"الوضع التاريخي القائم".

ووفق هذا الترتيب، تتولى الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الموقع، بينما تضطلع إسرائيل بمسؤوليات الأمن والوصول إليه.

وبموجب "الوضع القائم"، يمكن للمسلمين الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما تحق لغيرهم زيارته في أوقات محدّدة دون أداء الصلوات والطقوس الدينية فيه.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف عمان على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وتنص معاهدة السلام بين  البلدين، على أن إسرائيل "تحترم الدور الخاص الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس".

ووافقت إسرائيل على أن الإدارة اليومية وتنظيم الزيارة والعبادة في المسجد الأقصى ستظل مسؤولية الأوقاف الأردنية، مع مراعاة الإشراف والوجود الأمني ​​الإسرائيلي.

وتم تأكيد هذا الترتيب لاحقا فيما أصبح يُعرف باسم "تفاهمات كيري" التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، والحكومتين الإسرائيلية والأردنية.

وبحسب المؤسسة البحثية الإسرائيلية "مركز القدس لدراسات الشؤون العامة والسياسية"، فإن تفاهمات كيري اعترفت بالدور الخاص للأردن في القدس كما هو محدد في معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، بما في ذلك دور عمان التاريخي كـ"حارس للأماكن المقدسة الإسلامية" في القدس، وأعادت تأكيد الترتيبات القائمة بشأن الصلاة في المسجد الأقصى، والتي تسمح للمسلمين بالصلاة هناك، فيما يكون مسموحا لغير المسلمين بزيارة الموقع فقط.

القوات الإسرائيلية فرضت قيودا على دخول المصلين إلى المسجد - صورة أرشيفية.

"تحولات الوضع القائم"

وشهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في "الوضع القائم"، بحسب تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، والذي يشير إلى أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ازدادت السيطرة الإسرائيلية على الوصول للموقع، وارتفع عدد الزيارات اليهودية بشكل كبير.

كما يلاحظ التقرير "تراجع" دور الأوقاف الأردنية، مقابل "تزايد" النفوذ الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه رغم استمرار التنسيق الظاهري بين الأوقاف والشرطة الإسرائيلية، تقلصت سلطة الأوقاف.

وقد أدى هذا إلى فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر عدد من الإجراءات مثل تحديد عدد المصلين أو أعمارهم، والتي تقول إسرائيل إن وراءها دوافع أمنية.

وفي المقابل، تسجل زيادة ملحوظة في عدد الزوار اليهود، بما في ذلك من مجموعات كبيرة وشخصيات سياسية بارزة، مع تسجيل رقم قياسي للزوار بلغ 50 ألف  في عام 2022.

وتؤكد دائرة الأوقاف باستمرار أن المسجد بساحاته موقع مسلم فقط، وتندّد بالمحاولات الإسرائيلية "لتهويده". وكذلك، يعتبره الفلسطينيون "مهدّدا".

ويرى الجانبان في الزيارات "استفزازا" لمشاعر المسلمين. بينما يبقى الأكثر إثارة للجدل، ما وصفه المجموعة بـ"التآكل التدريجي" لحظر الصلاة اليهودية في الموقع، حيث أصبحت الصلاة العلنية لليهود "أمرا شبه اعتيادي، في ما يعتبر انتهاكا للوضع القائم".

ويأتي هذا التحول، بحسب المجموعة، في سياق "تسييس متزايد" لقضية جبل الهيكل من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي أصبحت زيارة الموقع والصلاة فيه جزءا أساسيا من أجندته السياسية والدينية.

وضع القدس في أروقة الأمم المتحدة

في 29 نوفمبر 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إدخال قضية القدس رسميا إلى أروقة المنظمة الدولية، من خلال القرار رقم 181، المعروف بـ"قرار التقسيم"، القاضي بإنشاء  "دولة يهودية" و "دولة عربية"، مع اعتبار القدس كيانا متميزا يخضع لنظام دولي خاص.

وكان الهدف من هذا المقترح حماية المصالح الدينية لجميع الأطراف في المدينة المقدسة، في ظل حساسيتها وأهميتها الكبيرة في الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ورفضت الدول العربية الخطوة واندلعت الحرب في 1948، مما أدى إلى تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن، إذ أصبحت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما خضعت القدس الشرقية للسيطرة الأردنية.

واستمر هذا التقسيم حتى حرب 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.  

إسرائيل تعتبر القدس بأكملها، بما فيها القدس الشرقية عاصمة البلاد

وظلت قضية القدس محور اهتمام المجتمع الدولي، وانعكس ذلك في سلسلة متواصلة من القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة.

وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات، بشأن الوضع في القدس، من أبرزها:

ـ القرار 242 عام 1967، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير، ومن ضمنها القدس الشرقية.

ـ ثم القرار 252  الصادر في 21 مايو 1968 ركز بشكل أساسي على الوضع في القدس والإجراءات الإسرائيلية فيها، حيث عبر مجلس الأمن عن رفضه للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، واعتبر هذه الإجراءات غير صالحة، ودعا إسرائيل إلى التراجع عنها.

ـ وفي سبتمبر 1971، دان القرار 298 عدم احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بإجراءاتها لتغيير وضع القدس.

ـ وأكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي "هي إجراءات باطلة أصلا، ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة".

ـ ولاحقا، دانت الأمم المتحدة مرارا قرار إسرائيل في 1980 الذي جعل القدس الشرقية جزءا من "القدس عاصمة إسرائيل".

ـ كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 478 على بطلان إقرار إسرائيل "القانون الأساسي" بشأن القدس  معتبرا إياه انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير وضع القدس، ويدعو المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها. كما يطلب من الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها.

ـ وفي عام 1996، أصدر المجلس القرار رقم 1073، تفاعلا مع الأحداث الدموية التي وقعت في القدس ومناطق أخرى فلسطينية بعد قيام الحكومة الإسرائيلية بفتح مدخل لنفق بالقرب من المسجد الأقصى.

ـ ومن بين القرارات الأخرى المهمة، القرار رقم 1322 لعام 2000، الذي دان زيارة أرييل شارون، للمسجد الأقصى، واصفا الخطوة بـ"الاستفزازية"، والتي أدت إلى اندلاع موجة من العنف في القدس والأراضي الفلسطينية، مؤكدا على ضرورة احترام الأماكن المقدسة.

بدورها، دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات سنوية تؤكد على الوضع الخاص للقدس، وتشدد معظم هذه القرارات على أهمية الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة وحماية حقوق جميع سكانها. ومن ضمن أبرز قراراتها:

ـ القرار رقم 303 لعام 1949، الذي يؤكد على وضع القدس تحت نظام دولي دائم لحماية الأماكن المقدسة، ويدعو إلى إنشاء القدس ككيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة، مع تحديد حدودها لتشمل البلدات والقرى المحيطة.

ـ وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا آخر في 4 يوليو 1967، معبرة عن قلقها العميق إزاء الوضع السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

واعتبر القرار هذه الإجراءات غير صالحة، داعيا إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير المتخذة بالفعل والامتناع فورا عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير وضع القدس.

بدورها، ركزت منظمة اليونسكو عبر سلسلة من القرارات، على الجوانب الثقافية والتراثية للقدس، مسلّطة الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للمدينة القديمة وأسوارها.

وتشدد اليونسكو على ضرورة حماية هذا التراث الإنساني الفريد، غير أن بعض قراراتها أثارت جدلا دبلوماسيا بسبب الصياغة المستخدمة في وصف الأماكن المقدسة، وواجهت انتقادات حادة من إسرائيل واتهامات بـ"عدم الاستقلالية ومحاباة الفلسطينيين".

من جهتها، اعتبرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 "غير قانوني"، ويجب أن ينتهي "في أسرع وقت ممكن"، في قرار وصفه الفلسطينيون بـ "التاريخي"، ورأت إسرائيل أنه "كاذب".

في 31 ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار "رأي استشاري" بشأن "العواقب القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية"، ويتعلق ذلك بالاحتلال الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. 

ورحب مكتب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالقرار "التاريخي" الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، مطالبا بإلزام إسرائيل بتنفيذه"، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وأضاف المكتب أن "قرار المحكمة انتصار للعدالة، إذ أكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي".

في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إن محكمة العدل الدولية اتخذت "قرارا كاذبا".

وأورد في بيان "الشعب اليهودي ليس بمحتل في أرضه - لا في عاصمتنا الأبدية القدس ولا في إرث أجدادنا يهودا والسامرة"، مستعملا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.

وأضاف "لن يحرّف أي قرار كاذب في لاهاي هذه الحقيقة التاريخية، وكذلك لا يمكن الجدال في قانونية المستوطنات الإسرائيلية في كافة أنحاء وطننا".