مسجد الحاكم بأمر الله في مصر، من آثار الدولة الفاطمية، ذكر أحد حكامها في المقال- تعبيرية
مسجد الحاكم بأمر الله في مصر، من آثار الدولة الفاطمية، ذكر أحد حكامها في المقال- تعبيرية

يشهد شهر ديسمبر العديد من المناسبات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، منها اليوم الدولي لإلغاء الرق، وهو اليوم الذي تؤكد فيه منظمات حقوقية تضامنها مع ضحايا الرق، والضغط على الحكومات للحد منه.

في هذا المقال، نتذكر أبرز الحكام المسلمين، الذين كانوا بالأساس عبيداً ومملوكين، وصلوا إلى البلاد الإسلامية بعد اختطافهم وبيعهم في أسواق الرقيق، لكنهم سرعان ما أظهروا مهاراتهم العسكرية والإستراتيجية في إدارة الدول.

 

كافور الإخشيدي

ولد كافور في بلاد الحبشة عام 292 هجرية، واُختطف من أسرته في سن صغيرة، ثم بيع لبعض الأثرياء في مصر، فتنقل بينهم حتى وصل إلى يد حاكم مصر، محمد بن طغج الإخشيد.

لعب كافور دوراً مهماً في إدارة دولة الإخشيد. وفي سنة 334 هـ، استحوذ على السلطة بشكل كامل عقب وفاة أستاذه، فأحسن إدارة شؤون البلاد، وضبط أحوالها الداخلية، كما وقف كحائط صد منيع أمام هجمات الفاطميين على مصر.

في ذلك، نقل المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء" عن بعض الفاطميين قولهم قُبيل استيلائهم على مصر: "إذا زال الحجر الأسود مَلك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي...".

في سنة 357 هـ، توفي كافور بعد أن قضى نحو 23 عاماً في حكم مصر.

 

فائق الصقلبي، وجوذر الصقلبي

عرفت بلاد الأندلس العبيد الصقالبة في العصور الوسطى، الذين كانوا من السّلاف (مجموعة عرقية أوروبية) اختطفهم الجرمان من بلاد الفرنجة وحوض الدانوب وبلاد اللومبارد.

وكان من المعتاد أن يُباعوا في بلاد الأندلس تحديداً، حيث يُقبل الحكام الأمويون على شرائهم ليقوموا بالعديد من الأعمال العسكرية والإدارية.

لعب الصقالبة أدواراً مهمة في تاريخ الأندلس، وتمكن بعضهم من الوصول لأرفع الدرجات، كان منهم فائق وجوذر، زعيما الصقالبة في عهد الخليفة الحكم المستنصر في القرن الرابع الهجري. 

سيطر الرجلان على قصر الخلافة في قرطبة، وكادا أن يغيّرا من مسار الأحداث في الدولة عقب وفاة الحكم المستنصر، حيث دبرا مؤامرة لخلع ولي العهد الشرعي، هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر، وعزما على مبايعة أحد إخوة الخليفة الراحل.

كادت الخطة أن تنجح، لولا أن قام الوزير محمد بن أبي عامر بكشف المؤامرة، فقبض على فائق وجوذر وعزلهما من منصبيهما،  وتخلص من قوة الصقالبة في الجيش والقصر.

بدر الجمالي

ولد بدر الجمالي في أرمينيا لأسرة مسيحية في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، واُختطف في صغره من قِبل بعض اللصوص ليُباع في أسواق الشام، وانتقل من يد ليد حتى وصل إلى جمال الدولة بن عمار، وهو أحد أمراء الشام التابعين للدولة الفاطمية. ومنذ ذلك الوقت نُسب بدر لابن عمار، فصار يُعرف بالجمالي.

تربى على التقاليد الإسلامية منذ صغره، فنسي أصوله المسيحية، وتدرب على أداء المهام العسكرية حتى أصبح من الفرسان المهمين في الدولة. بعدها تقلد عدة ولايات في كل من دمشق وعكا.

ظهرت أهمية الجمالي أثناء وقوع الشدة المستنصرية في مصر أواسط القرن الخامس الهجري، إذ عانى المصريون في تلك الفترة من الفتن والحروب الداخلية وغلاء الأسعار، واختار الخليفة المستنصر بالله بدراً ليوليه الوزارة، فاستدعاه من عكا وتنازل له عن الكثير من السلطات بهدف الخروج من الأزمة.

استغل الجمالي الفرصة على الوجه الأمثل، فأجرى العديد من الإصلاحات الاقتصادية المهمة، ما أدى  إلى تبدل شكل الدولة الفاطمية. ظهر ذلك في استحداث تغيير خطير في نظام تعيين الوزراء في الدولة، إذ كان من المعتاد أن يُعينوا من رجال القلم والأدب، وكان دور الوزير يقتصر على تنفيذ أوامر الخليفة الفاطمي فقط، لكن منذ بداية عهد الجمالي حتى نهاية الدولة الفاطمية، اختير الوزراء من أرباب السيف والحرب، وأصبح الوزير هو صاحب السلطان الحقيقي في مصر، أما الخليفة فلم تكن له أي سلطة فعلية.

 

بهاء الدين قراقوش

ولد بهاء الدين قراقوش في ناحية من نواحي آسيا الصغرى، ثم اُختطف وبيع كعبد في أسواق الشام والعراق في بدايات القرن السادس الهجري، بعد أن تم إخصاؤهما. جرت العادة مع الكثير من العبيد البيض الذين جندوا في تلك الفترة.

بيع قراقوش إلى الأمير الكردي أسد الدين شيركوه بن شادي، الذي كان أحد قادة جيش حاكم الموصل عماد الدين زنكي. تسبب ذلك في التحاق قراقوش بالجيش، وفي تدريبه على المهارات والفنون القتالية منذ فترة مبكرة من حياته.

في ستينيات القرن السادس الهجري، رافق قراقوش أستاذه في حملته على مصر. وبعد وفاة شيركوه، صار قراقوش مساعداً وتابعاً للوزير الجديد صلاح الدين يوسف بن أيوب، ابن أخ شيركوه.

قام صلاح الدين بتعيين قراقوش في منصب متولي القصر الفاطمي، فصار عين صلاح الدين على الخليفة الفاطمي وأهل بيته.

في 567 هـ أسقط صلاح الدين الخلافة الفاطمية، وكلف قراقوش بالتحفظ على أفراد البيت الفاطمي. وبعد استتباب السلطة الأيوبية في مصر، نفذ قراقوش مجموعة من المشاريع العمرانية المهمة، كبناء سور حول القاهرة، وتشييد قلعة الجبل، لتصبح مركزاً للدفاع عن العاصمة.

كذلك تولى قراقوش نيابة السلطنة في الأوقات التي كان صلاح الدين يخرج فيها لقتال الصليبيين في بلاد الشام. من جهة أخرى، قاد قراقوش بعض الحملات العسكرية، منها حملته سنة 571 هـ على برقة الواقعة غرب مصر، حيث تمكن من التوغل داخل البلاد الليبية، وتوسيع رقعة السلطة الأيوبية، بحسب ما تذكر الباحثة حياة محمد محمود في أطروحتها "التأثيرات السياسية والحضارية المصرية على بلاد المغرب في العصرين الفاطمي والأيوبي".

سيف الدين قطز

ولد قطز في بدايات القرن السابع الهجري، في منطقة خوارزم الواقعة في آسيا الوسطى. وقيل إنه "ينحدر من عائلة خوارزم شاه مؤسس الدولة الخوارزمية التي انهارت على يد المغول في تلك الفترة"، كما ذكرت بعض الروايات أن اسمه الأصلي هو محمود بن ممدود.

اُختطف محمود في طفولته على يد بعض النخاسين المغول، وأطلق عليه اسم قطز وبيع في دمشق، فتنقل بين بيوت مشتريه حتى وصل القاهرة، ليصبح من جملة مماليك عز الدين أيبك التركماني.

بعدها، ترقى المملوك الشاب في خدمة أستاذه حتى أصبح من كبار المماليك وأعلاهم رتبة، وشارك في معركة المنصورة ضد الحملة الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع، ثم تولى نيابة السلطنة المملوكية في عهدي أيبك وابنه نور الدين، قبل أن يقوم بعزل نور الدين ويعلن عن نفسه سلطاناً على مصر سنة 1259 ميلادية.

قاد قطز الجيش المملوكي للانتصار على القوات المغولية في معركة عين جالوت عام 1260م، لكنه سرعان ما قُتل على يد رفيقه ركن الدين بيبرس عقب انتهاء المعركة.

الجامع الأموي في دمشق، عاصمة الخلافة الأموية- تعبيرية
شعراء وأدباء وثوّار.. إسهامات السُّود في الحضارة الإسلامية
تميز العديد من أصحاب البشرة السوداء بنظم الشعر وإنشاده، فكان وسيلة يعبرون بها عن أنفسهم ومشاعرهم وحياتهم. يُعدّ سُحيم المعروف بـ "عبد بني الحسحاس"، من أشهر الشعراء المسلمين السود الذين ظهروا في الفترة المبكرة من الإسلام. ويُقال إنه كان من بين الشعراء المخضرمين، أي أنه نظم الشعر قبل ظهور الإسلام وبعده.

ركن الدين بيبرس 

ولد بيبرس في حدود سنة 620 هـ في بلاد القبجاق الواقعة على تخوم روسيا وآسيا الوسطى. وتدور الكثير من الخلافات حول أصوله العرقية، فبينما تذهب مصادر إلى أن أصله تركي، تقول آراء أخرى إنه شركسي.

اختطف في صغره، وبيع في أسواق النخاسة حتى وصل إلى بلاد الشام، وانتهى به الحال عند الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري، الذي نُسب إليه بيبرس، فعُرف بلقبه -البندقداري- لاحقاً.

بعد سنوات معدودة، انضم بيبرس إلى جيش الملك الصالح نجم الدين أيوب، سلطان مصر، وأضحى واحداً من كبار قادة الجيش الأيوبي، فظهرت مهاراته الإستراتيجية في معركة المنصورة على وجه التحديد.

انخرط بيبرس بعد المعركة في الأحداث المتسارعة على ساحة السياسة المصرية، إذ شارك غيره من المماليك في اغتيال توران شاه بن نجم الدين أيوب، ثم هرب من مصر بعدما قُتل أستاذه فارس الدين أقطاي، على يد السلطان عز الدين أيبك.

بعد سنوات من الترحال والتنقّل في بلاد الشام، رجع بيبرس إلى مصر بعد اتفاقه مع سلطانها الجديد سيف الدين قطز، واشترك الرجلان في قتال المغول والانتصار عليهم في معركة عين جالوت، قبل أن ينقلب بيبرس على قطز، ويغتاله بعد أيام معدودة من المعركة، ليُبايع بالسلطنة.

بعد وصوله للعرش، لُقب بيبرس بالملك الظاهر، وحكم لمدة 17 سنة، تمكن خلالها من القضاء على جميع الثورات التي اندلعت في مناطق حكمه، وأحيا الخلافة العباسية مرة أخرى في القاهرة، وذلك عقب سقوطها في بغداد على يد المغول.

 

خير الدين باشا التونسي

ولد خير الدين التونسي لأسرة شركسية سنة 1820 م في إحدى قرى جبال القوقاز. في طفولته، وقع خير الدين في أسر القوات الروسية عقب انتصارها على العثمانيين في إحدى المعارك الحربية، ثم بيع في أسواق الرقيق، ووصل في نهاية المطاف إلى إسطنبول، عاصمة الخلافة العثمانية.

في سن السابعة عشرة، وصل خير الدين إلى قصر الباي أحمد باشا حاكم تونس، وسرعان ما أُعجب به الباي، فحرص على تعليمه وتدريبه.

درس خير الدين العربية والفرنسية والتركية، وتلقى العلوم الشرعية واللغوية، كما درس العلوم الحربية عقب التحاقه بالجيش التونسي.

في سنة 1852 م سافر إلى فرنسا وحصّل المزيد من المعارف في علوم الإدارة والحكم، وعقب رجوعه إلى تونس، ترقى سريعاً في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق.

في 1857م عُين وزيراً للحربية، وبعدها بـ13 عاماً، اختير ليشغل منصب رئيس وزراء تونس، وظل في هذا المنصب حتى استقال عام 1877 م. ليغادر بعدها إلى تركيا. هناك، اختاره السلطان عبد الحميد الثاني لشغل منصب "الصدر الأعظم"، وهو أهم المناصب في الإمبراطورية العثمانية بعد منصب الخلافة.

مواضيع ذات صلة:

عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.
عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية أمام قبة الصخرة ـ صورة أرشيفية.

في خضم توترات متصاعدة في الشرق الأوسط، أثارت تصريحات الوزير الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، بشأن المسجد الأقصى عاصفة من ردود الفعل المحلية والدولية، بعد تشكيكه في "الوضع القائم" بالحرم، وتعبيره عن تأييد بناء كنيس يهودي في باحاته.

ومثلت دعوة الوزير الإسرائيلي تحديا مباشرا للاتفاقيات والتفاهمات التاريخية التي حكمت لعقود إدارة هذا الموقع الذي يعد محور خلاف رئيسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الأهمية الدينية والسياسية

ويحتل المسجد الأقصى كما يطلق المسلمون أو  "جبل الهيكل" وفق التسمية اليهودية، مكانة فريدة في قلب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ يحظى برمزية دينية وسياسية كبيرة للجانبين.

ويقع هذا الصرح التاريخي في قلب القدس القديمة، ممتدا على مساحة 14 هكتارا، ويضم في نطاقه المسجد الأقصى وبداخله قبة الصخرة الشهيرة.

وبالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس الأماكن الدينية  بعد المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع الميلادي، كما يرتبط بأحداث دينية وروحية في وجدان المسلمين حول العالم.

وعلى الجانب اليهودي، تكتسب هذه البقعة أيضا أهمية دينية وتاريخية، حيث أنها موقع وجود هيكلين يهوديين تعرضا للهدم في عامي 586 قبل الميلاد و70 ميلادي على التوالي.

ويعد الحائط الغربي للمسجد، المعروف بحائط المبكى عند اليهود أو البراق لدى المسلمين، أقدس موقع متاح للصلاة في الديانة اليهودية، بينما تحظر السلطة الحاخامية في إسرائيل دخول اليهود إلى باقي أرجاء الموقع باعتباره أرضا مقدسة.

ويطالب الفلسطينيون بالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، كعاصمة لدولتهم المستقبلية، بينما تعتبرها إسرائيل جزءا لا يتجزأ من عاصمتها الموحدة.

ولدى العديد من الدول بعثات دبلوماسية لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية. وفي عام 2018، نقلت الولايات المتحدة، تحت رئاسة دونالد ترامب، سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد أن اعترف واشنطن بالمدينة عاصمة لإسرائيل.

يهود يؤدون الصلاة عند الحائظ الغربي في المدينة القديمة بالقدس، أرشيف

"الوضع القائم"

وكانت القدس الشرقية وسائر مدن الضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية قبل حرب يونيو 1967. ومنذ سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية بعد صراع "الستة أيام"، بات المسجد الأقصى تحت إدارة مشتركة بين إسرائيل والأردن، فيما يُعرف بـ"الوضع التاريخي القائم".

ووفق هذا الترتيب، تتولى الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الموقع، بينما تضطلع إسرائيل بمسؤوليات الأمن والوصول إليه.

وبموجب "الوضع القائم"، يمكن للمسلمين الصلاة في المسجد الأقصى وقبة الصخرة، فيما تحق لغيرهم زيارته في أوقات محدّدة دون أداء الصلوات والطقوس الدينية فيه.

وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف عمان على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وتنص معاهدة السلام بين  البلدين، على أن إسرائيل "تحترم الدور الخاص الحالي للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس".

ووافقت إسرائيل على أن الإدارة اليومية وتنظيم الزيارة والعبادة في المسجد الأقصى ستظل مسؤولية الأوقاف الأردنية، مع مراعاة الإشراف والوجود الأمني ​​الإسرائيلي.

وتم تأكيد هذا الترتيب لاحقا فيما أصبح يُعرف باسم "تفاهمات كيري" التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، والحكومتين الإسرائيلية والأردنية.

وبحسب المؤسسة البحثية الإسرائيلية "مركز القدس لدراسات الشؤون العامة والسياسية"، فإن تفاهمات كيري اعترفت بالدور الخاص للأردن في القدس كما هو محدد في معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، بما في ذلك دور عمان التاريخي كـ"حارس للأماكن المقدسة الإسلامية" في القدس، وأعادت تأكيد الترتيبات القائمة بشأن الصلاة في المسجد الأقصى، والتي تسمح للمسلمين بالصلاة هناك، فيما يكون مسموحا لغير المسلمين بزيارة الموقع فقط.

القوات الإسرائيلية فرضت قيودا على دخول المصلين إلى المسجد - صورة أرشيفية.

"تحولات الوضع القائم"

وشهدت السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في "الوضع القائم"، بحسب تقرير لـ"مجموعة الأزمات الدولية"، والذي يشير إلى أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، ازدادت السيطرة الإسرائيلية على الوصول للموقع، وارتفع عدد الزيارات اليهودية بشكل كبير.

كما يلاحظ التقرير "تراجع" دور الأوقاف الأردنية، مقابل "تزايد" النفوذ الإسرائيلي، مشيرا إلى أنه رغم استمرار التنسيق الظاهري بين الأوقاف والشرطة الإسرائيلية، تقلصت سلطة الأوقاف.

وقد أدى هذا إلى فرض المزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى الأقصى، عبر عدد من الإجراءات مثل تحديد عدد المصلين أو أعمارهم، والتي تقول إسرائيل إن وراءها دوافع أمنية.

وفي المقابل، تسجل زيادة ملحوظة في عدد الزوار اليهود، بما في ذلك من مجموعات كبيرة وشخصيات سياسية بارزة، مع تسجيل رقم قياسي للزوار بلغ 50 ألف  في عام 2022.

وتؤكد دائرة الأوقاف باستمرار أن المسجد بساحاته موقع مسلم فقط، وتندّد بالمحاولات الإسرائيلية "لتهويده". وكذلك، يعتبره الفلسطينيون "مهدّدا".

ويرى الجانبان في الزيارات "استفزازا" لمشاعر المسلمين. بينما يبقى الأكثر إثارة للجدل، ما وصفه المجموعة بـ"التآكل التدريجي" لحظر الصلاة اليهودية في الموقع، حيث أصبحت الصلاة العلنية لليهود "أمرا شبه اعتيادي، في ما يعتبر انتهاكا للوضع القائم".

ويأتي هذا التحول، بحسب المجموعة، في سياق "تسييس متزايد" لقضية جبل الهيكل من قبل اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي أصبحت زيارة الموقع والصلاة فيه جزءا أساسيا من أجندته السياسية والدينية.

وضع القدس في أروقة الأمم المتحدة

في 29 نوفمبر 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار إدخال قضية القدس رسميا إلى أروقة المنظمة الدولية، من خلال القرار رقم 181، المعروف بـ"قرار التقسيم"، القاضي بإنشاء  "دولة يهودية" و "دولة عربية"، مع اعتبار القدس كيانا متميزا يخضع لنظام دولي خاص.

وكان الهدف من هذا المقترح حماية المصالح الدينية لجميع الأطراف في المدينة المقدسة، في ظل حساسيتها وأهميتها الكبيرة في الديانات الإبراهيمية الثلاث.

ورفضت الدول العربية الخطوة واندلعت الحرب في 1948، مما أدى إلى تقسيم القدس بين إسرائيل والأردن، إذ أصبحت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما خضعت القدس الشرقية للسيطرة الأردنية.

واستمر هذا التقسيم حتى حرب 1967، عندما سيطرت إسرائيل على القدس الشرقية وأجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.  

إسرائيل تعتبر القدس بأكملها، بما فيها القدس الشرقية عاصمة البلاد

وظلت قضية القدس محور اهتمام المجتمع الدولي، وانعكس ذلك في سلسلة متواصلة من القرارات الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة.

وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات، بشأن الوضع في القدس، من أبرزها:

ـ القرار 242 عام 1967، الذي دعا إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير، ومن ضمنها القدس الشرقية.

ـ ثم القرار 252  الصادر في 21 مايو 1968 ركز بشكل أساسي على الوضع في القدس والإجراءات الإسرائيلية فيها، حيث عبر مجلس الأمن عن رفضه للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني للقدس، واعتبر هذه الإجراءات غير صالحة، ودعا إسرائيل إلى التراجع عنها.

ـ وفي سبتمبر 1971، دان القرار 298 عدم احترام إسرائيل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بإجراءاتها لتغيير وضع القدس.

ـ وأكد أن كل هذه الإجراءات التي غيرت معالم مدينة القدس ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي "هي إجراءات باطلة أصلا، ويجب إلغاؤها وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة".

ـ ولاحقا، دانت الأمم المتحدة مرارا قرار إسرائيل في 1980 الذي جعل القدس الشرقية جزءا من "القدس عاصمة إسرائيل".

ـ كما أكد قرار مجلس الأمن رقم 478 على بطلان إقرار إسرائيل "القانون الأساسي" بشأن القدس  معتبرا إياه انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد على بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية لتغيير وضع القدس، ويدعو المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بها. كما يطلب من الدول التي لديها بعثات دبلوماسية في القدس بسحبها.

ـ وفي عام 1996، أصدر المجلس القرار رقم 1073، تفاعلا مع الأحداث الدموية التي وقعت في القدس ومناطق أخرى فلسطينية بعد قيام الحكومة الإسرائيلية بفتح مدخل لنفق بالقرب من المسجد الأقصى.

ـ ومن بين القرارات الأخرى المهمة، القرار رقم 1322 لعام 2000، الذي دان زيارة أرييل شارون، للمسجد الأقصى، واصفا الخطوة بـ"الاستفزازية"، والتي أدت إلى اندلاع موجة من العنف في القدس والأراضي الفلسطينية، مؤكدا على ضرورة احترام الأماكن المقدسة.

بدورها، دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات سنوية تؤكد على الوضع الخاص للقدس، وتشدد معظم هذه القرارات على أهمية الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة وحماية حقوق جميع سكانها. ومن ضمن أبرز قراراتها:

ـ القرار رقم 303 لعام 1949، الذي يؤكد على وضع القدس تحت نظام دولي دائم لحماية الأماكن المقدسة، ويدعو إلى إنشاء القدس ككيان منفصل تحت إدارة الأمم المتحدة، مع تحديد حدودها لتشمل البلدات والقرى المحيطة.

ـ وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا آخر في 4 يوليو 1967، معبرة عن قلقها العميق إزاء الوضع السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.

واعتبر القرار هذه الإجراءات غير صالحة، داعيا إسرائيل إلى إلغاء جميع التدابير المتخذة بالفعل والامتناع فورا عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير وضع القدس.

بدورها، ركزت منظمة اليونسكو عبر سلسلة من القرارات، على الجوانب الثقافية والتراثية للقدس، مسلّطة الضوء على الأهمية التاريخية والدينية للمدينة القديمة وأسوارها.

وتشدد اليونسكو على ضرورة حماية هذا التراث الإنساني الفريد، غير أن بعض قراراتها أثارت جدلا دبلوماسيا بسبب الصياغة المستخدمة في وصف الأماكن المقدسة، وواجهت انتقادات حادة من إسرائيل واتهامات بـ"عدم الاستقلالية ومحاباة الفلسطينيين".

من جهتها، اعتبرت محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ العام 1967 "غير قانوني"، ويجب أن ينتهي "في أسرع وقت ممكن"، في قرار وصفه الفلسطينيون بـ "التاريخي"، ورأت إسرائيل أنه "كاذب".

في 31 ديسمبر 2022، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يطلب من محكمة العدل الدولية إصدار "رأي استشاري" بشأن "العواقب القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية"، ويتعلق ذلك بالاحتلال الطويل الأمد للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967. 

ورحب مكتب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بالقرار "التاريخي" الذي أصدرته محكمة العدل الدولية، مطالبا بإلزام إسرائيل بتنفيذه"، وفق ما نقلت عنها وكالة الأنباء الرسمية "وفا".

وأضاف المكتب أن "قرار المحكمة انتصار للعدالة، إذ أكد القرار أن الاحتلال الإسرائيلي غير شرعي".

في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إن محكمة العدل الدولية اتخذت "قرارا كاذبا".

وأورد في بيان "الشعب اليهودي ليس بمحتل في أرضه - لا في عاصمتنا الأبدية القدس ولا في إرث أجدادنا يهودا والسامرة"، مستعملا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.

وأضاف "لن يحرّف أي قرار كاذب في لاهاي هذه الحقيقة التاريخية، وكذلك لا يمكن الجدال في قانونية المستوطنات الإسرائيلية في كافة أنحاء وطننا".