يشهد شهر ديسمبر العديد من المناسبات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، منها اليوم الدولي لإلغاء الرق، وهو اليوم الذي تؤكد فيه منظمات حقوقية تضامنها مع ضحايا الرق، والضغط على الحكومات للحد منه.
في هذا المقال، نتذكر أبرز الحكام المسلمين، الذين كانوا بالأساس عبيداً ومملوكين، وصلوا إلى البلاد الإسلامية بعد اختطافهم وبيعهم في أسواق الرقيق، لكنهم سرعان ما أظهروا مهاراتهم العسكرية والإستراتيجية في إدارة الدول.
كافور الإخشيدي
ولد كافور في بلاد الحبشة عام 292 هجرية، واُختطف من أسرته في سن صغيرة، ثم بيع لبعض الأثرياء في مصر، فتنقل بينهم حتى وصل إلى يد حاكم مصر، محمد بن طغج الإخشيد.
لعب كافور دوراً مهماً في إدارة دولة الإخشيد. وفي سنة 334 هـ، استحوذ على السلطة بشكل كامل عقب وفاة أستاذه، فأحسن إدارة شؤون البلاد، وضبط أحوالها الداخلية، كما وقف كحائط صد منيع أمام هجمات الفاطميين على مصر.
في ذلك، نقل المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء" عن بعض الفاطميين قولهم قُبيل استيلائهم على مصر: "إذا زال الحجر الأسود مَلك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي...".
في سنة 357 هـ، توفي كافور بعد أن قضى نحو 23 عاماً في حكم مصر.
فائق الصقلبي، وجوذر الصقلبي
عرفت بلاد الأندلس العبيد الصقالبة في العصور الوسطى، الذين كانوا من السّلاف (مجموعة عرقية أوروبية) اختطفهم الجرمان من بلاد الفرنجة وحوض الدانوب وبلاد اللومبارد.
وكان من المعتاد أن يُباعوا في بلاد الأندلس تحديداً، حيث يُقبل الحكام الأمويون على شرائهم ليقوموا بالعديد من الأعمال العسكرية والإدارية.
لعب الصقالبة أدواراً مهمة في تاريخ الأندلس، وتمكن بعضهم من الوصول لأرفع الدرجات، كان منهم فائق وجوذر، زعيما الصقالبة في عهد الخليفة الحكم المستنصر في القرن الرابع الهجري.
سيطر الرجلان على قصر الخلافة في قرطبة، وكادا أن يغيّرا من مسار الأحداث في الدولة عقب وفاة الحكم المستنصر، حيث دبرا مؤامرة لخلع ولي العهد الشرعي، هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر، وعزما على مبايعة أحد إخوة الخليفة الراحل.
كادت الخطة أن تنجح، لولا أن قام الوزير محمد بن أبي عامر بكشف المؤامرة، فقبض على فائق وجوذر وعزلهما من منصبيهما، وتخلص من قوة الصقالبة في الجيش والقصر.
بدر الجمالي
ولد بدر الجمالي في أرمينيا لأسرة مسيحية في مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، واُختطف في صغره من قِبل بعض اللصوص ليُباع في أسواق الشام، وانتقل من يد ليد حتى وصل إلى جمال الدولة بن عمار، وهو أحد أمراء الشام التابعين للدولة الفاطمية. ومنذ ذلك الوقت نُسب بدر لابن عمار، فصار يُعرف بالجمالي.
تربى على التقاليد الإسلامية منذ صغره، فنسي أصوله المسيحية، وتدرب على أداء المهام العسكرية حتى أصبح من الفرسان المهمين في الدولة. بعدها تقلد عدة ولايات في كل من دمشق وعكا.
ظهرت أهمية الجمالي أثناء وقوع الشدة المستنصرية في مصر أواسط القرن الخامس الهجري، إذ عانى المصريون في تلك الفترة من الفتن والحروب الداخلية وغلاء الأسعار، واختار الخليفة المستنصر بالله بدراً ليوليه الوزارة، فاستدعاه من عكا وتنازل له عن الكثير من السلطات بهدف الخروج من الأزمة.
استغل الجمالي الفرصة على الوجه الأمثل، فأجرى العديد من الإصلاحات الاقتصادية المهمة، ما أدى إلى تبدل شكل الدولة الفاطمية. ظهر ذلك في استحداث تغيير خطير في نظام تعيين الوزراء في الدولة، إذ كان من المعتاد أن يُعينوا من رجال القلم والأدب، وكان دور الوزير يقتصر على تنفيذ أوامر الخليفة الفاطمي فقط، لكن منذ بداية عهد الجمالي حتى نهاية الدولة الفاطمية، اختير الوزراء من أرباب السيف والحرب، وأصبح الوزير هو صاحب السلطان الحقيقي في مصر، أما الخليفة فلم تكن له أي سلطة فعلية.
بهاء الدين قراقوش
ولد بهاء الدين قراقوش في ناحية من نواحي آسيا الصغرى، ثم اُختطف وبيع كعبد في أسواق الشام والعراق في بدايات القرن السادس الهجري، بعد أن تم إخصاؤهما. جرت العادة مع الكثير من العبيد البيض الذين جندوا في تلك الفترة.
بيع قراقوش إلى الأمير الكردي أسد الدين شيركوه بن شادي، الذي كان أحد قادة جيش حاكم الموصل عماد الدين زنكي. تسبب ذلك في التحاق قراقوش بالجيش، وفي تدريبه على المهارات والفنون القتالية منذ فترة مبكرة من حياته.
في ستينيات القرن السادس الهجري، رافق قراقوش أستاذه في حملته على مصر. وبعد وفاة شيركوه، صار قراقوش مساعداً وتابعاً للوزير الجديد صلاح الدين يوسف بن أيوب، ابن أخ شيركوه.
قام صلاح الدين بتعيين قراقوش في منصب متولي القصر الفاطمي، فصار عين صلاح الدين على الخليفة الفاطمي وأهل بيته.
في 567 هـ أسقط صلاح الدين الخلافة الفاطمية، وكلف قراقوش بالتحفظ على أفراد البيت الفاطمي. وبعد استتباب السلطة الأيوبية في مصر، نفذ قراقوش مجموعة من المشاريع العمرانية المهمة، كبناء سور حول القاهرة، وتشييد قلعة الجبل، لتصبح مركزاً للدفاع عن العاصمة.
كذلك تولى قراقوش نيابة السلطنة في الأوقات التي كان صلاح الدين يخرج فيها لقتال الصليبيين في بلاد الشام. من جهة أخرى، قاد قراقوش بعض الحملات العسكرية، منها حملته سنة 571 هـ على برقة الواقعة غرب مصر، حيث تمكن من التوغل داخل البلاد الليبية، وتوسيع رقعة السلطة الأيوبية، بحسب ما تذكر الباحثة حياة محمد محمود في أطروحتها "التأثيرات السياسية والحضارية المصرية على بلاد المغرب في العصرين الفاطمي والأيوبي".
سيف الدين قطز
ولد قطز في بدايات القرن السابع الهجري، في منطقة خوارزم الواقعة في آسيا الوسطى. وقيل إنه "ينحدر من عائلة خوارزم شاه مؤسس الدولة الخوارزمية التي انهارت على يد المغول في تلك الفترة"، كما ذكرت بعض الروايات أن اسمه الأصلي هو محمود بن ممدود.
اُختطف محمود في طفولته على يد بعض النخاسين المغول، وأطلق عليه اسم قطز وبيع في دمشق، فتنقل بين بيوت مشتريه حتى وصل القاهرة، ليصبح من جملة مماليك عز الدين أيبك التركماني.
بعدها، ترقى المملوك الشاب في خدمة أستاذه حتى أصبح من كبار المماليك وأعلاهم رتبة، وشارك في معركة المنصورة ضد الحملة الصليبية السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع، ثم تولى نيابة السلطنة المملوكية في عهدي أيبك وابنه نور الدين، قبل أن يقوم بعزل نور الدين ويعلن عن نفسه سلطاناً على مصر سنة 1259 ميلادية.
قاد قطز الجيش المملوكي للانتصار على القوات المغولية في معركة عين جالوت عام 1260م، لكنه سرعان ما قُتل على يد رفيقه ركن الدين بيبرس عقب انتهاء المعركة.
ركن الدين بيبرس
ولد بيبرس في حدود سنة 620 هـ في بلاد القبجاق الواقعة على تخوم روسيا وآسيا الوسطى. وتدور الكثير من الخلافات حول أصوله العرقية، فبينما تذهب مصادر إلى أن أصله تركي، تقول آراء أخرى إنه شركسي.
اختطف في صغره، وبيع في أسواق النخاسة حتى وصل إلى بلاد الشام، وانتهى به الحال عند الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري، الذي نُسب إليه بيبرس، فعُرف بلقبه -البندقداري- لاحقاً.
بعد سنوات معدودة، انضم بيبرس إلى جيش الملك الصالح نجم الدين أيوب، سلطان مصر، وأضحى واحداً من كبار قادة الجيش الأيوبي، فظهرت مهاراته الإستراتيجية في معركة المنصورة على وجه التحديد.
انخرط بيبرس بعد المعركة في الأحداث المتسارعة على ساحة السياسة المصرية، إذ شارك غيره من المماليك في اغتيال توران شاه بن نجم الدين أيوب، ثم هرب من مصر بعدما قُتل أستاذه فارس الدين أقطاي، على يد السلطان عز الدين أيبك.
بعد سنوات من الترحال والتنقّل في بلاد الشام، رجع بيبرس إلى مصر بعد اتفاقه مع سلطانها الجديد سيف الدين قطز، واشترك الرجلان في قتال المغول والانتصار عليهم في معركة عين جالوت، قبل أن ينقلب بيبرس على قطز، ويغتاله بعد أيام معدودة من المعركة، ليُبايع بالسلطنة.
بعد وصوله للعرش، لُقب بيبرس بالملك الظاهر، وحكم لمدة 17 سنة، تمكن خلالها من القضاء على جميع الثورات التي اندلعت في مناطق حكمه، وأحيا الخلافة العباسية مرة أخرى في القاهرة، وذلك عقب سقوطها في بغداد على يد المغول.
خير الدين باشا التونسي
ولد خير الدين التونسي لأسرة شركسية سنة 1820 م في إحدى قرى جبال القوقاز. في طفولته، وقع خير الدين في أسر القوات الروسية عقب انتصارها على العثمانيين في إحدى المعارك الحربية، ثم بيع في أسواق الرقيق، ووصل في نهاية المطاف إلى إسطنبول، عاصمة الخلافة العثمانية.
في سن السابعة عشرة، وصل خير الدين إلى قصر الباي أحمد باشا حاكم تونس، وسرعان ما أُعجب به الباي، فحرص على تعليمه وتدريبه.
درس خير الدين العربية والفرنسية والتركية، وتلقى العلوم الشرعية واللغوية، كما درس العلوم الحربية عقب التحاقه بالجيش التونسي.
في سنة 1852 م سافر إلى فرنسا وحصّل المزيد من المعارف في علوم الإدارة والحكم، وعقب رجوعه إلى تونس، ترقى سريعاً في المناصب العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق.
في 1857م عُين وزيراً للحربية، وبعدها بـ13 عاماً، اختير ليشغل منصب رئيس وزراء تونس، وظل في هذا المنصب حتى استقال عام 1877 م. ليغادر بعدها إلى تركيا. هناك، اختاره السلطان عبد الحميد الثاني لشغل منصب "الصدر الأعظم"، وهو أهم المناصب في الإمبراطورية العثمانية بعد منصب الخلافة.
