صورة افتراضية للراحالة الإيطالي ماركو بولو، من إعداد موقع "هيستوري سكيلز" المختص بالموضوعات التاريخية
صورة افتراضية للراحالة الإيطالي ماركو بولو، من إعداد موقع "هيستوري سكيلز" المختص بالتاريخ والموجّه للطلبة

احتلت أخبار الرحلات مكانة مهمة في كتابات العصور الوسطى، حيث سافر العديد من الرحالة إلى مختلف أنحاء العالم المعمور في تلك الفترات، ودونوا ما شاهدوه في بعض الكتب التي تناقلها الناس عبر السنين.

كان الرحالة الإيطالي ماركو بولو من أشهر الرحالة في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، ومن بين الدول التي زارها، العراق، تاركاً وصفاً ممتعاً لأهم المعالم الاقتصادية والثقافية في المدن التي حط الرحال فيها.

 

من هو ماركو بولو؟ 

ولد في مدينة البندقية بإيطاليا عام 1254، وكانت أسرته تعمل بالتجارة، ولها دور كبير في نقل السلع بين الشرق وأوروبا.

في عام 1271، بدأت الرحلة المثيرة لبولو -كان عمره 17 عاماً- عندما غادر مدينة البندقية بصحبة أبيه وعمه. توجه أولاً إلى ميناء عكا في بلاد الشام، ثم أبحر إلى خليج الإسكندرونة التي اشتهرت آنذاك بتجارة التوابل والحرير، ومنه سافر عن طريق البر إلى مدينة باكو في أذربيجان، ثم اتجه جنوباً نحو بغداد، حاضرة الخلافة العباسية في ذلك الزمن.

وعبر مضيق هرمز دخل بولو إلى الأراضي الإيرانية وزار المحطات المهمة في طريق الحرير الشهير، حتى وصل إلى الشمال الغربي من الصين. وفي بكين قابل خان المغول الأعظم قوبيلاي خان، الذي استقبله بحفاوة وترحاب. 

لم تنته رحلته بوصوله إلى الصين، إذ سافر بعدها لزيارة قره قورم عاصمة المغول السابقة، فوصل إلى منطقة سيبيريا الواقعة في روسيا الآن، كما زار مناطق متفرقة في كل من مينامار والهند.

في 1292، قرر بولو العودة إلى موطنه، بعد قرابة 17 عاماً في خدمة قوبيلاي خان من الترحال، وشارك لاحقاً في الحرب الدائرة بين البندقية وجنوة، وتوفى عام 1324.

دون بعض الأدباء أحداث رحلته المثيرة في كتاب عُرف باسم "رحلات ماركو بولو" أو "المليون"، وهو تصغير إيميليوني، اسم الشهرة لعائلة بولو.

على الرغم من الشهرة الواسعة التي حظي بها الكتاب في أوروبا، لا توجد له نسخة أصلية موثّقة. وأغلب الظن أنه أضحى نوعاً من أنواع الأدب الشعبي الذي تتضخم مادته على مر الأجيال.

 

زيارة العراق

 

الموصل

وصل بولو إلى العراق في ستينيات القرن الثالث عشر الميلادي بعد أن تجول في أنحاء متفرقة من أرمينيا وأذربيجان. كانت الموصل أولى محطاته.

أُعجب بسعة ولاية الموصل (اسمها آنذاك) فوصفها بأنها "ولاية ضخمة تسكنها أخلاط شتى من الشعوب لها أوصافها المختلفة"، وتحدث عن الموصليين المسيحيين فذكر أنهم لا يتبعون المذهب الكاثوليكي السائد في أوروبا آنذاك، وأنهم يتبعون عدداً من المذاهب، كـ"النسطورية" و"اليعقوبية".

وأشار بولو للمكانة الكبيرة التي يشغلها البطريرك الموصلي في العالم المسيحي الشرقي، الذي كان يُعرف باسم "الجاكوليت"، وهو المسؤول عن ترسيم الأساقفة ورؤساء الأديرة في جميع أصقاع الهند والبلاد والمجاورة.

وكلمة الجاكوليت تحريف لكلمة "الجاثليق"، التي عُرف بها البطريرك المسيحي في اللغة العربية. من شأن تلك الملاحظة أن توضح التعديلات التي خضعت لها نصوص الرحالّة على مر القرون.

من جهة أخرى، سلط بولو الضوء على بعض الأنشطة الاقتصادية التي مارسها أهل الموصل في تلك الفترة، فذكر أن الكثير منهم يعملون في صناعة المنسوجات الذهبية والحريرية التي تعرف في أوروبا باسم "الموسلين" نسبةً إلى الموصل، كما كان الكثير من تجار الموصل يعملون في بيع الأدوية والعقاقير الطبية.

 

بغداد

أطلق بولو على بغداد "بلداش" في كتاباته، وأبدى إعجابه بما شاهده فيها ويبدو أن التخريب الذي لحق بالمدينة أثناء الغزو المغولي لم ينجح في إزالة جميع محاسنها، ذكر الرحالة في أحد المواضع أنها "مدينة كبيرة"، وفي موضع آخر بأنها "أجمل وأوسع مدينة توجد في هذا الجزء من العالم".

وقال أيضاً، إن "بغداد كانت المقر الرسمي السابق للخلفاء العباسيين". في هذا السياق، ظهرت خبرة ودراية الرحالة الإيطالي بأحوال العالم الإسلامي، إذ قال واصفاً الخليفة بأنه "الحبر الأعظم لجميع المسلمين، شأنه شأن البابا بالنسبة للمسيحيين جميعاً".

كعادته، اهتم التاجر البندقي بالوصف الجغرافي وربطه بالنشاط الاقتصادي، فتحدث عن نهر دجلة الذي يشق مدينة بغداد إلى نصفين، وأهميته في عملية التبادل التجاري بين الشرق والغرب، حيث ينقل التجار بضائعهم من الهند إلى العراق عن طريقه. وأشار إلى أن "السفن التجارية ترسو في ميناء البصرة التي ينتج نخيلها أجود البلح -التمر- في العالم".

بعدها عاد بولو لتناول باقي الأنشطة الاقتصادية القائمة في بغداد، مثل ريادة المدينة في صناعة الحرير المغزول بخيوط الذهب وصناعة الدمقس - أحد المنسوجات الحريرية التي أخذت اسمها من مدينة دمشق- فضلاً عن القطيفة المُحلاة بأشكال الطير والحيوان.

وعندما أشار إلى دور الصاغة البغداديين في تصنيع المجوهرات الثمينة، قال "...تكاد جميع اللآلئ المنقولة إلى أوروبا من الهند أن تجري فيها عملية الثقب في هذا البلد...".

من جهة أخرى، ذكر بولو أن  تدريس الشريعة الإسلامية كان قائماً "بكل عناية وانتظام"، كما تحدث عن تدريس أنواع أخرى من العلوم مثل السحر وعلم الفراسة والعرافة والفلك.

تتعارض تلك الشهادة مع العديد من الأخبار التاريخية التي أكدت تدمير المغول للمكتبات والمدارس عقب غزو بغداد. لا ندري إذا ما كان بولو قد تثبت من الأخبار التي أوردها حول تلك النقطة، أم أنه نقلها من مصادر غير دقيقة.

أجاثا كريستي خلال التقاطها صوراً لقطع أثرية في موقع مدينة نمرود.
أجاثا كريستي في العراق.. روائية في زيّ عالمة آثار
"أحببت أور كثيرا، بجمالها في المساء، والزقورة الشاخصة بظلها الشاحب، وبحر الرمال الواسع بألوانه الجميلة، الوردي والمشمشي والبنفسجي المتغير في كل لحظة"، هكذا عبّرت الروائية البريطانية، أجاثا كريستي، عن افتتانها بالعراق قبل أن تجمعهما علاقة تجاوزت الروايات البوليسية.

 

الرحّالة وقصصه "العجيبة"

تميز كتاب "رحلات ماركو بولو" بوجود العديد من القصص والأخبار التي دمجت بين التاريخ الواقعي والأساطير الشعبية. ولعل في هذا ما يفسر الإقبال الكبير على تداول الكتاب عبر القرون.

من بين هذه القصص، روى بولو عن الخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله في الفصل الثامن من الكتاب، أنه "جمع كنوزاً أعظم وأضخم مما جمعه أي ملك آخر على مر الزمان كله.. وأنه استخف كثيراً بقوة الجيوش المغولية التي حاصرت بغداد، فخرج عندها بجيشه لملاقاتهم في غابة قريبة من المدينة. حينها وقع في كمين نصبه له الأمير المغولي هولاكو، فأُسِر المستعصم واستسلمت بغداد وفتحت أبوابها للجيش المغولي المنتصر".

يذكر  أن "هولاكو لمّا دخل المدينة شاهد برجاً عظيماً مملوءاً بالذهب، فاستدعى الخليفة ووبخه ثم أمر بزجّه فيه بلا زاد. وهناك انتهت حياته التعسة بين أكداس ما كنز من الثروة والكنوز".

تختلف تلك القصة عن السردية المعروفة في الكتابات الإسلامية، التي تذكر أن المستعصم بالله ظل في قصره داخل بغداد، ولم يخرج أبداً لقتال المغول بنفسه، ولمّا أيقن قرب انتصارهم، خرج إليهم مستسلماً.

كما تخالف القصة الأخبار التي تناقلها العديد من المؤرخين المسلمين، التي أكدت أن الخليفة قُتل بعد أن وضع في شوال ورفسته الخيول المغولية حتى مات.

لم يكتف بولو بذكر تلك القصة عن كيفية وظروف موت الخليفة العباسي الأخير، بل نراه يفسر موته بأنه "انتقام عادل".

يقول الرحالة الإيطالي: "في رأيي، أن الرب يسوع المسيح رأى هنا أن من الخير أن ينتقم لما وقع من مظالم على خلصائه المسيحيين، حيث كان مقت ذلك الخليفة لهم بالغاً. فمنذ تولى الخلافة كان شغله الشاغل في كل يوم تدبير الوسائل لإدخال كل من يقيم منهم في دولته في دينه، أو في حالة رفضهم، يصوغ الحجج التي يتذرع بها لإعدامهم...".

في هذا السياق ذكر بولو واحدة من القصص العجيبة التي لاقت انتشاراً كبيراً في أوروبا في العصور الوسطى، وهي أن الخليفة كان يفكر في أي وسيلة يقضي بها على المسيحيين في دولته، وفي أثناء ذلك عثر على إحدى الآيات في "إنجيل متى"، التي تذكر أن الإيمان الحقيقي للمسيحي قادر على نقل الجبال من مكان إلى آخر.

بحسب الرحالة "فرح الخليفة بما اكتشفه، وأمر بجمع المسيحيين العراقيين نساطرة كانوا أو يعاقبة، ثم عرض عليهم الآية وقال لهم إن كنتم مؤمنين حقاً فلتنقلوا الجبل من موضعه، وهددهم بالقتل والاضطهاد إن لم يفعلوا. تحير المسيحيون عندها، واجتهدوا في الصلاة والدعاء لينقذهم الله من هذه المحنة. في تلك الأثناء جاء التجلي الإلهي على صورة حلم رآه أسقف يعيش عيشة تقوى مثالية، ليوجهه للبحث عن صانع أحذية معين، على اعتبار أنه الشخص القادر على القيام بزحزحة الجبل...".

عثر الأسقف على هذا الإسكافي التقي، وفي اليوم المحدد، "أقبل الصانع وقد جثا أمام الصليب، ورفع أكف الضراعة إلى السماء، والتمس من خالقه بذلة وخضوع أن يشمل الأرض بنظرة من رحمته، فتحرك الجبل، واهتزت الأرض في الحين نفسه بطريقة مدهشة ومروعة، وبُهت الخليفة وكل من أحاطوا به ومسهم الرعب وظلوا مذهولين أمداً طويلاً..."، وفق رواية بولو.

واختتم حكايته بالتأكيد على أن الخليفة المستعصم "اعتنق المسيحية سراً. وارتدى صليباً حول عنقه أخفاه تحت ملابسه. كما اعتاد المسيحيون في العراق أن يستذكروا تلك الحادثة المقدسة في كل سنة. فيصوموا ليلتها ويجتهدوا في العبادة والصلاة".

من الملاحظات الجديرة بالذكر، أن قصة نقل الجبل تكررت في العديد من الثقافات المختلفة في شتى أنحاء المنطقة العربية، وأنها كانت شائعة في الأوساط المسيحية التي مثلت أقليات في مجتمعات ذات أغلبية إسلامية.

على سبيل المثال وردت نفس القصة في الكتابات القبطية التي تحدثت عن القديس سمعان الخراز في مصر، وكيف أنه نقل جبل المقطم بعد استهداف المسيحيين المصريين من قِبل الخليفة الفاطمي العزيز بالله.

يعكس ذلك التواتر أن بولو لم يهتم كثيراً بالتأكد من الأخبار التي ذكرها في كتابه، وأنه مال لسرد العديد من القصص الشعبية الفلكلورية بغض النظر عن موثوقيتها وصدقها.

مواضيع ذات صلة:

President Ahmed Hassan al-Bakr of Iraq, right, and Saddam Hussein, vice president and chairman of the Baath Socialist Party…
صورة أرشيفية لأحمد حسن البكر وصدّام حسين

في الثلاثين من يوليو 1968، كان عبد الرزّاق النايف، أولُ رئيس حكومة عراقية بعد انقلاب حزب البعث على حكم الرئيس عبد الرحمن عارف في 17 يوليو من ذلك العام، يتناول الغداء في القصر الجمهوري مع الرئيس أحمد حسن البكر، شريكه في الانقلاب.

وبدل أن تدخل القهوة لدى فراغهما من الطعام، دخل صدام حسين مع مجموعة من البعثيين المسلحين وطلبوا من رئيس الوزراء المصدوم مغادرة العراق فوراً.

كان ذلك انقلاباً على الانقلاب. دبّره صدّام حسين، بمباركة البكر، ونفذه بعد 13 يوماً فقط على نجاح البعثيين في الإطاحة بعبد الرحمن عارف، بالتعاون مع مجموعة من الضباط العسكريين المخضرمين الذين كانت لديهم خبرة في الانقلابات والتخطيط لها منذ الخمسينات، وعلى رأسهم البكر، و"الرجل الثاني في حزب البعث آنذاك"، الشاب صدّام حسين الذي كان يوصف بأنه "ذو طموح جامح وقاسي القلب"، وكان له حينها من العمر 31 عاماً فقط.

يروي عضيد داوشيه، في كتابه "العراق: تاريخ سياسي من الاستقلال إلى الاحتلال"، كيف دبّر البعثيون انقلاب السابع عشر من يوليو، عبر إغراء أهم شخصيتين كانتا إلى جانب عارف، وهما عبد الرزاق النايف، رئيس الاستخبارات العسكرية، وعبد الرحمن الداود قائد الحرس الجمهوري، الذين كانا يطمحان إلى السلطة والامتيازات. 

وبالفعل لعب النايف والداود دوراً رئيسياً في نجاح الانقلاب، وجرى الإعلان عن كابينة وزارية تتكون من البكر رئيساً، والنايف رئيساً للوزراء والداود وزيراً للدفاع.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

وبحسب داوشيه، فقد كان صدّام حسين من أكثر المصرّين على احتكار البعث للسلطة، وأخبر المتآمرين البعثيين بعد نجاح الانقلاب في 17 تموز أن التخلص من النايف والداود بعد نجاح الانقلاب، لا يقل ضرورة عن التحالف معهما قبل الانقلاب. وطلب أن توكل إليه مهمة الانقلاب على غير البعثيين في مكان وزمان يحددهما هو فقط.

وهكذا حدد صدّام الثلاثين من يوليو موعداً لتنفيذ انقلابه على الانقلاب. فداهم النايف وهو يتناول الطعام مع الرئيس، وأبلغه التخلي عن خدماته وأمره بمغادرة العراق فوراً، كما أوصاه المسلحون الذين رافقوا صدّام بأن لا ينسى "إذا ما أراد البقاء على قيد الحياة، تحية الحرس قبل صعود سيارته الرسمية"، بحسب حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً".

صورة لعبد الرزاق النايف من موقع ويكيبيديا

أما الداود، فجرى إيفاده إلى الأردن في مهمة تفاوضية، ثم جرى إعلامه بألا يرجع إلى العراق وأن يأخذ منصب سفير. وهكذا خلت الساحة تماماً لحزب البعث ليحكم ويشكّل بنية الدولة العراقية ويوجّه سياساتها.

إلا أن حكاية النايف مع صدّام حسين، لم تنته بمغادرته العراق، رغم امتثاله للأوامر. فبحسب صاغية: "بعد أن شُحن النايف جواً إلى المغرب، جرت في العام 1973 محاولة فاشلة لاغتياله هناك. تبعتها، بعد خمس سنوات، محاولة ناجحة في لندن".

وبحسب المؤرخ كمال الديب في كتابه "موجز تاريخ العراق"، فإن صدام "لم يترك النايف وشأنه، إذ لحقه إلى منفاه في لندن حيث اغتاله عملاء عراقيون في يوليو 1978 أمام فندق إنتركونتيننتال".