عباءة النجف

يعرف المجتمع العراقي تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه. يعيش في بلاد الرافدين عرب وأكراد وتركمان، ومجموعات أخرى، مثل الزرادشتيين والمندائيين والإيزيديين والمسيحيين واليهود. تميزت تلك الجماعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هوياتها. 

ما هي تلك الملابس؟ وكيف ارتبطت بالديانات والقوميات والمذاهب؟.

 

نبذة تاريخية

منذ آلاف السنين، عرف العراقيون القدماء أهمية الملابس في التعبير عن الهوية الجمعية المميزة.

في هذا السياق تقول الباحثة نـور خضيـر بدر في دراستها "الألبسة والأزياء ومظاهر الزينة في العهد الآشوري القديم" إن "المظاهر الخارجية للأفراد في حضارة العراق كانت رمزاً لهم وصورة لعكس الشخصية والمنصب، كما كانت تنوب أحياناً حتى عن  مالكها".

وصلت الأزياء العراقية إلى أعلى مستويات تطورها في العصور الإسلامية، تحديداً في عصر الخلافة العباسية. في تلك الحقبة ارتدى الخلفاء العباسيون الملابس المهيبة الملونة باللون الأسود، تمييزاً لهم عن الأمويين الذين عُرفوا بالملابس البيضاء، والعلويين الذين ارتدوا الملابس خضراء اللون.

تذكر الباحثة سامية إبراهيم لطفي السمان في دراستها "تاريخ وتطور الملابس عبر العصور" أن "الملابس العباسية تكونت من العديد من القطع، اشتملت ملابس الرجال على السراويل الفضفاضة، والقمصان، والقفاطين، والقلنسوات، والأحذية والنعال. أما النساء فلبسن الملاءة الفضفاضة، والبرنس المرصع بالجواهر، والمناديل. من جهة أخرى، اتخذ اليهود والمسيحيون بعض الأزياء والملابس الخاصة بهم، كالزنار الذي يُشد على البطن، والطيلسان الذي يلبس على الرأس".

في كتابه "قصة الحضارة"، تحدث المؤرخ الأميركي ويل ديورانت عن تطور الملابس في العراق القديم، وعن علاقة هذه الأزياء بالإمكانيات المادية المتاحة في ذلك العصر.

يقول ديورانت إن "العراقيين القدماء اعتادوا أن يصنعوا الملابس من جلود الأغنام، ومن الصوف المغزول الرفيع. كانت النساء في تلك العصور يرتدين المآزر المنسدلة على أكتافهن، أما الرجال فكانوا يغطون الجزء الأسفل من أجسامهم، فيما يتركون الجزء الأعلى عارياً. مع التقدم الحضاري، غطى الرجال أجسادهم بشكل كامل. واعتاد الناس على انتعال الأحذية".

 

أزياء مرتبطة بالأصول العرقية

تحضر العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. على سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية. يمثل الأكراد حوالي ١٠-١٥ في المئة من العراقيين. ويتميزون ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين، الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق. ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الخصر ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني".

تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي، أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال".

ويتكون من قطعتين جاكيت وسروال وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو مصنوع من الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، وذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً، يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة".

وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات.

تحت هذه الدشداشة، ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف، ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة. أما الجزء العلوي من الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام، لا يزيد طولها على 25 سنتيمتراً.

هناك أيضاً الأزياء التركمانية، يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد، ويوجد اختلاف كبير في تقدير أعدادهم. ويذهب كثيرون إلى القول بأنهم بين مليونين إلى مليونين ونصف المليون نسمة. ويتوزعون في المناطق الشمالية والوسطى من العراق، حيث ينتشرون في محافظات نينوى وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين وفي بعض أحياء العاصمة بغداد.

على الرغم من انخراطهم في المجتمع العراقي، فإن التركمان عملوا للحفاظ على هويتهم العرقية من خلال الحفاظ على ارتداء بعض الثياب التقليدية الخاصة بهم.

تتكون تلك الثياب من الصاية (رداء طويل يلبس فوق الثوب)، والجاكيت (السترة: لباس يغطي النصف الأعلى من الجسم)، والجراوية (شماغ: قطعة قماش تلف فوق الرأس). ويوجد أيضاً زي مخصص للنساء، لونه سماوي يلبس فوقه عرقجين (غطاء الرأس) ويكون ثخيناً قليلاً، ويتلون بالنجوم والحلقات، والخيوط الذهبية أو الرصاصية، وفي الأسفل دشداشة (ثوب طويل) مزخرف أيضاً وملون بالخيوط الذهبية والفضية، وحذاء خاص.

الأزياء الدينية

تتميز بلاد الرافدين بالتنوع الكبير في المعتقدات والأديان والمذاهب. انعكس هذا التنوع بالتبعية على الأزياء والملابس الفلكلورية ذات الصبغة الدينية. مثال على ذلك، بعض الملابس الدينية التي يرتديها الطلبة الشيعة أثناء تلقيهم الدروس العلمية في حوزات الأشرف.

في المعتاد، يرتدي طالب الحوزة، العمامة البيضاء، أما إذا ما كان هذا الطالب من نسل النبي محمد، فإنه يرتدي العمامة السوداء تمييزاً له ولنسبه الشريف. كذلك يرتدي الطالب العباءة التي تشبه تصميم الزي العربي، ويرتدي تحتها القميص أو الدشداشة.

من جهة أخرى، يرتدي الصابئة المندائيون أزياء خاصة بهم. وصفت الليدي دراوور ذلك الزي بشكل مفصل في كتابها "الصابئة المندائيون". يُسمى هذا الزي باسم "الرستة"، ويجب أن يرتديه الشخص المندائي في جميع المناسبات الدينية كالتعميد والزواج والوفاة. ويرمز إلى كساء النور الذي ترتديه الروح الطاهرة بحسب المعتقدات المندائية.

تتكون "الرستة" من سبعة أجزاء، لكل منها مواصفات خاصة، وهي القميص: ويسمى "كسويا" ويُصنع من قماش قطني أبيض. والـ "دشتا": وهي رقعة من نفس القماش تُخاط من الخارج من أعلى الناحية اليمنى من فتحة الصدر. والشروال: وهو السروال. و"التكه": وهو الخيط الذي يشد السروال إلى البطن.

والـ"برزنكا"، أي العمامة، وهي عبارة عن قطعة من الموزلين الأبيض عرضها حوالي الذراع، تلف ثلاث لفات حول الرأس وتترك إحدى النهايتين مدلاة فوق الكتف الأيسر. و"القبوعة": وهي قطعة طويلة ضيقة من الموزلين تُلقى على الكتفين. وأخيراً، "الهميانه" وهو الزنار الذي يتكون من 60 خيطاً، مصنوع من الصوف.

في سياق مشابه، تعرف الديانة الإيزيدية التي تعيش في شمالي غرب العراق أزياء دينية خاصة بها. ويغلب اللون الأبيض عليها، في إشارة إلى معاني النقاء والصفاء والسلام الروحي.

ويطعّم الشال في ملابس عشائر "جوانا" بخيط أحمر ويلبسون حزاماً قماشياً أحمر فوق الشال، أما ملابس الفقراء، فهي بدون خيوط حمراء وحزام.

الأزياء الشعبية

عرفت بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء الشعبية الفلكلورية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق" يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يتحدث الجادر أولاً عن ملابس البدو وسكان الأرياف، فيذكر أنها بسيطة، وتتألف في العادة من السروال والدشداشة. ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، التي تكون -في أغلب الأحيان- مقلّمة باللونين الأبيض والأسود. بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر. أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق، ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف. يُلون عادة باللون الأسود، ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً ما يكون بدون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر يلتف صدر الثوب الأيمن على الأيسر.

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.