Tourists visit Roman ruins in Palmyra, Syria, Tuesday, May 11, 2023. Palmyra was captured by the Islamic State militants in…
سياح يزورون الآثار الرومانية في مدينة تدمر السورية التي تعرضت للكثير من التدمير من قبل "داعش"- تعبيرية

أعاد اعتداء مجموعة من الزائرين العراقيين على قبر مؤسس الدولة الأموية الصحابي معاوية بن أبي سفيان، النقاش حول حماية الآثار السورية وتحديد المسؤوليات في ما يتعلق بالكثير من المواقع الأثرية والتاريخية والدينية التي تتعرض للاستباحة والتخريب والتدمير منذ عام 2011.

وصف المجلس الإسلامي السوري الاعتداء بأنه يأتي "ضمن ممارسات طائفية دنيئة وبشعة"، حمّل مسؤوليتها لما أسماه "الخطر الإيراني الطائفي التوسعي".

وبمعزل عن الحساسية والصراع التاريخي، فإن "غالبية السوريين ينظرون إلى معاوية باحترام وتقدير، نظراً إلى مكانته التاريخية ودوره في بناء المجد الذي نعمت به دمشق لما يناهز ١٠٠ عام في فترة الحكم الأموي"، بحسب الباحث والروائي السوري تيسير خلف.

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان يعتزّ بمعاوية، وكان يضع لوحة له في قصره، لذا فإن الموضوع بالنسبة إلى السوريين بغالبيتهم ليس طائفياً". 

تعرّض قبر معاوية للتدمير أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، وأقدم تجديد كان في الفترة الأيوبية - المملوكية، وُجدد أيضاً خلال العقود الأخيرة، وفقاً لخلف.

ويضيف: "يشكّل قبر معاوية معلماً تاريخياً مهماً، للعالم عموماً وللمسلمين خصوصاً، ويوثّق حقبة طويلة من التاريخ المؤسس للوجود الإسلامي في العالم عبر الحكم الأموي، وهو مثل الكثير من الآثار السورية، يجب أن تكون تحت سلطة وحماية الدولة".  

 

دور "اليونسكو"

يطرح الاعتداء على القبر وما سبقته من اعتداءات طالت مقامات ورموزاً تاريخية، منها تمثال الفيلسوف والشاعر العربي أبي العلاء المعرّي في معرّة النعمان على يد تنظيم جبهة "النصرة"، تساؤلات عن قدرة النظام السوري على حماية المقامات التاريخية الكثيرة الموجودة في البلد.

وخلال السنوات الماضية، تعرّضت مواقع أثرية كثيرة للتدمير والتخريب على يد تنظيمات متطرفة مثل "داعش" وجبهة "النصرة"، كما كان النظام نفسه سبباً أيضاً خلال عمليات القصف التي نفذها.

هذا الملف يؤرق علماء الآثار المهتمين بالتاريخ حول العالم، خاصة السوريين منهم.

عالم الآثار والمؤرخ السوري سعد فنصة أحد المنغمسين في تتبّع أحوال الآثار السورية ورصد الضرر الذي لحق بها، يبدو حزيناً وغاضباً لما انتهت إليه الكثير من آثار سوريا.

يحمّل فنصة النظام السوري بدرجة أولى المسؤولية عن "تعرّض الثروة الآثارية والتاريخية السورية للتخريب والنهب".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "التعامل مع الآثار بخفّة ليس جديداً على النظام السوري، بل يعود إلى عقود قبل اندلاع الثورة عام 2011".

ويضيف: "تعرضت الكثير من المواقع الأثرية إما للتخريب بسبب عمليات التنقيب والحفر العشوائية أو للنهب والسرقة، لكن مرحلة ما بعد عام 2011، كانت مجنونة".

يبدو العالم السوري متشائماً من إمكانية ضمان حماية الآثار والمقامات السورية في المستقبل "في ظل وجود النظام السوري"، كما لا يبرّئ منظمة "اليونيسكو" والمجتمع الدولي والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية من تقصيرهم في حماية الآثار والتدخل الحازم لمنع الاعتداءات التي تطالها.

"وصل الأمر إلى بيع قطع أثرية منقّبة من سوريا على موقع (ebay) التجاري" وفقاً لفنصة الذي يشير إلى أن "المتاحف العالمية اتخمت بالآثار السورية المسروقة".

وفي عام ٢٠١٥ قالت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) إن "تنظيم داعش نهب الآثار في المناطق الخاضعة لسيطرته في سوريا، ولعل أبرزها مدينة تدمر".

"لا أحد يستطيع أن يحمي قبراً في مقبرة"، يقول الباحث والمؤرخ تيسير خلف.

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مقبرة الباب الصغير التي تضم ضريح معاوية، مفتوحة لجميع الناس ومن العبث تخصيص حراس لحمايتها، وهذا الأمر (أي الخوف من الاعتداء على القبور والمقامات) لم يكن مطروحاً في سوريا قبل عام 2011، لكن هذا لا يعفي النظام من مسؤولية حماية المواقع الأثرية في المناطق الخاضعة لسيطرته".

الأمم المتحدة طرف مراقب وليست لديها قدرة واقعية على التدخل في هذه الأمور، بحسب خلف الذي يؤكد أن "حماية الآثار مهمة الحكومات والدول، ويفترض بالنظام السوري أن يضطلع بهذا الدور طالما أنه يحكم البلاد".

ويشير إلى أن "الاعتداء على قبر معاوية حدث في العاصمة دمشق التي يسيطر عليها النظام السوري بشكل كامل".

تقتصر محاولات حماية الآثار السورية اليوم، بحسب فنصة، على جهود فردية لبعض النشطاء والمؤرخين وعلماء الآثار الحريصين على تاريخ بلدهم، وليس هناك، كما يؤكد أي جهد مؤسساتي فعّال لحماية الآثار، لا على المستوى المحلي، ولا الدولي.

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

The moon is pictured with the Olympic rings on the Eiffel Tower ahead the Paris 2024 Olympic and Paralympic Games in Paris
هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".