جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

جانب من شارع الرشيد في العاصمة العراقية بغداد- ارفع صوتك
"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.

مواضيع ذات صلة:

وقعت معركة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61هـ، وتحتل مكانة كبيرة في الوجدان الشيعي على وجه الخصوص- من مشهد تمثيلي
وقعت معركة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61ه هجرية- من مشهد تمثيلي

يمتد تاريخ الحضارة في بلاد الرافدين لأكثر من خمسة آلاف سنة، حيث تمكن الإنسان العراقي القديم من استغلال خصوبة أراضيه فأقام مجتمعاً زراعياً متطوراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وعرف السومريون الكتابة، وأسس البابليون والآشوريون إمبراطوريات عظيمة.

أما العباسيون فحكموا دولة الخلافة الإسلامية من عاصمتهم المزدهرة في بغداد، قبل أن يتعرض العراق لصدمات عنيفة على يد كل من المغول والصفويين والعثمانيين والإنجليز. 

على مر هذا التاريخ الحافل، شهدت البلاد معارك حربية دامية تسببت في سقوط العديد من الإمبراطوريات الواسعة، كما أعلنت عن تأسيس إمبراطوريات أخرى. من جهة أخرى، احتفظت بعض المعارك لنفسها بذكرى قوية في الوجدان الشعبي والمذهبي، فماذا نعرف عنها؟ ولماذا حظيت باهتمام كبير وأرّخ لها المؤرّخون؟

 

معركة كركميش

وقعت تلك المعركة في بلدة كركميش الواقعة على نهر الفرات في سنة 605 قبل الميلاد. في تلك الفترة كان الآشوريون يفرضون سيطرتهم على مساحات واسعة من العراق، بينما كان المصريون يحتفظون لأنفسهم بنفوذ قوي في سوريا.

كانت قوة البابليين تتصاعد شيئاً فشيئاً حتى تمكنوا من الانتصار على الآشوريين في بعض المعارك، ثم قاموا بالاستيلاء على نينوى -عاصمة الآشوريين- في 612 ق.م. بعد ثلاث سنوات احتلّوا مدينة حران -العاصمة الثانية للآشوريين- ليُفتح أمامهم الباب للسيطرة على بلاد الرافدين وسوريا.

لم يكن نخاو الثاني حاكم مصر ليقبل باستئثار البابليين بالسيطرة الكاملة على المنطقة، فتحرك على رأس قواته شمالًا متحالفاً مع بقايا الجيش الآشوري المهزوم.

وحاول أن يستخلص حران من يد البابليين. ولمّا عجز عن ذلك جمع قواته وقاتل البابليين وحلفاءهم من الفرس والميديين في كركميش. انتهت المعركة بهزيمة المصريين والآشوريين وتدمير جيوشهم وانفراد البابليين بالسيطرة على بلاد العراق والشام.

يمكن القول إن نتائج تلك المعركة تسببت في تغيير خريطة القوى السياسية في منطقة الشرق الأدنى القديم، كما مهدت السبل لتأسيس الإمبراطورية البابلية.

 

معركة غوغميلا

وقعت في 331ق.م بمنطقة غوغميلا شمالي العراق الحالي. وكان الإسكندر المقدوني تمكن قبلها بسنوات من توحيد بلاد اليونان تحت رايته، وعزم على الاستيلاء على أملاك الإمبراطورية الفارسية الإخمينية الواسعة في منطقة الشرق الأدنى القديم.

تمكن الإسكندر من دحر جيوش الفرس في مصر وفلسطين وسوريا، ووصل في تقدمه إلى العراق. وفي قرية غوغميلا القديمة دارت رحى الحرب الأخيرة الحاسمة بينه وغريمه دارا الثالث إمبراطور الفرس.

في تلك المعركة، اقترب تعداد اليونانيين من خمسين ألف مقاتل، فيما تشكل الجيش الفارسي من مئات الآلاف الذين تم جمعهم بشكل سريع من جميع أنحاء الإمبراطورية.

كذلك استعان الفرس بالعشرات من الفيلة الحربية المُدربة التي اعتادت أن تشارك في الحروب الآسيوية.

رغم التفوق العددي للفرس، تمكن الإسكندر من الانتصار بفضل خططه الحربية المتطورة التي لم يتمكن دارا الثالث من مجاراتها. يقول المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" واصفاً انتصار اليونانيين في تلك المعركة: "كان نصره -أي الإسكندر- مؤزراً حاسماً، فلم تستطع جيوش دارا المختلة النظام أن تصمد أمام فيالق الإسكندر المتراصة، ولم تعرف كيف تدافع عن نفسها أمام هجمات الفرسان المقدونيين السريعة المتكررة، فتبدد شملها وولت الأدبار...".

فتح الانتصار الباب واسعاً أمام وصول الإسكندر المقدوني إلى بابل عاصمة العراق، ولعبت هذه المعركة دوراً مهماً في تأسيس الإمبراطورية اليونانية القديمة، ونشر الحضارة الهيلينية في معظم بلدان الشرق الأدنى.

 

معركة القادسية

وقعت تلك المعركة في سنة 15 هجرية (636 ميلادية) في قرية القادسية على بعد 27 كيلومتر غربي مدينة الكوفة القديمة. تذكر المصادر التاريخية الإسلامية أن الجيوش العربية استغلت الإضراب الواقع في بيت الحكم الساساني، وتوغلت في الأراضي العراقية زمن الخليفة الأول أبي بكر .

بعد ذلك، تمكن العرب من تحقيق العديد من الانتصارات على الإمبراطورية الفارسية الساسانية زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.

في السنة الخامسة عشر من الهجرة، حاول الفرس أن يضعوا حداً للخطر العربي على نفوذهم في العراق، فجمعوا جيشاً قوياً يزيد عن مئة ألف فارسي. وتمركزوا قرب القادسية انتظاراً لقتال العرب.

على الجانب الآخر، عمل عمر بن الخطاب على جمع المقاتلين من كافة القبائل العربية. يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أن الخليفة أرسل إلى رؤساء القبائل "يأمرهم ألا يدعوا أحداً له سلاح أو فرس، أو نجدة أو رأي، إلا انتخبتموه، ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل".

على إثر تلك التعبئة، نجح المسلمون في تكوين جيش يناهز 40 ألف مقاتل وتوجه الجيش تحت قيادة سعد بن أبي وقاص لقتال الفرس في موقعة القادسية.

دارت أحداث المعركة على مدار أربعة أيام كاملة، وتبادل الطرفان التفوق. في النهاية، انتصر المسلمون ونجحوا في تشتيت الجيش الفارسي؛ لينفتح أمامهم الطريق نحو غزو الهضبة الإيرانية والقضاء على الإمبراطورية الساسانية.

من جهة أخرى، بقيت ذكرى المعركة حاضرة في الوجدان الإسلامي وارتبطت بالتفوق العربي على الفرس.

في العصر الحديث، تم استعادة ذكرى المعركة أثناء الحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين، وفي سنة 1981 قدمت السينما العراقية فيلماً عن أحداث المعركة باسم "القادسية"، قُدرت تكاليف إنتاجه بحوالي أربعة ملايين دينار عراقي (حوالي 15 مليون دولار وقتها)، وكانت ميزانية الفيلم هي الأعلى في تاريخ السينما العربية حتى توقيت عرضه.

 

معركة كربلاء

توفي الحسن بن علي بن أبي طالب في سنة 50هـ. وتصدر بعدها أخوه الحسين بن علي المشهد السياسي بوصفه قائداً روحياً للمعسكر العلوي المعارض للسلطة الأموية الحاكمة.

بقي الحسين محافظاً على شروط الصلح الذي أبرمه الحسن مع معاوية بن أبي سفيان. ولكن بعد وفاة معاوية في 60 هـ، واعتلاء ابنه يزيد لكرسي السلطة، سادت روح التذمر والسخط في المعسكر العلوي؛ لما عُرف عن يزيد من طباع سيئة. بالإضافة إلى أن الصلح الذي عُقد ما بين الحسن ومعاوية، كان قد نص على أن يُترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين بعد وفاة معاوية، بحسب ما يذكر الطبري في تاريخه.

تطورت الأحداث بسرعة بعد ذلك، فقد رفض الحسين مبايعة يزيد بن معاوية بالخلافة. وترك المدينة متوجهاً إلى مكة، وهناك وردته كتب مؤيديه في العراق يطلبون منه القدوم عليهم ويتعهدون له بالنصرة والحماية.

تقول إحدى الرسائل التي أرسلوها إليه: "أما بعد، فقد اخضرت الجنان، وأينعت الثمار، فإن شئت فأقدم على جند لك مجندة"، كما ورد في كتاب "تاريخ اليعقوبي".

أرسل الحسين بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتثبت من الأمر، ولمّا جاءه رد مسلم مؤكداً له عزم الكوفيين على نصره، تحرك حفيد الرسول إلى العراق. في الوقت ذاته، كان والي الكوفة عُبيد الله بن زياد، قد تمكن من إخضاع الكوفة بشكل كامل للسلطة الأموية.

في كربلاء، في العاشر من محرم سنة 61 هـ، واجه الحسين الجيش الأموي. تقول المصادر الشيعية مثل "التتمة في تواريخ الأئمة" لتاج الدين العاملي، إن أنصار الحسين في المعركة لم يتعدوا 150 رجلاً، بينما اقترب عدد الأمويين من 30 ألف رجل!

انتهت المعركة بوقوع مذبحة كبرى راح ضحيتها الحسين والعديد من أقاربه وأنصاره، ولم يسلم منها سوى النساء والأطفال وعدد من الرجال المصابين. 

احتلت تلك الموقعة مكانة كبرى في الوجدان الإسلامي بشكل عام، والشيعي منه على وجه الخصوص. كما أضحت ذكراها السنوية مناسبة مقدسة لدى الملايين من المسلمين الشيعة حول العالم.

 

معركة كوت العمارة

جرت أحداث تلك المعركة أثناء الحرب العالمية الأولى في مدينة الكوت الواقعة على ضفاف نهر دجلة جنوبي شرق العراق.

في تلك الفترة، خاض العثمانيون الحرب بجوار كل من ألمانيا والنمسا (دول المركز) ضد دول الائتلاف المكونة أساسا من روسيا وإنجلترا وفرنسا.

في 1915، أطلقت إنجلترا حملة عسكرية كبيرة بقيادة الجنرال تشارلز تاونسند لتطويق الجيش العثماني المتمركز في العراق. تمكن الإنجليز في بادئ الأمر من السيطرة على البصرة، ولكنهم فشلوا في دخول بغداد، ليضطروا بعدها للتراجع إلى مدينة الكوت.

على إثر ذلك التراجع قام العثمانيون بفرض الحصار على القوات الإنجليزية في الكوت وضربوها بالمدفعية لأيام طويلة. أثناء ذلك، نجح الجيش العثماني في إفشال العديد من المحاولات لفك الحصار، وتمكن من الانتصار على القوات الإنجليزية التي قادها الجنرال أيلمر في معارك "شيخ سعد" و"الوادي" و"أم حنة".

على مدار أكثر من أربعة أشهر عانى الإنجليز المُحاصرون من الجوع والمرض بعدما نفدت منهم المؤن والأغذية، واضطر 13 ألف جندي لإعلان استسلامهم في نهاية المطاف في 29 أبريل 1916.

اُعتبرت "كوت العمارة" من أكبر الهزائم التي لحقت بالقوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، ولا تزال المعركة موضع فخر وتمجيد من قِبل الأتراك حتى الآن، باعتبارها آخر الانتصارات الكبرى التي حققها العثمانيون على الدول الأوروبية.