أتباع الطريقة الصوفية في تركيا خلال إحدى المناسبات- أرشيف
أتباع الطريقة الصوفية في تركيا خلال إحدى المناسبات- أرشيف

مر التصوف كغيره من المذاهب الإسلامية بالعديد من المراحل التاريخية المفصلية التي شكلته كمذهب فكري مهم. وأحياناً، اتجه المتصوفة للعنف فدخلوا في منازعات مع المخالفين لهم، ولكن في الغالب مالوا للهدوء والتعايش السلمي، حتى أضحى التسامح وقبول الآخر علامة مميزة لهم عبر القرون.

نلقي الضوء في هذا المقال على بعض التجليات الصوفية للتسامح، التي ظهرت في أشعار وكتابات ومواقف كبار الصوفية في التاريخ الإسلامي.

أكراد عراقيون صوفيون في احتفال بالمولد النبوي في بلدة عقرة في محافظة دهوك، في 7 نوفمبر 2019.
الرفاعية، والنقشبندية، والكسنزانية.. تعرف على صوفية العراق!
عاش العديد من أعلام الصوفية في العراق عبر القرون، ومنهم كل من رابعة العدوية، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد البغدادي، والحسين بن منصور الحلاج الذ اُتهم بالكفر والزندقة. حالياً، تنتشر العديد من الطرق الصوفية في الأراضي العراقية. ما هي أهم تلك الطرق؟ ومن أبرز قادتها؟ وكيف يؤثر الحضور الصوفي في الواقع العراقي؟

 

رفض احتكار الحقيقة المطلقة

رفض الكثير من المتصوفة القول باحتكار الحقيقة المطلقة، فتسامحوا مع باقي الأفكار والآراء وقبلوا بوجودها، ولم ينشغلوا بالعمل على القضاء عليها.

في كتابه "التصوف: الثورة الروحية في الإسلام" عمل الباحث أبو العلا عفيفي على تفسير هذا التوجه، فذكر أن الصوفية فهموا "الحقيقة" بشكل مختلف عن فهم باقي المذاهب. فهب بالنسبة لهم "المعنى الباطن المستتر وراء الشريعة. بالتالي فإنهم لم يفهموا في أي وقتٍ من الأوقات من الدين حرفيته، ولا من الشريعة مجرد طقوسها، بل كانوا دائماً ينحون في فهم الدين والشريعة نحواً يختلف قليلاً أو كثيراً عن نحو الفقهاء، وفي هذا تظهر ثورتهم عليهم".

هذا الفهم حدا بالمتصوفة لرفض الاعتماد على المعنى الحرفي للنص الديني، فأُتيحت لهم فرصة تأويل النص بما يتسق مع الروح المتسامحة التي لطالما ميزت مذهبهم وطريقتهم.

تُعدّ مسألة الجهاد واحدة من أهم المسائل التي تظهر اختلاف التأويل الصوفي للمفاهيم المرتبطة بالشريعة. على سبيل المثال يشرح محي الدين بن عربي -وهو من كبار شيوخ الصوفية في القرن السابع الهجري- مفهوم الجهاد في كتابه "الوصايا"، قائلا في نُصح مريديه "...وعليك بالجهاد الأكبر، وهو جهاد هواك، فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد، خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قتلت فيه كنت من الشهداء الذين عند ربهم يرزقون...".

من هنا، يقرر عفيفي نظرة الصوفية للجهاد "فمجاهدة النفس في سبيل الله أعظم خطراً وأعلى قدراً في نظر الصوفية من الجهاد في نصرة دين الله".

انفتاح الصوفية على باقي الأفكار لم يبق رهيناً بالتراث والتاريخ فحسب، بل بقيت تلك الصفة قائمة بين جموع المتصوفة حتى الآن. يقول الباحث المصري عمار علي حسن في كتابه "الصوفية والسياسة في مصر" إن الأغلبية الغالبة من الصوفية لديها استعداد لسماع الرأي الآخر، حتى ولو كان انتقاداً لاذعاً يمس جوهر الطريقة الصوفية ذاته.

وذكر الباحث الفرنسي الجنسية المسلم الديانة، إريك يونس جوفروا، في كتابه "المستقبل للإسلام الروحاني" أن التصوف بما فيه من انفتاح على كافة الأفكار الموجودة، يمكن أن يكون البديل الحقيقي لجميع تيارات الإسلام السياسي التي تقوم على ركائز التعصب والكراهية ورفض الآخر.

 

الاعتراف بجميع الأديان

انفتاح الصوفية على الأفكار المخالفة لهم، قادهم لقبول كافة الأديان والمذاهب التي تعايشوا مع معتنقيها في سلام وأمان. أورد الصوفي الكبير أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري في كتابه "فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة" الحديث الشهير المنسوب للنبي "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، لكن بصيغة مختلفة، إذ قال "ستفترق أمتي نيفاً وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة".

وفي الكتاب نفسه، فتح الغزالي "باب الخلاص" أمام معتنقي الأديان الأخرى عندما قال إن "أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس ولم تبلغهم الدعوة...".

قبول الآخر والانفتاح على المخالف الديني ظهر كذلك في العديد من القصائد الشعرية الصوفية التي ذاعت على الألسن على مرّ الزمان، من أشهرها قول ابن عربي:

"لقد صار قلبي قابلاً كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ * وألواح توراة، ومصحف قرآنِ

أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ * ركائبه، فالحب ديني وإيماني"

في القرن السابع الهجري، تأصلت هذه الروح في نفوس جموع الصوفية من خلال دروس جلال الدين الرومي في مدينة قونية بالأناضول. في كتابه الشهير "المثنوي" حكى الرومي لتلاميذه قصة الفيل والعميان، وهي قصة مقتبسة من التراث البوذي، تحكي عن مجموعة من العميان أحاطوا بفيل كبير الحجم كل واحد منهم أمسك بجزء منه، وبعدها أقسم كل منهم أنه كان بجوار شيء مختلف بناءً على تجربته الخاصة بالجزء الذي كان قريباً منه.

من خلال تلك القصة الطريفة، علم الرومي تلاميذه أنه لا سبيل للإحاطة بكامل الحقيقة وأن هناك سُبلا متعددة للوصول لها. في هذا المعنى قال الرومي جملته الشهيرة "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"، كما قال في موضع آخر من كتابه "اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف".

في دراسته "التصوف الإسلامي ومشروعية التسامح جلال الدين الرومي نموذجاً"، يذكر الباحث شويني علي أن طريقة الرومي في التسامح مع باقي الأديان أتت أكلها في إشاعة السلام والطمأنينة بين أتباع الأديان المختلفة، إذ روي أنه لمّا خرجت جنازة جلال الدين الرومي ازدحم عليها أهل بلده، وشيعها حتى النصارى واليهود وهم يتلون الإنجيل والتوراة، وبلغ ذلك حاكم البلد قونية، فقال لرهبانهم "ما لكم وجنازة عالم مسلم فأجابوه: به عرفنا حقيقة الأنبياء السابقين، وفيه رأينا سيرة الأولياء الكاملين".

"سيدة الزمان وخليفة الله".. المرأة في حياة وفِكر ابن عربي
يخبر عنها ابن عربي بقوله، إنه التقاها وهو شاب في العشرينات لا يزال يتلمس خطاه الأولى على طريق التصوف. وذكر في كتاب "الفتوحات المكية": "خدمتُ أنا بنفسي امرأة من المحبات العارفات بإشبيلية يقال لها فاطمة بنت ابن المثنى القرطبي. خدمتها سنين وهي تزيد في وقت خدمتي إياها على خمس وتسعين سنة، وكنت أستحي أن أنظر إلى وجهها وهي في هذا السن من حمرة خديها وحسن نعمتها وجمالها تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعمتها ولطافتها...".

 

العفو والصفح

ظهر تسامح الصوفية أيضاً في ميلهم للعفو والصفح عن أعدائهم، ووضح ذلك الملمح في سيّر العديد من كبار المذهب. يذكر علي بن أنجب الساعي البغدادي في كتابه "أخبار الحلاج" أن الصوفي الكبير الحسين بن منصور الحلاج لمّا قُبض عليه واُقتيد للقتل دعا الله وقال "هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليتُ بما ابتليت".

كذلك ظهر ملمح التسامح مع الأعداء والمبغضين في سيرة الصوفي أحمد بن علي الرفاعي، الذي تُنسب له الطريقة الرفاعية المنتشرة في العراق وسوريا ومصر. يسجل عبد الوهاب الشعراني في كتابه "الطبقات الكبرى"، العديد من القصص التي تعبر عن ذلك الاتجاه، من ذلك أنه قد "لقيته مرة جماعة من الفقراء فسبوه وقالوا له يا أعور يا دجال يا من يستحل المحرمات، يا من يبدل القرآن يا ملحد يا كلب"، فلم يزد الرفاعي عن كونه قد عاملهم بكل لين ورفق وتواضع، وكشف لهم عن رأسه وقبل الأرض وقال لهم "يا أسيادي، اجعلوا عبيدكم في حل" وبالغ في استعطافهم واسترضائهم، حتى قالوا "ما رأينا قط فقيرا مثلك، تحمل منا هذا كله ولا تتغير".

في السياق نفسه، يروي الشعراني أن الرفاعي كان إذا عرف أن الصوفية يريدون أن يضربوا أحد إخوانهم لزلة وقعت منه قام باستعارة ثيابه ونام فيها، وضُرب بدلاً منه، حتى إذا ما انتهوا من فعلهم، قال لهم "ما كان إلا الخير، كسبتمونا الأجر والثواب".

 

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.