صورة أرشيفية للشاعر العراقي معروف الرصافي
صورة أرشيفية للشاعر العراقي معروف الرصافي

"إني إذا أُهدي إليك تحيّتي... أهزُّ بك الجيل العقوق المعاصرا"، بهذا البيت اختتم الشاعر العراقي الشهير محمد الجواهري قصيدة خصصها لمدح صديقه الشاعر معروف الرصافي، الذي تمر ذكرى وفاته في 16 مارس المقبل.

الرصافي أديب غزير الإنتاج تجاوزت أشعاره تسعة آلاف بيت، حسبما أحصاها منجد بهجت في دراسته "ثلاثية الفقر والمرأة والطفولة كما يصوّرها معروف الرصافي".

هذا الرقم كان مرشحاً للزيادة لولا ما عُرف عن الرصافي بكثرة نسيانه وعدم عنايته بتوثيق مُنجزاته الأدبية حتى أنه صرّح لأصدقائه أنه كان يكتب القصائد ثم ينساها ولا يذكر منها إلا بيتاً أو اثنين، أيضاً تعرض بيته لحريق أضاع أشعاراً مكونة من 600 بيت ألّفها في مناسبات مختلفة، كما ذكر محمود العبطة في بحثه "آثار الرصافي".

يقول المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير (Régis Blachère) في دراسته "الشعر العربي في العراق وبغداد حتى معروف الرصافي"، إن "شعره يستلهم الشكل والمادة من معانٍ إنسانية خالدة، فمشاهد البؤس والألم تهزّه وتوحي إليه بأشعار تتمازج فيها رقة الإحساس بوضوح الرؤية".

وأضاف أن هذه الأبيات خلّفت تأثيراً كبيراً على الشعراء الذين عاشوا ما بين الحربين، ولولاه لحُرمت الحركة الشعرية في بغداد من الكثير من التطور.

 

ابن "الرصافة" وبغداد

وُلد في بغداد عام 1875، لكنه نشأ في الرصافة حيث تعلّم في الكُتّاب بحسب نظام التعليم الأهلي القائم حينها على التلقين، بعدها انتقل إلى المدرسة الرشيدية، إحدى معالم نظام التعليم الجديد الذي تبنته الدولة.

وبعد بعد أربع سنوات قضاها الرصافي داخلها لم يستطع اجتياز امتحان السنة الرابعة فتركها وعاد إلى نظام التعليم الأهلي، وبات من طلاب العلامة محمود شكري الألوسي الذي فقّهه في علوم اللغة العربية والنحو والمنطق طيلة 10 سنوات.

خلال هذه الفترة كانت البلاد تحت سيطرة العثمانيين فنظم عدة قصائد تدعو للثورة وتُندد بالظّلم العثماني، قال في إحداها "وهبنا أمة هلكت ضياعاً... تولّى أمرها عبدالحميد".

في 1908 أجبر زعماء جمعية "الاتحاد والترقي" السلطان العثماني عبدالحميد على العمل بالدستور، ثم أسّست الجمعية فروعاً لها في عواصم الولايات العربية، كانت إحداها في بغداد، فأصدرت جريدة رسمية باللغتين العربية والتركية كان الرصافي أحد محرريها والمدافعين عن أفكار الجمعية، في هذه الأوقات سجّل موقفه الحاد من الخلافة بقصيدته "الأشرار".

بحسب دراسة "معروف الرصافي والاستقلال العربي" فإن الشاعر العراقي تعرّض للسجن لفترة وجيزة بسبب تأييده الشديد لجمعية "الاتحاد والترقي".

رحل إلى الأستانة حيث عمل محرراً بجريدة "في سبيل الرشاد" ومعلماً للغة العربية في المدرسة السلطانية التابعة لوزارة المعارف، بعدها اختاره طلعت باشا وزير الداخلية ليكون معلمه الخاص في اللغة العربية ثم عيّنه نائباً في مجلس المبعوثان عن إمارة المنتفق سنة 1912.

بعد الحرب العالمية الأولى انتقل الرصافي إلى دمشق ثم إلى القدس التي عُين فيها أستاذاً للأدب العربي في دار المعلمين، عاد بعدها إلى بغداد وعمل في الترجمة ثم أصدر جريدة "الأمل" سنة 1923، ولاحقاً عُيّن مفتشاً في وزارة المعارف ومدرساً للعربية وآدابها في "دار المعلمين"، وفي عام 1928 ابتعد عن المناصب الحكومية.

انتُخب الرصافي عضواً في مجلس النواب العراقي لمدة ثمانية أعوام، وحينما قامت "ثورة الكيلاني" عام 1941 كان من أشد المتحمسين لها فنظم أناشيدها، إلا أن فشلها كان له وقعاً كبيراً عليه، فعاش منزوياً بعد ذلك، واعتزل الناس داخل بيته في الأعظمية ببغداد.

 

مناهضة الاستعمار

شهد شِعر الرصافي انشغاله الكبير بالسياسة؛ فخلال العهد العثماني أظهر معارضةً كبيرة للخليفة عبدالحميد، فكانت أشهر قصائده "تنبيه النيام" و"رقية الصريح" و"إيقاظ الرقود".

وحينما تعرّض العراق للاستعمار الغربي عارَض الرصافي هذا الاحتلال وكشف عن تفضيله الحُكم التركي -مهما كانت مساوئه- عن الحُكم الإنجليزي.

أظهر الرصافي معارضةً شعرية حادة للإنجليز، وفي ذلك قال الأديب العراقي هلال ناجي "لا يوجد في تاريخ الشعر العربي ولا في تاريخ العراق الحديث شاعر ناهَض الاستعمار وجعل من شعره سوطاً يلهب به ظهور المستعمرين كالرصافي"، كما وثّق محمد زين الحق في بحثه "المقاومة ضد الاستعمار في شعر الرصافي".

فور سقوط بغداد بين أيدي البريطانيين كتب الرصافي قصيدته "نواح دجلة"، وقال فيها "كيف يغمضون على إغاثة وادٍ... فعليه من فخر عثمان تاج"، بعدها ألّف قصيدة "الحق والقوة" التي انتقد فيها استمرار سيطرة الاستعمار على مٌقدرات بلاده قائلاً "قد سمعنا من ساعة الغربي تدّعي... فهم منعوا رق الأسير".

سيطر الإنجليز على العراق في 1917، بعدها بثلاث سنوات شهدت البلاد ثورة عارمة عُرفت بثورة العشرين، أعقبها تأسيس مملكة هاشمية في العراق ترأسها الملك فيصل بن الحسين الهاشمي.

لم ترق هذه الخطوة للرصافي بسبب اعتراضه على شخص الملك الجديد، فسبق وأن هاجَم والده الحسين في قصيدة قال فيها "حتى بدت مخزيات اللؤم مشركة... من الحجاز حسيناً ثالثاً بهما"، أما فيصل نفسه فقد وصفه بأنه "خدين الإنجليز"، كما سخر من الاحتفاء بقدومه في العراق قائلاً "خرج الناس يهرعون احتفاءً بقدوم الأمير غير الأمير".

بعد قيام المملكة العراقية كتب قصيدة "بين الانتداب والاستقلال"، التي جاء فيها  (سل الإنجليزي الذي لم يزل له... أأنت وزير أم عميد وزارة". وفي قصيدة أخرى هي "الوزارة المذنبة" أظهر الرصافي رفضاً كاملاً لهذا النظام الحاكم حتى أنه دعا في نهايتها للثورة عليه وإسقاطه.

في 1923 سيتراجع الرصافي عن هذا الموقف المعارض بعدما بعث للملك فيصل رسالة بلغة أدبية رفيعة يلتمس فيها العفو عنه، قال في جزءٍ منها "عاملوني بالصفح عمّا مضى تدوني أحد الساعين بين يدي جلالتكم بكل صدق وإخلاص"، ثم أنشد بحقه "بدا وجه العروبة في حلوك... غداة مضى الحسين أبو الملوك".

 

نصير المرأة

أظهر الرصافي اهتماماً مبكراً بتحرير المرأة من حبسها داخل المنزل وكان جريئاً في طرح أفكار مغايرة للسائد في مجتمعات الشرق حينها، ففي إحدى قصائده قال "حجبناهن عن طلب المعالي... فعِشن بجهلهن مهتكات"، واشتكى في مواضع أخرى في قصائده العادات والتقاليد التي تحرم المرأة من ممارسة حقوقها فقال "ذلك إنا لا تزال نساؤنا... تعيشُ بجهلٍ وانفصالٍ عن الجمع".

خلال تجربته الشعرية الطويلة ألّف الرصافي عدة قصائد أسهب بها في الحديث عن أوضاع المرأة مثل قصيدة "المرأة المسلمة" و"المرأة في الشرق" و"نساؤنا" و"إلى الحجابيين" و"التربية والأمهات"، تلك القصيدة وصفها أحد زملائه بأنها "لا تزال تشعُّ بنورها القوي في نفوس الفتيات العربيات، ولا نظنُّ فتاة عربية دخلت المدرسة ولم تحفظ هذه القصيدة".

بجانب الشعر ألّف الرصافي دراسة باللغة التركية بعنوان "هل يُمكن المساواة بين المرأة والرجل؟" ألحقها بترجمة لمقالة كتبها الفيلسوف العربي شبلي شميل عن نفس الموضوع.

 

ميراثٌ ضخم ونهاية مؤسفة

بحسب ما أورد محمود العبطة في بحثه"آثار الرصافي"، فإن الرصافي خلّف بعد وفاته 17 مؤلفاً أغلبها كانت دواوين جمعت أشعاره وبعض دروسه في علوم الأدب واللغة، تضمّنت أيضاً كتابه "الشخصية المحمدية" الذي قدّم فيه رؤية علمية تحليلية للرسول محمد، استبعد فيها الأحاديث الضعيفة التي تنطوي على المبالغات، وهي خطورة أثارت جدلاً كبيراً حينها حتى أن البعض اتهمه بالكُفر بسببها.

رغم مسيرته البارزة فإن الإخفاقات السياسية التي عاشها في أواخر حياته بعد فشل ثورة الكيلاني أكسبت شعره سمتاً حزيناً، فقال عن نفسه "إنما أنا خامل مجهول الاسم والشخصية والجنسية، وإني بريء من كل جنسية"، خلال هذه الفترة وضع كتابه "رسائل التعليقات" عام 1944.

وبحسب ما ذكره دكتور داود سلوم في بحثه "الرصافي (1868- 1945)"، فإن فشل
ثورة الكيلاني" قضى على أحلام الرصافي بالعودة للأضواء من جديد فعاش فقيراً منعزلاً في منزل متواضع، بحسب رواية للجواهري الذي زار الرصافي في أيامه الأخيرة، حيث قال: "في تلك الغرفة الجرداء التي لا أنساها أبداً احترتُ أين أجلس إذ ليس فيها كرسي أو خشبة أو حتى حجر للجلوس، لقد انقضى (عصر الرصافي) في هذه الغرفة".

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه، بوصفه "مشروع حسين بن علي سني". وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.