صورة أرشيفية للشاعر العراقي معروف الرصافي
صورة أرشيفية للشاعر العراقي معروف الرصافي

"إني إذا أُهدي إليك تحيّتي... أهزُّ بك الجيل العقوق المعاصرا"، بهذا البيت اختتم الشاعر العراقي الشهير محمد الجواهري قصيدة خصصها لمدح صديقه الشاعر معروف الرصافي، الذي تمر ذكرى وفاته في 16 مارس المقبل.

الرصافي أديب غزير الإنتاج تجاوزت أشعاره تسعة آلاف بيت، حسبما أحصاها منجد بهجت في دراسته "ثلاثية الفقر والمرأة والطفولة كما يصوّرها معروف الرصافي".

هذا الرقم كان مرشحاً للزيادة لولا ما عُرف عن الرصافي بكثرة نسيانه وعدم عنايته بتوثيق مُنجزاته الأدبية حتى أنه صرّح لأصدقائه أنه كان يكتب القصائد ثم ينساها ولا يذكر منها إلا بيتاً أو اثنين، أيضاً تعرض بيته لحريق أضاع أشعاراً مكونة من 600 بيت ألّفها في مناسبات مختلفة، كما ذكر محمود العبطة في بحثه "آثار الرصافي".

يقول المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير (Régis Blachère) في دراسته "الشعر العربي في العراق وبغداد حتى معروف الرصافي"، إن "شعره يستلهم الشكل والمادة من معانٍ إنسانية خالدة، فمشاهد البؤس والألم تهزّه وتوحي إليه بأشعار تتمازج فيها رقة الإحساس بوضوح الرؤية".

وأضاف أن هذه الأبيات خلّفت تأثيراً كبيراً على الشعراء الذين عاشوا ما بين الحربين، ولولاه لحُرمت الحركة الشعرية في بغداد من الكثير من التطور.

 

ابن "الرصافة" وبغداد

وُلد في بغداد عام 1875، لكنه نشأ في الرصافة حيث تعلّم في الكُتّاب بحسب نظام التعليم الأهلي القائم حينها على التلقين، بعدها انتقل إلى المدرسة الرشيدية، إحدى معالم نظام التعليم الجديد الذي تبنته الدولة.

وبعد بعد أربع سنوات قضاها الرصافي داخلها لم يستطع اجتياز امتحان السنة الرابعة فتركها وعاد إلى نظام التعليم الأهلي، وبات من طلاب العلامة محمود شكري الألوسي الذي فقّهه في علوم اللغة العربية والنحو والمنطق طيلة 10 سنوات.

خلال هذه الفترة كانت البلاد تحت سيطرة العثمانيين فنظم عدة قصائد تدعو للثورة وتُندد بالظّلم العثماني، قال في إحداها "وهبنا أمة هلكت ضياعاً... تولّى أمرها عبدالحميد".

في 1908 أجبر زعماء جمعية "الاتحاد والترقي" السلطان العثماني عبدالحميد على العمل بالدستور، ثم أسّست الجمعية فروعاً لها في عواصم الولايات العربية، كانت إحداها في بغداد، فأصدرت جريدة رسمية باللغتين العربية والتركية كان الرصافي أحد محرريها والمدافعين عن أفكار الجمعية، في هذه الأوقات سجّل موقفه الحاد من الخلافة بقصيدته "الأشرار".

بحسب دراسة "معروف الرصافي والاستقلال العربي" فإن الشاعر العراقي تعرّض للسجن لفترة وجيزة بسبب تأييده الشديد لجمعية "الاتحاد والترقي".

رحل إلى الأستانة حيث عمل محرراً بجريدة "في سبيل الرشاد" ومعلماً للغة العربية في المدرسة السلطانية التابعة لوزارة المعارف، بعدها اختاره طلعت باشا وزير الداخلية ليكون معلمه الخاص في اللغة العربية ثم عيّنه نائباً في مجلس المبعوثان عن إمارة المنتفق سنة 1912.

بعد الحرب العالمية الأولى انتقل الرصافي إلى دمشق ثم إلى القدس التي عُين فيها أستاذاً للأدب العربي في دار المعلمين، عاد بعدها إلى بغداد وعمل في الترجمة ثم أصدر جريدة "الأمل" سنة 1923، ولاحقاً عُيّن مفتشاً في وزارة المعارف ومدرساً للعربية وآدابها في "دار المعلمين"، وفي عام 1928 ابتعد عن المناصب الحكومية.

انتُخب الرصافي عضواً في مجلس النواب العراقي لمدة ثمانية أعوام، وحينما قامت "ثورة الكيلاني" عام 1941 كان من أشد المتحمسين لها فنظم أناشيدها، إلا أن فشلها كان له وقعاً كبيراً عليه، فعاش منزوياً بعد ذلك، واعتزل الناس داخل بيته في الأعظمية ببغداد.

 

مناهضة الاستعمار

شهد شِعر الرصافي انشغاله الكبير بالسياسة؛ فخلال العهد العثماني أظهر معارضةً كبيرة للخليفة عبدالحميد، فكانت أشهر قصائده "تنبيه النيام" و"رقية الصريح" و"إيقاظ الرقود".

وحينما تعرّض العراق للاستعمار الغربي عارَض الرصافي هذا الاحتلال وكشف عن تفضيله الحُكم التركي -مهما كانت مساوئه- عن الحُكم الإنجليزي.

أظهر الرصافي معارضةً شعرية حادة للإنجليز، وفي ذلك قال الأديب العراقي هلال ناجي "لا يوجد في تاريخ الشعر العربي ولا في تاريخ العراق الحديث شاعر ناهَض الاستعمار وجعل من شعره سوطاً يلهب به ظهور المستعمرين كالرصافي"، كما وثّق محمد زين الحق في بحثه "المقاومة ضد الاستعمار في شعر الرصافي".

فور سقوط بغداد بين أيدي البريطانيين كتب الرصافي قصيدته "نواح دجلة"، وقال فيها "كيف يغمضون على إغاثة وادٍ... فعليه من فخر عثمان تاج"، بعدها ألّف قصيدة "الحق والقوة" التي انتقد فيها استمرار سيطرة الاستعمار على مٌقدرات بلاده قائلاً "قد سمعنا من ساعة الغربي تدّعي... فهم منعوا رق الأسير".

سيطر الإنجليز على العراق في 1917، بعدها بثلاث سنوات شهدت البلاد ثورة عارمة عُرفت بثورة العشرين، أعقبها تأسيس مملكة هاشمية في العراق ترأسها الملك فيصل بن الحسين الهاشمي.

لم ترق هذه الخطوة للرصافي بسبب اعتراضه على شخص الملك الجديد، فسبق وأن هاجَم والده الحسين في قصيدة قال فيها "حتى بدت مخزيات اللؤم مشركة... من الحجاز حسيناً ثالثاً بهما"، أما فيصل نفسه فقد وصفه بأنه "خدين الإنجليز"، كما سخر من الاحتفاء بقدومه في العراق قائلاً "خرج الناس يهرعون احتفاءً بقدوم الأمير غير الأمير".

بعد قيام المملكة العراقية كتب قصيدة "بين الانتداب والاستقلال"، التي جاء فيها  (سل الإنجليزي الذي لم يزل له... أأنت وزير أم عميد وزارة". وفي قصيدة أخرى هي "الوزارة المذنبة" أظهر الرصافي رفضاً كاملاً لهذا النظام الحاكم حتى أنه دعا في نهايتها للثورة عليه وإسقاطه.

في 1923 سيتراجع الرصافي عن هذا الموقف المعارض بعدما بعث للملك فيصل رسالة بلغة أدبية رفيعة يلتمس فيها العفو عنه، قال في جزءٍ منها "عاملوني بالصفح عمّا مضى تدوني أحد الساعين بين يدي جلالتكم بكل صدق وإخلاص"، ثم أنشد بحقه "بدا وجه العروبة في حلوك... غداة مضى الحسين أبو الملوك".

 

نصير المرأة

أظهر الرصافي اهتماماً مبكراً بتحرير المرأة من حبسها داخل المنزل وكان جريئاً في طرح أفكار مغايرة للسائد في مجتمعات الشرق حينها، ففي إحدى قصائده قال "حجبناهن عن طلب المعالي... فعِشن بجهلهن مهتكات"، واشتكى في مواضع أخرى في قصائده العادات والتقاليد التي تحرم المرأة من ممارسة حقوقها فقال "ذلك إنا لا تزال نساؤنا... تعيشُ بجهلٍ وانفصالٍ عن الجمع".

خلال تجربته الشعرية الطويلة ألّف الرصافي عدة قصائد أسهب بها في الحديث عن أوضاع المرأة مثل قصيدة "المرأة المسلمة" و"المرأة في الشرق" و"نساؤنا" و"إلى الحجابيين" و"التربية والأمهات"، تلك القصيدة وصفها أحد زملائه بأنها "لا تزال تشعُّ بنورها القوي في نفوس الفتيات العربيات، ولا نظنُّ فتاة عربية دخلت المدرسة ولم تحفظ هذه القصيدة".

بجانب الشعر ألّف الرصافي دراسة باللغة التركية بعنوان "هل يُمكن المساواة بين المرأة والرجل؟" ألحقها بترجمة لمقالة كتبها الفيلسوف العربي شبلي شميل عن نفس الموضوع.

 

ميراثٌ ضخم ونهاية مؤسفة

بحسب ما أورد محمود العبطة في بحثه"آثار الرصافي"، فإن الرصافي خلّف بعد وفاته 17 مؤلفاً أغلبها كانت دواوين جمعت أشعاره وبعض دروسه في علوم الأدب واللغة، تضمّنت أيضاً كتابه "الشخصية المحمدية" الذي قدّم فيه رؤية علمية تحليلية للرسول محمد، استبعد فيها الأحاديث الضعيفة التي تنطوي على المبالغات، وهي خطورة أثارت جدلاً كبيراً حينها حتى أن البعض اتهمه بالكُفر بسببها.

رغم مسيرته البارزة فإن الإخفاقات السياسية التي عاشها في أواخر حياته بعد فشل ثورة الكيلاني أكسبت شعره سمتاً حزيناً، فقال عن نفسه "إنما أنا خامل مجهول الاسم والشخصية والجنسية، وإني بريء من كل جنسية"، خلال هذه الفترة وضع كتابه "رسائل التعليقات" عام 1944.

وبحسب ما ذكره دكتور داود سلوم في بحثه "الرصافي (1868- 1945)"، فإن فشل
ثورة الكيلاني" قضى على أحلام الرصافي بالعودة للأضواء من جديد فعاش فقيراً منعزلاً في منزل متواضع، بحسب رواية للجواهري الذي زار الرصافي في أيامه الأخيرة، حيث قال: "في تلك الغرفة الجرداء التي لا أنساها أبداً احترتُ أين أجلس إذ ليس فيها كرسي أو خشبة أو حتى حجر للجلوس، لقد انقضى (عصر الرصافي) في هذه الغرفة".

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.