" قرقيعان" مناسبة تقليدية في منطقة الخليج العربي والعراق.

تحل مناسبة الاحتفال بالقرقيعان في ليلة النصف من رمضان في كل عام. يُعرف هذا الاحتفال بعدد كبير من الأسماء في شتى أنحاء الجزيرة العربية والعراق ومنطقة الأحواز الواقعة في جنوبي غرب إيران. ومن أشهر تلك الأسماء كل من الكريكعان، والناصفة، وحق الليلة، وقرقاعون، وقرنقعوه.

يُعدّ خروج الأطفال وإنشادهم الأهازيج المفرحة السمة المشتركة التي تميز الاحتفال بتلك المناسبة في شتى المناطق.

ما هو الأصل التاريخي لهذا الاحتفال؟ وما أصل كلمة قرقيعان؟ وماذا عن أبرز الطقوس التي تشيع بين الأطفال في كل منطقة في تلك المناسبة؟

لا توجد معلومة تاريخية قاطعة بخصوص أصل الاحتفال بليلة قرقيعان، وتربط الكثير من الآراء بين هذه الليلة من جهة، ومولد حفيد الرسول، الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، من جهة أخرى، حيث تذكر مصادر تاريخية أن الحسن ولد في ليلة النصف من رمضان في السنة الثالثة من الهجرة.

وبحسب هذا الرأي، فإن المسلمين ذهبوا لمنزل علي وفاطمة للتهنئة والمباركة، وكانوا يصفون الحسن بأنه "قرة عين" لأبيه وأمه. وذلك اعتماداً على ما ورد في الآية رقم 74 من سورة الفرقان "رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ". مع مرور الوقت، تحورت الكلمة لتصبح قرقيعان، وصار الشيعة ومحبو آل البيت يحتفلون بها في ليلة النصف من رمضان في كل عام.

يوجد رأي آخر يذكره الباحث محمد بن عبد الله بن محمد الشنو في كتابه "القرقيعان في ليلة الخامس عشر من رمضان". يقول الشنو إن عادة الاحتفال بالقرقيعان كانت تُمارس في العصر العباسي.

 كان الفقراء والمساكين يذهبون لقصور الخليفة والأمراء والوزراء في شهر رمضان ويطلبون منهم الصدقة والطعام فينشدون قائلين:

يا صــاحب الـبيت

أجــر جـوعــان

يـا ربنـــا إعطـه

بيتـاً في عالـي الجنـان

بناءً على هذا فمن الممكن أن تكون كلمة قرقيعان قد اشتقت من كلمتي "أجر جوعان" الواردة في النشيد السابق.

أما الرأي الثالث، فيرى أصحابه أن أصل القرقيعان غير مرتبط بأي حادثة تاريخية مميزة، وأنه مجرد عيد شعبي يحتفل فيه الأطفال بصوم نصف أيام شهر رمضان، ويوزع الكبار الحلوى عليهم في ليلة القرقيعان تشجيعاً لهم على متابعة الصوم حتى نهاية الشهر. ويرى هؤلاء أن كلمة قرقيعان اشتقت من عادة قرع الأطفال على أبواب المنازل.

 

بين الرفض والإباحة

 

مثل كثير من المناسبات الدينية، كالمولد النبوي ورأس السنة الهجرية، يثار جدل فقهي دائم حول ليلة قرقيعان.

وتختلف الآراء الفقهية بخصوص حكم الاحتفال بهذه الليلة. يذهب أصحاب الرأي الأول من الفقهاء السنة والإباضية إلى حرمة الاحتفال بتلك المناسبة.

مما يعبر عن ذلك الرأي الفتوى الصادرة عن اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، والتي جاء فيها أن "الاحتفال في ليلة الخامس عشر من رمضان أو في غيرها بمناسبة مهرجان القرقيعان بدعة لا أصل لها في الإسلام.. فيجب تركها والتحذير منها ولا تجوز إقامتها في أي مكان لا في المدارس ولا في المؤسسات أو غيرها. والمشروع في ليالي رمضان بعد العناية بالفرائض الاجتهاد بالقيام وتلاوة القرآن والدعاء".

ورد المعنى نفسه في فتوى الشيخ السعودي عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين. يقول: "هذا العيد لا أصل له في الشرع ولا في العرف العام، وحيث إنه يحتوي على هذه الأعمال وعلى الرقص والطرب وإظهار الفرح... فإنه يصبح بدعة محدثة يجب إنكارها والقضاء عليها ولا يجوز إقرارها ولا المساهمة فيها".

كذلك أفتى مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي في سنة 2018م بأنّ "قرنقشوه" -وهو الاسم الذي يُعرف به يوم قرقيعان في سلطنة عمان- عادة محرمة ولا تمت بصلة للتراث العُماني، واعتبرها "تقليداً وثنياً"، وأن أصله يعود لبعض الاحتفالات المسيحية القديمة.

على الجانب المقابل، أجاز بعض فقهاء الشيعة الاحتفال بتلك المناسبة، ولم يجدوا في ذلك بأساً.

على سبيل المثال، أصدر محمد باقر المهري وكيل المرجعيات الشيعية في الكويت في سنة 2007 بياناً جاء فيه: "إن القرقيعان الذي هو عادة شعبية وإسلامية أصله مشتق من قرة الأعين التي تستعمل في مقام السرور والفرح والبهجة والتبريك والتهنئة... وقد بقيت هذه العادة الحسنة والسنة الإسلامية إلى يومنا، هذا فصار القرقيعان عادة شعبية بالإضافة إلى أنه سنة شرعية ولكن مع الأسف الشديد بعض الحاقدين والمتحجرين والمتعصبين الذين ابتعدوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام أصدروا فتاوى باطلة بتحريم هذه العادة، وأصروا على تحريمه".

وأضاف المهري: "وأنا أقول إن الذي يقول بأن القرقيعان بدعة فكلامه هذا بدعة، وهو لم يذق من طعم الفقه شيئاً".

في السياق نفسه، جاء في فتوى الشيخ صالح الكرباسي المنشورة على موقع مركز الإشعاع الإسلامي أنه "لا شك في أن الاحتفال بهذه المناسبة التي تبعث النشاط والسرور في قلوب الأطفال جائزة ما لم يُخالطها مُحرَّم كما هو الغالب، حيث إنها تعبِّر عن براءة الطفولة وصفائها، خاصة أنها بمناسبة مولد سبط الرسول المصطفى الإمام الحسن المجتبى... والغريب أنه في الآونة الأخيرة بدأت بعض الجماعات المعروفة بتوجهاتها المعادية لأهل البيت التركيز على مهاجمة هذه العادة باعتبار أنها بدعة، وعليه فهي غير جائزة. وهنا لا بد لنا أن نقول إن البدعة هي الزيادة في الدين وجعل ما ليس في الدين داخلاً في الدين... ومن الواضح أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، حيث إننا لم نسمع بأن أحداً يعتقد بأن ما يقوم به الأطفال "القرقيعان" هو من الدين حتى يقال فيه أنه بدعة!".

 

مظاهر الاحتفال بالقرقيعان

 

تختلف مظاهر الاحتفال بالقرقيعان من مكان إلى آخر. تحتفل به بعض المناطق في ليلة النصف من رمضان فقط، بينما يُحتفل به في أماكن أخرى في أيام 14، و15، و16 رمضان.

بشكل عام، يرتدي الأطفال في هذا الاحتفال الملابس البيضاء، وعليها السديري. أما البنات فيلبسن الفساتين المزركشة، التي تظهر فيها الألوان المبهجة المثيرة للسعادة والابتهاج.

وفي سلطنة عمان مثلا يُعرف هذا اليوم باسم قرنشوه، ويخرج فيه الأطفال في شكل تجمعات بعد صلاة المغرب. ويمرون على المنازل، ويأخذون الهدايا من الكبار، وينشدون:

"قرنقشوه يوناس

عطونا بيسة حلوة

دوس دوس طلع غوازيك من المندوس

حارة حارة طلع غوازيك من السحارة".

أما في العراق، فيحتفل الأطفال بقرقيعان في بغداد والبصرة وغيرهما من المدن. ويُقال إن أصل الاحتفال يعود لسيدة يهودية عراقية اسمها (ريجنا) كانت تحب الأطفال وتعطيهم الكثير من الهدايا في ليالي رمضان.

ماتت السيدة وظل الأطفال يحيون ذكراها بهذا الاحتفال المتجدد جيلاً بعد جيل. ويتميز القرقيعان العراقي بالأنشودة المعروفة باسم "ماجينا"، والتي يردد الأطفال فيها:

"ماجينا يا ماجينا

حلّي الچيس وانطينا

تنطونا لو ننطيكم

بيت مكة نوديكم

رب العالي يخليكم

تعطونا كل ماجينا".

يُعرف هذا اليوم في البحرين باسم القرقاعون. وتشير كلمة القرقاعون أيضاً إلى السلة التي يحملها الأطفال أثناء تجوالهم في تلك الليلة، وهي سلة كبيرة مصنوعة من سعف النخيل يوضع بداخلها خليط من المكسرات من النخيل والفول السوداني والتين وبعض الحلويات. يحمل الأطفال أكياسهم ويمرون على المنازل فيجمعون الحلوى، وينشدون بعدها معبرين عن الشكر والامتنان "عساكم من عواده لا تقطعون العادة".

في الإمارات أيضاً يتم الاحتفال بتلك المناسبة، وتُعرف باسم "حق الليلة"، وينشد الصبيان فيها:

"أعطونا الله يعطيكم

بيت مكة يوديكم

عطونا من حق الله ولا بنذبح عبد الله

عطونا من حق هالليله

ولا بنذبح هالعجيلة".

أما في قطر، فتُعرف تلك الليلة بالقرنقعوه، ويُعتقد هناك أن أصولها ربما ترجع إلى تقليد الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في القرون السابقة. كذلك تشيع مظاهر الاحتفال بالقرقيعان في السعودية، وبالتحديد في المناطق التي تكثر فيها نسبة السكان المعتنقين للمذهب الشيعي مثل القطيف والإحساء. وينشد الأطفال في هذا اليوم قائلين:

"قرقع قرقع قرقيعان

أم قصير ورميضان

عطونا الله يعطيكم

بيت مكة يوديكم

ويلحفكم بالجاعد

عن المطر والرعد

عام عام يا صيام

جعلكم تصومونه بالتمام

الله عطانا خوخ ورمان

عطونا عادت عليكم

اما الثواب ولا الجواب

ولا نيتفه من صاير الباب".

من الملاحظ أن الاحتفال بقرقيعان في السعودية قد شاع في الكثير من المدن الأخرى في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال في سنة 2005م احتفلت الرياض بالقرقيعان للمرة الأولى، وأشعل 400 طفل وطفلة قناديل رمضان الملونة وتجولوا بها في أسواق الفيصلية، وحصلوا على العديد من الهدايا والألعاب والحلوى.

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.