أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.
أعيد افتتاح آيا صوفيا كمسجد في الرابع والعشرين من يوليو سنة 2020. أقيمت صلاة الجمعة في هذا المكان التاريخي للمرة الأولى منذ 86 سنة كاملة.

اعترف الدين الإسلامي بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي. واتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بشكل من التسامح في أغلب فتراتها. رغم من ذلك، لم تبق العلاقة بين الحكومات الإسلامية المتعاقبة وبين رعاياها المسيحيين هادئة دائماً. تعرض المسيحيون للعديد من حملات التضييق والاضطهاد.

 نلقي الضوء في هذا المقال على النظام الملّي الذي وضعته الدولة العثمانية للتعامل مع الأقليات المسيحية. ما هو هذا النظام؟ وكيف سمح بالتدخل الأوروبي في الدولة العثمانية؟ وما هي الإصلاحات التي أجراها العثمانيون على النظام في الفترة الأخيرة من حكمهم؟

 

محمد الفاتح وتأسيس النظام الملّي

ظهرت الدولة العثمانية في الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي. وسرعان ما تمددت في نواحي متفرقة من الأراضي ذات الأغلبية المسيحية في آسيا الصغرى والبلقان وتراقيا.

في أثناء ذلك التمدد، مارس العثمانيون ما يسمى بـ "الدفشرمة"، بموجب تلك الممارسة تم الاستيلاء على الآلاف من الأطفال المسيحيين الذين عاشوا في صربيا وبلغاريا وأرمينيا. وتم تحويلهم للإسلام تمهيداً لانضمامهم للجيش العثماني في الفرقة المعروفة باسم "الإنكشارية".

في سنة 1453 للميلاد، ضرب العثمانيون ضربتهم الكبرى عندما أسقطوا مدينة القسطنطينية معقل الإمبراطورية البيزنطية. يذكر المؤرخ الإنجليزي فيليب مانسيل، في كتابه "القسطنطينية: المدينة التي اشتهاها العالم"، أن السلطان العثماني محمد الفاتح التفت إلى أهمية المركز الديني للقسطنطينية على مستوى العالم المسيحي، فقام بتعيين جورج جناديوس إسكولاريوس كبطريرك لكنيسة القسطنطينية ومنحه العديد من الامتيازات. وبتلك الخطوة أصبح البطريرك خادماً للإمبراطورية العثمانية، وساعد السلطان في جباية الضرائب من رعاياه المسيحيين، كما أنه منعهم من مساندة أعدائه من المسيحيين الكاثوليكيين من أمثال البندقية والبابوية.

 في السياق نفسه، عقد محمد الفاتح اتفاقاً مع المسيحيين الأرثوذكس. بموجب هذا الاتفاق، سُمح للأقلية المسيحية بممارسة طقوسها وإدارة مراكزها الدينية كما كانت عليه في العهد البيزنطي.

في تلك الفترة، عمل السلطان العثماني على وضع مجموعة من النُظم القانونية التي ستسير عليها الدولة من بعده، وعُرفت تلك القوانين باسم "قوانين نامة".

بحسب ما يذكر الباحث عارف خليل أبو عيد في دراسته "قوانين نامة في الدولة العثمانية"، فإن محمد الفاتح استفاد كثيراً من القواعد القانونية النافذة في زمن آبائه، والتي لم تكن مدونة من قبل، فأكمل نواقصها ودونها، كما سن القوانين بشأن المؤسسات الإدارية، استناداً إلى المصلحة العامة وقواعد العرف والعادة وغيرها من المصادر المتبعة.  

بشكل عام، اُقتبست تلك القوانين من الشريعة الإسلامية، ومما عُمل به في الدولة العباسية من جهة، ومن الأعراف التركية غير المخالفة للإسلام، وقوانين الدولة الإيليخانية، والدولة السلجوقية من جهة أخرى.

كان النظام الملّي أحد تلك القوانين التي وضعها محمد الفاتح. و يُعرف الباحث حنا سعيد كلداني هذا النظام في كتابه "المسيحية المعاصرة في الأردن وفلسطين"، قائلا: "الملّة جماعة تتألف من المواطنين المحليين لا من الأجانب خاضعة للباب العالي، لها ديانة محددة، ولا تنتمي إلى أصل عرقي واحد، وتكوّن وحدة سياسية اجتماعية مستقلة". 

بموجب ذلك النظام، قُسم المسيحيون المنتشرون في الدولة العثمانية إلى ملل متفرقة. استوعبت كل ملة مجموعة دينية مذهبية محددة في جزء من أجزاء الدولة. وكانت "ملة الروم" التي ضمت المسيحيين الأرثوذكس في اليونان وصربيا هي أولى "الملل" التي أقرها العثمانيون.  وبموجب النظام الملّي، عُدّ البطاركة رؤساء الملل المسيحية دينياً ومدنياً. وكانوا يمثّلون جماعاتهم لدى الحكومة. لقرون طويلة.

قامت مؤسسة الملة بتنظيم شؤون الأقليات المسيحية في الدولة العثمانية، من خلال منحهم حق الاستقلال بانتخاب قادتهم الدينيين، وحق ممارسة شؤونهم الخاصة في التعليم والقضاء، ودفع الضرائب تحت إشراف قادتهم.

بمعنى آخر، كانت مؤسسة الملة هي الوسيط بين الدولة وأبناء الطوائف الدينية الأخرى، إذ يتلقى رئيس كل طائفة المراسيم والأوامر السلطانية، ويبلغ جماعته بها، ويشرف على اتباعها.

بالمقابل يبلغ أتباع الطائفة زعماءهم الدينيين بالمطالب التي يرفعها للسلطان لبحثها. أيضاً، سُمح لأصحاب كل ملّة بتطبيق شرائعهم في الأمور التي لا يكون المسلمون طرفاً فيها.

 

الامتيازات والتدخل الأجنبي

 

بقي النظام الملّي قائماً بعد محمد الفاتح لمدة قرن كامل دون أي يشهد أي تغيير.

لكن، في زمن السلطان سليمان القانوني وقعت بعض الأحداث السياسية الدولية المهمة التي بدّلت من شكل هذا النظام. 

كانت الحرب في أوروبا في تلك الفترة مستعرة بين ملك فرنسا فرنسوا وغريمه الإمبراطور شارل الخامس. هُزم فرنسوا في سنة 1526 للميلاد، وطلب المساعدة من السلطان العثماني سليمان القانوني. سارع القانوني إلى قبول التحالف مع ملك فرنسا رغبةً في شق الصف الأوروبي المسيحي. ولضمان عدم تكوين تحالف أوروبي ضد العثمانيين. في تلك الأجواء، وافق القانوني على منح فرنسا مجموعة كبيرة من الامتيازات في أراضيه. من تلك الامتيازات حصول ملك فرنسا على حق حماية المسيحيين الكاثوليك من رعايا الدولة العثمانية.

فتح هذا الامتياز الباب واسعاً أمام باقي الدول الأوروبية القوية. ولا سيما روسيا وإنجلترا. يذكر الباحث مشعل الشمري، في دراسته "حركة التبشير الروسية الارثوذكسية في القدس"، أن التدخل الروسي في الشؤون الداخلية العثمانية تحت غطاء حماية الرعايا الأرثوذكس حظي بالصفة القانونية عقب توقيع معاهدة الصلح كوجك كينا رجي في سنة 1774 للميلاد.

أقرت المعاهدة في بنودها حق روسيا التحدث باسم رعايا السلطان من المسيحيين الأرثوذكس. كما أقرت حق روسيا في إقامة كنيسة  أرثوذكسية في الأستانة على رأسها أساقفة روس.

بعد أقل من عشرين سنة، ضاعفت روسيا مكاسبها بعدما حصلت على حق إدارة العديد من الأماكن المسيحية المقدسة من خلال شروط معاهدة ياسي سنة 1792 للميلاد. وتسببت تلك الاتفاقات التي أقرتها الدولة العثمانية في تبديل شكل النظام الملّي.

 في دراسته "المسيحيون من نظام الملل إلى الدولة المحدثة"، شرح المفكر اللبناني وجيه كوثراني الآثار التي خلفتها تلك المعاهدات على النظام المُتبع مع الأقليات المسيحية، فقال: "بدأت الامتيازات تخترق تدريجاً نظام الملّة عبر توسعها كصيغة قانونية دولية تستجيب لتوسيع نطاق التجارة الغربية وزبائنها ووكلائها. وذلك من خلال تحويل الملّة غير الإسلامية إلى وجود يرتكز على مفهوم الأقلية القائمة على الحماية الخارجية".

 بهذه الطريقة، عُدّت فرنسا حامية للكاثوليك، وروسيا القيصرية حامية للأرثوذكس، وإنجلترا حامية للبروتستانت. الأمر الذي منح القوى الأوربية أسباباً للتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية. مما تسبب في ضعف العثمانيين وتحولهم إلى "رجل أوروبا المريض".

 

الإصلاح و"الخط الهمايوني"

 

مع تزايد الضغط الأوروبي على العثمانيين بخصوص الحقوق التي تحظى بها الأقليات المسيحية، قرر بعض السلاطين العثمانيين إقرار مجموعة من الإصلاحات القانونية الخاصة بالمجموعات الملّية في الدولة، عُرفت تلك الإصلاحات باسم "التنظيمات العثمانية"، وكان الخط الهمايوني/ الفرمان الذي أصدره السلطان العثماني عبد المجيد الأول في سنة 1856 للميلاد واحداً من أهم تلك القرارات.

نص الخط الهمايوني الذي أصدره السلطان عبد المجيد الأول على إقرار المساواة بين كل مواطني الدولة العثمانية في كل الحقوق والواجبات، وأكد على انتخاب رؤساء الكنائس من قِبل طوائفهم، وأنه لا يحق لأي سلطة أن تعزل هؤلاء الرؤساء، كما نص القرار على إنشاء المجالس الملّية العامة، والتي تتكون من رجال الكنيسة -من الكهنة أو الرهبان- ورجال من خارج الكنيسة -المسيحيين العلمانيين-لإدارة الشؤون العامة للملة. 

في السياق نفسه، تم إعفاء الكنائس من الضرائب، ولكنه -أي القرار- أبقى حق ترخيص بناء وترميم الكنائس والمقابر الخاصة لغير المسلمين بيد السلطان العثماني وحده.

على الرغم من المزايا العديدة التي منحها القرار للأقليات المسيحية، فإن سهام النقد وجهت له من كل صوب.  استهجنت الأقليات المسيحية القانون الخاص بحصر إصدار ترخيص بناء الكنائس بالسلطان وحده، ورأت فيه إجحافاً لا يتسق مع مبدأ المساواة المبنية على مفهوم المواطنة. من جهتها، لم تلق القوى الأوروبية بالاً بتلك التنظيمات بسبب ضعف الدولة العثمانية.

أيضاً، أثارت تلك التنظيمات غضباً واسعاً لدى الأغلبية المسلمة في بعض مناطق الدولة العثمانية.

في سنة 1860 للميلاد، وقعت العديد من المذابح الدموية التي راح ضحيتها الآلاف من المسيحيين في بلاد الشام. من أشهر تلك المذابح ما وقع في لبنان بين المسلمين والموارنة، وما وقع في دمشق في حي باب توما، عندما قُتل ما يقرب من 5000 مسيحي في أحداث العنف الطائفي.

 في كتابه"نكبة نصارى الشام" بين المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض العلاقة بين التنظيمات العثمانية من جهة، والمذابح التي وقعت في بلاد الشام من جهة أخرى، فقال : "كان الوضع الأمني في المدينة -دمشق- حرجاً بسبب سلسلة من الإصلاحات العثمانية، المعروفة بـ"التنظيمات"، والتي بدأت في إسطنبول وفرضت التساوي التام أمام القانون بين المسلمين والمسيحيين "الذميين".. ألغيت كلمة نصراني أو "ذمي" من السجلات الحكومية في دمشق، واستبدلت بها كلمة "كريستياني (مسيحي) من رعايا الدولة العثمانية".

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.