تضمّ الأراضي السورية قبور العديد من الشخصيات الإسلامية المؤثرة من كافة المذاهب والطوائف الإسلامية، سواء كانوا من السنة أو الشيعة أو الصوفية.
نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أهم وأشهر تلك الأضرحة والمقامات.
ضريح النبي يحيى في الجامع الأموي
يُعرف هذا الجامع باسم جامع بني أمية، أو الجامع الأموي الكبير بدمشق، ويُعدّ واحداً من أهم المساجد الأثرية التاريخية الإسلامية على الإطلاق. شهد موقع الجامع بناء مجموعة من المعابد والأبنية الدينية المتعاقبة على مر القرون، ففي سنة 1200 قبل الميلاد تقريباً شهد هذا المكان بناء معبد الإله حُدد الأرامي، وهو إله الخصب والرعد والأمطار.
في القرن الأول الميلادي بنى الرومان عقب دخولهم لدمشق معبد للإله جوبيتر في هذا المكان، أما في نهايات القرن الرابع الميلادي فقد أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول بتحويل المعبد إلى كاتدرائية باسم القديس يوحنا المعمدان. وبقيت الكاتدرائية على هذا الوضع حتى وصل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى السلطة فقام بتحويلها إلى جامع كبير وذلك بعدما أتفق مع المسيحيين الدمشقيين. بموجب ذلك الاتفاق أخذ الوليد مكان الكاتدرائية وحولها إلى جامع وبالمقابل حصل المسيحيين على أربع كنائس كانت بيد المسلمين.
يحتوي الجامع على عدد من الأضرحة والمشاهد المهمة، من أشهرها ضريح يوحنا المعمدان (النبي يحيى). وبحسب التقاليد السورية الفلكلورية المتوارثة، فإن يوحنا قُتل وقُطعت رأسه بعدما انتقد ملك الجليل هيرودس أنتيباس في فلسطين.
دفن أتباع يوحنا جسد أستاذهم بينما نُقل رأسه فيما بعد إلى دمشق ودُفنت في مكان الكنيسة التي سُميت باسمه، وصار المرقد المنسوب إليه مزاراً مقدساً لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
ضريح محي الدين ابن عربي
يُعتبر جامع الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي أحد أهم المزارات الصوفية في سوريا، ويقع الجامع في العاصمة السورية دمشق، تحديدا فوق سفح جبل قاسيون الشرقي في الصالحية القديمة في منطقة أو جرش على ضفاف نهر يزيد.
ويقع ضريح ابن عربي داخل غرفة مقبّبة في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد، بجواره قبران لولديه سعد الدين وعماد الدين، بالإضافة إلى قبر الأمير عبد القادر الجزائري الذي توفي في دمشق عام 1883.
تنسج التقاليد الصوفية العديد من القصص الأسطورية الطابع حول ضريح الشيخ الأكبر، منها أنه قال قبل وفاته "إذا دخل السين في الشين يظهر قبر محيي الدين".
بقي الضريح مخفياً عن الأنظار حتى دخل العثمانيون دمشق عام 1518 للميلاد. قيل إن ابن عربي زار السلطان العثماني سليم الأول في المنام وأخبره بمكان ضريحه، فقام السلطان من النوم وأمر بتعمير الضريح، وأسند تلك المهمة للمعماري العثماني شهاب الدين بن العطار.
فيما بعد، تم تفسير ما وقع بأنه تحقيق لنبوءة ابن عربي، ففُهمت السين على كونها إشارة للسلطان سليم وفُسرت الشين باعتبارها الشام.
وظل الصوفية منذ القرن السادس عشر يقدسون الضريح ويخصّونه بالكثير من التبجيل والاحترام.
إلهي ما أحببتك وحدي، لكن أحببتك وحدك...#ابن_عربي#جمعة_مباركة 🕌
— Yaman يمان (@YamanAmouri) September 10, 2020
(الصورة لمقام مولانا محيي الدين بن عربي في #دمشق #سوريا) pic.twitter.com/I5d6EkyCKg
ضريح معاوية بن أبي سفيان
تتفق معظم المصادر التاريخية الإسلامية على أن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان توفي في دمشق عام 60 هجرية. ورغم ذلك، تختلف بشكل كبير في تحديد مكان دفنه.
ذكرت بعض الآراء أنه دُفن في الجامع الأموي بدمشق وأخرى بأنه دُفن في حديقة قصر الخضراء المعروف اليوم بحي النقاشات أو زقاق الخضراء جنوب شرق المسجد الأموي.
فيما تؤكد أغلب الآراء على أن معاوية بن سفيان دُفن في مقبرة الباب الصغير جنوب دمشق، وهو موقع المقام المنسوب لمعاوية.
تذكر المصادر الإسلامية أن ضريح الخليفة الأموي الأول تعرض للتدمير بعد وصول العباسيين للحكم في ثلاثينيات القرن الثاني الهجري، وأُعيد بناؤه أكثر من مرة في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.
في يناير الماضي، أُثيرت الكثير من النقاشات حول الضريح، بعدما تداول نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العشرات من الشيعة العراقيين الذين قاموا بالاعتداء عليه وضربه بالأحذية.
ضريح خالد بن الوليد
يقع ضريح خالد بن الوليد في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة حمص الواقعة على نهر العاصي، بُني المقام عقب وفاة خالد بن الوليد عام 21 هـ.
في 664 هـ، مر السلطان الظاهر بيبرس بحمص أثناء مسيره لخوض الحرب ضد مملكة أرمينيا، وعندما شاهد أطلال المقام والمسجد المجاور له أمر بإعادة بنائهما مرة أخرى وسجل ذلك على بعض الكتابات الموجودة بالمسجد.
ضريح سيدنا خالد بن الوليد ❤️
— (فُلّة) 🎀Louna Alsebai (@AlsebaiLouna) October 20, 2020
سوريا _حمص pic.twitter.com/lwVZxo2Idf
يعود البناء الحالي للجامع والمقام إلى العصر العثماني، ويُقال إن المعماريين أرادوا أن يبنوا الجامع بحيث يصبح نسخة طبق الأصل من جامع السلطان أحمد في إسطنبول.
تعرض الجامع والمقام لأضرار بالغة في 2013. وفي 2015 انطلقت عملية لترميم الجامع بتمويل من رئيس الشيشان رمضان قديروف، وأعيد افتتاحه في فبراير 2019 بحضور مفتي جمهورية الشيشان.
ضريح سليمان شاه
يوجد هذا الضريح في شمالي سوريا، بالتحديد في قرية أشمة الواقعة في محافظة حلب. يُنسب الضريح لسليمان شاه قائد عشيرة "قايي" التركية التي تركت موطنها في أسيا الوسطى وتحركت غرباً نحو شمالي سوريا في القرن الثالث عشر الميلادي.
في سنة 1231 للميلاد، غرق سليمان شاه في نهر الفرات أثناء عبور العشيرة للنهر، ودُفن جثمانه في مكان قريب من موضع وفاته.
بحسب الموروثات العثمانية، فإن السلطان سليم الأول أقام الضريح المنسوب لسليمان شاه في سنة 1516؛ تمجيداً لذكرى الجد الأكبر للسلالة العثمانية.
منذ ذلك الوقت حظي الضريح بقدر كبير من التبجيل والاهتمام من قِبل الأتراك والسوريين على حد سواء، ففي سنة 1921 ضمنت تركيا حقها في ضريح سليمان شاه بموجب "معاهدة أنقرة" التي عُقدت بين فرنسا وتركيا عقب الحرب العالمية الأولى.
نصت المعاهدة "سيبقى قبر سليمان شاه، جد السلطان عثمان، مؤسس الدولة العثمانية ملك لتركيا، والتي سيكون بمقدورها الحفاظ على حراسته ورفع العلم التركي عليه".
ومنذ ذلك الوقت، جرت العادة أن تقيم حامية عسكرية تركية في موقع الضريح لحمايته.
في 1973 للميلاد أصدرت الحكومة السورية قراراً بغمر كامل المنطقة المحيطة بالضريح بالمياه تمهيداً لإنشاء بحيرة الأسد، ليصار للاتفاق بين سوريا وتركيا على نقل القبر باتجاه الشمال، حيث نقل إلى قرية قره قوزاق التي تبعد 37 كم عن الحدود التركية وتتبع لمنطقة منبج السورية.
تجدد الجدل حول الضريح عام 2015 بالتزامن مع سيطرة عناصر داعش على الرقة. في يوم 21 فبراير 2015، قامت إحدى كتائب الجيش التركي باجتياز الحدود السورية وحملت رفات سليمان شاه، ثم دمرت الضريح خوفاً من استهدافه من قِبل الميليشيات المسلحة، حيق قام الأتراك بدفن الرفات في ضريح جديد بقرية أشمة بالقرب من الحدود التركية.
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقتها، إن التوغل العسكري لبلاده في سوريا لنقل ضريح سليمان شاه وإجلاء حراس الضريح "كان إجراء مؤقتا للحفاظ على حياة الجنود المكلفين بحراسة الضريح".
في مايو 2015، قام رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو بالدخول للأراضي السورية لزيارة الضريح، وذكر أن الرفات سيعود مرة أخرى للموقع الأصلي له بعد أن يزول التهديد العسكري عن المنطقة.
وزير الدفاع التركي خلوصي آكار يزور ضريح سليمان شاه رحمه الله جد مؤسس الدولة العثمانية الغازي عثمان بن أرطغرل رحمهما الله pic.twitter.com/2Jx2h2jDEy
— Hamza Tekin حمزة تكين 🇹🇷 (@Hamza_tekin2023) January 1, 2019
مرقد السيدة زينب
يوجد خلاف واسع بين المؤرخين حول مكان دفن السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب. يرى البعض أنها دُفنت في المدينة المنورة، وآخرون أنها دُفنت في العاصمة المصرية القاهرة، بينما ذكرت مصادر تاريخية أن مرقدها في ريف دمشق، على بعد 10 كم جنوب العاصمة.
بحسب المعلومات الواردة في الموقع الإلكتروني للعتبة الزينبية المقدسة، فإن الضريح بُني للمرة الأولى عام 500 هـ، وجُدد عام 768 هـ.
في عام 1950، أسس عالم الدين الشيعي محسن الأمين لجنة لجمع التبرعات من أجل تحسين المقام وتجديده الأمر الذي تم بالفعل في السنوات اللاحقة بمباركة النظام السوري الحاكم.
بشكل عام، يُعدّ الضريح أهم المزارات الدينية الإسلامية في سوريا، ويحظى بأهمية خاصة لدى الشيعة الذين اعتادوا على القدوم من العراق وإيران وباكستان والبحرين لزيارة الضريح.
ارتبط الضريح بالكثير من النقاشات السياسية التي أُثيرت عقب اندلاع الثورة السورية في 2011، إذ أعلنت طهران أن دفاعها عن النظام السوري يشكل دفاعاً عن مرقد السيدة زينب.
وضع المرقد بشكل -شبه كامل- تحت السيادة الإيرانية. وفي 2018 أعلن رئيس لجنة إعمار العتبات المقدسة في إيران أنه تم إعداد مشروع لتوسيع مجمع مرقد السيدة زينب يتضمن توسيعه وتشييد مبنى للزوار، وهو المشروع الذي افتتح بحضور وزير الأوقاف السوري وعدد من المسؤولين الإيرانيين.
في مايو 2023، قام رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إبراهيم رئيسي بزيارة مرقد السيدة زينب، وأكد في زيارته على استمرار دعم بلاده لحكومة بشار الأسد ضد من أسماهم بـ"التكفيريين".
على الجهة المقابلة، تم استهداف المرقد من قِبل الجماعات السنية المسلحة النشطة في سوريا، التي اعتبرت أنه صار معقلاً من معاقل الأسد وحلفائه من الشيعة، ومن ذلك التفجير الذي تنباه تنظيم داعش سنة 2016 في محيط المقام وأسفر عن مقتل 134 شخصاً.
