تضرّرت العديد من المقامات خلال الصراع في سوريا.

تضمّ الأراضي السورية قبور العديد من الشخصيات الإسلامية المؤثرة من كافة المذاهب والطوائف الإسلامية، سواء كانوا من السنة أو الشيعة أو الصوفية.

 نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أهم وأشهر تلك الأضرحة والمقامات.

 

ضريح النبي يحيى في الجامع الأموي 

يُعرف هذا الجامع باسم جامع بني أمية، أو الجامع الأموي الكبير بدمشق، ويُعدّ واحداً من أهم المساجد الأثرية التاريخية الإسلامية على الإطلاق. شهد موقع الجامع بناء مجموعة من المعابد والأبنية الدينية المتعاقبة على مر القرون، ففي سنة 1200 قبل الميلاد تقريباً شهد هذا المكان بناء معبد الإله حُدد الأرامي، وهو إله الخصب والرعد والأمطار.

في القرن الأول الميلادي بنى الرومان عقب دخولهم لدمشق معبد للإله جوبيتر في هذا المكان، أما في نهايات القرن الرابع الميلادي فقد أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول بتحويل المعبد إلى كاتدرائية باسم القديس يوحنا المعمدان. وبقيت الكاتدرائية على هذا الوضع حتى وصل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى السلطة فقام بتحويلها إلى جامع كبير وذلك بعدما أتفق مع المسيحيين الدمشقيين. بموجب ذلك الاتفاق أخذ الوليد مكان الكاتدرائية وحولها إلى جامع وبالمقابل حصل المسيحيين على أربع كنائس كانت بيد المسلمين.

يحتوي الجامع على عدد من الأضرحة والمشاهد المهمة، من أشهرها ضريح يوحنا المعمدان (النبي يحيى). وبحسب التقاليد السورية الفلكلورية المتوارثة، فإن يوحنا قُتل وقُطعت رأسه بعدما انتقد ملك الجليل هيرودس أنتيباس في فلسطين. 

دفن أتباع يوحنا جسد أستاذهم بينما نُقل رأسه فيما بعد إلى دمشق ودُفنت في مكان الكنيسة التي سُميت باسمه، وصار المرقد المنسوب إليه مزاراً مقدساً لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

 

ضريح محي الدين ابن عربي 

يُعتبر جامع الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي أحد أهم المزارات الصوفية في سوريا، ويقع الجامع في العاصمة السورية دمشق، تحديدا فوق سفح جبل قاسيون الشرقي في الصالحية القديمة في منطقة أو جرش على ضفاف نهر يزيد.

ويقع ضريح ابن عربي داخل غرفة مقبّبة في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد، بجواره قبران لولديه سعد  الدين وعماد الدين، بالإضافة إلى قبر الأمير عبد القادر الجزائري الذي توفي في دمشق عام 1883.

تنسج التقاليد الصوفية العديد من القصص الأسطورية الطابع حول ضريح الشيخ الأكبر، منها أنه قال قبل وفاته "إذا دخل السين في الشين يظهر قبر محيي الدين".

 بقي الضريح مخفياً عن الأنظار حتى دخل العثمانيون دمشق عام 1518 للميلاد. قيل إن ابن عربي زار السلطان العثماني سليم الأول في المنام وأخبره بمكان ضريحه، فقام السلطان من النوم وأمر بتعمير الضريح، وأسند تلك المهمة للمعماري العثماني شهاب الدين بن العطار.

فيما بعد، تم تفسير ما وقع بأنه تحقيق لنبوءة ابن عربي، ففُهمت السين على كونها إشارة للسلطان سليم وفُسرت الشين باعتبارها الشام.

وظل الصوفية منذ القرن السادس عشر يقدسون الضريح ويخصّونه بالكثير من التبجيل والاحترام.

 

ضريح معاوية بن أبي سفيان

تتفق معظم المصادر التاريخية الإسلامية على أن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان توفي في دمشق عام 60 هجرية. ورغم ذلك، تختلف بشكل كبير في تحديد مكان دفنه.

ذكرت بعض الآراء أنه دُفن في الجامع الأموي‌ بدمشق وأخرى بأنه دُفن في حديقة قصر الخضراء المعروف اليوم بحي النقاشات أو زقاق الخضراء جنوب شرق المسجد الأموي.

فيما تؤكد أغلب الآراء على أن معاوية بن سفيان دُفن في مقبرة الباب الصغير  جنوب دمشق، وهو موقع المقام المنسوب لمعاوية.

تذكر المصادر الإسلامية أن ضريح الخليفة الأموي الأول تعرض للتدمير بعد وصول العباسيين للحكم في ثلاثينيات القرن الثاني الهجري، وأُعيد بناؤه أكثر من مرة في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

في يناير الماضي، أُثيرت الكثير من النقاشات حول الضريح، بعدما تداول نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العشرات من الشيعة العراقيين الذين قاموا بالاعتداء عليه وضربه بالأحذية.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

 

ضريح خالد بن الوليد 

يقع ضريح خالد بن الوليد في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة حمص الواقعة على نهر العاصي، بُني المقام عقب وفاة خالد بن الوليد عام 21 هـ.

في 664 هـ، مر السلطان الظاهر بيبرس بحمص أثناء مسيره لخوض الحرب ضد مملكة أرمينيا، وعندما شاهد أطلال المقام والمسجد المجاور له أمر بإعادة بنائهما مرة أخرى وسجل ذلك على بعض الكتابات الموجودة بالمسجد.

يعود البناء الحالي للجامع والمقام إلى العصر العثماني، ويُقال إن المعماريين أرادوا أن يبنوا الجامع بحيث يصبح نسخة طبق الأصل من جامع السلطان أحمد في إسطنبول.

 تعرض الجامع والمقام لأضرار بالغة في 2013. وفي 2015 انطلقت عملية لترميم الجامع بتمويل من رئيس الشيشان رمضان قديروف، وأعيد افتتاحه في فبراير 2019 بحضور مفتي جمهورية الشيشان.

 

ضريح سليمان شاه 

يوجد هذا الضريح في شمالي سوريا، بالتحديد في قرية أشمة الواقعة في محافظة حلب. يُنسب الضريح لسليمان شاه قائد عشيرة "قايي" التركية التي تركت موطنها في أسيا الوسطى وتحركت غرباً نحو شمالي سوريا في القرن الثالث عشر الميلادي.

في سنة 1231 للميلاد، غرق سليمان شاه في نهر الفرات أثناء عبور العشيرة للنهر، ودُفن جثمانه في مكان قريب من موضع وفاته.

بحسب الموروثات العثمانية، فإن السلطان سليم الأول أقام الضريح المنسوب لسليمان شاه في سنة 1516؛ تمجيداً لذكرى الجد الأكبر للسلالة العثمانية.

منذ ذلك الوقت حظي الضريح بقدر كبير من التبجيل والاهتمام من قِبل الأتراك والسوريين على حد سواء، ففي سنة 1921 ضمنت تركيا حقها في ضريح سليمان شاه بموجب "معاهدة أنقرة" التي عُقدت بين فرنسا وتركيا عقب الحرب العالمية الأولى.

نصت المعاهدة "سيبقى قبر سليمان شاه، جد السلطان عثمان، مؤسس الدولة العثمانية ملك لتركيا، والتي سيكون بمقدورها الحفاظ على حراسته ورفع العلم التركي عليه". 

ومنذ ذلك الوقت، جرت العادة  أن تقيم حامية عسكرية تركية في موقع الضريح لحمايته. 

في 1973 للميلاد أصدرت الحكومة السورية قراراً بغمر كامل المنطقة المحيطة بالضريح بالمياه تمهيداً لإنشاء بحيرة الأسد، ليصار للاتفاق بين سوريا وتركيا على نقل القبر باتجاه الشمال، حيث نقل إلى قرية قره قوزاق التي تبعد 37 كم عن الحدود التركية وتتبع لمنطقة منبج السورية.

تجدد الجدل حول الضريح عام 2015 بالتزامن مع سيطرة عناصر داعش على الرقة. في يوم 21 فبراير 2015، قامت إحدى كتائب الجيش التركي باجتياز الحدود السورية وحملت رفات سليمان شاه، ثم دمرت الضريح خوفاً من استهدافه من قِبل الميليشيات المسلحة، حيق قام الأتراك بدفن الرفات في ضريح جديد بقرية أشمة بالقرب من الحدود التركية. 

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقتها، إن التوغل العسكري لبلاده في سوريا لنقل ضريح سليمان شاه وإجلاء حراس الضريح "كان إجراء مؤقتا للحفاظ على حياة الجنود المكلفين بحراسة الضريح".

في مايو 2015، قام رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو بالدخول للأراضي السورية لزيارة الضريح، وذكر أن الرفات سيعود مرة أخرى للموقع الأصلي له بعد أن يزول التهديد العسكري عن المنطقة.

 

مرقد السيدة زينب

يوجد خلاف واسع بين المؤرخين حول مكان دفن السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب. يرى البعض أنها دُفنت في المدينة المنورة، وآخرون أنها دُفنت في العاصمة المصرية القاهرة، بينما ذكرت مصادر تاريخية أن مرقدها في ريف دمشق، على بعد 10 كم جنوب العاصمة.

بحسب المعلومات الواردة في الموقع الإلكتروني للعتبة الزينبية المقدسة، فإن الضريح بُني للمرة الأولى عام 500 هـ، وجُدد عام 768 هـ.

في عام 1950، أسس عالم الدين الشيعي محسن الأمين  لجنة لجمع التبرعات من أجل تحسين المقام وتجديده الأمر الذي تم بالفعل في السنوات اللاحقة بمباركة النظام السوري الحاكم.

بشكل عام، يُعدّ الضريح أهم المزارات الدينية الإسلامية في سوريا، ويحظى بأهمية خاصة لدى الشيعة الذين اعتادوا على القدوم من العراق وإيران وباكستان والبحرين لزيارة الضريح.

ارتبط الضريح بالكثير من النقاشات السياسية التي أُثيرت عقب اندلاع الثورة السورية في 2011، إذ أعلنت طهران أن دفاعها عن النظام السوري يشكل دفاعاً عن مرقد السيدة زينب.

وضع المرقد بشكل -شبه كامل- تحت السيادة الإيرانية. وفي 2018 أعلن رئيس لجنة إعمار العتبات المقدسة في إيران أنه تم إعداد مشروع لتوسيع مجمع مرقد السيدة زينب يتضمن توسيعه وتشييد مبنى للزوار، وهو المشروع الذي افتتح  بحضور وزير الأوقاف السوري وعدد من المسؤولين الإيرانيين.

 في مايو 2023، قام رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إبراهيم رئيسي بزيارة مرقد السيدة زينب، وأكد في زيارته على استمرار دعم بلاده لحكومة بشار الأسد ضد من أسماهم بـ"التكفيريين". 

على الجهة المقابلة، تم استهداف المرقد من قِبل الجماعات السنية المسلحة النشطة في سوريا، التي اعتبرت أنه صار معقلاً من معاقل الأسد وحلفائه من الشيعة، ومن ذلك التفجير الذي تنباه تنظيم داعش سنة 2016 في محيط المقام وأسفر عن مقتل 134 شخصاً.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.