صورة لمقبرة البقيع في المدينة المنورة نشرها أحد الزوّار على صفحتها في خرائط غوغل- تعبيرية
صورة لمقبرة البقيع في المدينة المنورة نشرها أحد الزوّار على صفحتها في خرائط غوغل- تعبيرية

وجه زعيم التيار الصدري،  مقتدى الصدر،  أمس الاثنين، دعوة إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإعادة بناء قبور أئمة البقيع.

وقال رجل الدين العراقي، في تغريدة له عبر منصة "إكس": "بعد ما رأينا من تغيير في سياسات المملكة العربية السعودية وما حدث من انفتاح كبير فيها ونبذ للتشدد في أروقتها على يد ولي العهد السعودي الأخ محمد بن سلمان المحترم أجد في ذلك فرصة لتذكيرهم بإعادة بناء قبور أئمة البقيع روحي لهم الفداء وخصوصاً ونحن في ذكرى تهديمها على يد بعض المتشددين آنذاك".

وأضاف الصدر: "كان وما زال ذلك التهديم خارجاً عن السياقات الشرعية والعقائدية والاجتماعية عند كل الأعراف والأديان والعقائد والانتماءات والأفكار المعتدلة والصحيحة وخصوصاً أن من هُدمت قبورهم يمثلون الانتماءات الإسلامية والإنسانية كافة كما هو منصوص في قرآننا العظيم".

من هم الأئمة الذين دعا الصدر لإعادة بناء قبورهم؟ وما هي مكانتهم في المذهب الشيعي خصوصاً، وعند كافة المسلمين بشكل عام؟ وكيف تم هدم قبورهم منذ مئة سنة؟

 

مقبرة البقيع

تُعدّ مقبرة البقيع في المدينة بالسعودية من أقدم المقابر الإسلامية، إن لم تكن أقدمها على الإطلاق. وتقع بجوار قبر الرسول محمد والمسجد النبوي.

تذكر المصادر التاريخية أن المقبرة تضم جثامين آلاف الصحابة والتابعين على مر القرون. وقيل إن أول من دُفن فيها كان الصحابي عثمان بن مظعون.

تضم كذلك مراقد العشرات من الأعلام الذين عاشوا زمن النبوة، من هؤلاء كل من العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وأسامة بن زيد، فضلاً عن مجموعة من زوجات الرسول محمد، منهم عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة، وصفية بنت حيي بن أخطب.

تحظى أرض البقيع بمكانة مقدسة لدى أتباع المذهب الشيعي بفروعه الثلاثة: الاثني عشري والإسماعيلي والزيدي؛ بسبب وجود مراقد أربعة من أئمة الشيعة الكبار، هم الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي زين العابدين بن الحسين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق على الترتيب.

يؤمن كل من الشيعة الاثني عشرية والشيعة الإسماعيلية أن هؤلاء الأئمة هم "حجج الله الناطقة"، و"ورثة النبوة والعلم". وحظيت قبورهم بتعظيم وتبجيل على مر الأجيال.

 

عمران المقبرة

في كتابه "بقيع الغرقد" يتتبع الباحث الشيعي محمد أمين الأميني أهم المراحل العمرانية لمراقد الأئمة الأربعة في البقيع. وقعت المرحلة الأولى في القرن الخامس الهجري على يد الوزير مجد الملك القمي الأردستاني، وزير السلطان السلجوقي بركياروق.

ثم تتابع عمران المنطقة في زمن الخليفة الناصر لدين الله العباسي في سنة 560 هجرية. وفي القرن التاسع الهجري، تم الاهتمام بعمران القباب بتوجيه من السلطان المملوكي الأشرف قايتباي، قبل أن تُكتمل الحركة العمرانية في البقيع في القرن الحادي عشر من الهجرة، على يد بعض السادة المنحدرين من نسل علي بن أبي طالب. منهم محمد علي أمين السلطنة الذي "قام بنصب الشباك المصنوع من الفولاذ على قبور البقيع".

تؤكد كتابات الرحالة والمؤرخين المسلمين الذين زاروا الحجاز على عظمة وبهاء مراقد أئمة البقيع. فقد وصف الأندلسي ابن جبير قبري الإمام الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب، قائلا: "قبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر".

ووصف المغربي ابن بطوطة القبة الموضوعة على مرقد الإمام الحسن بقوله: "هي قبة ذاهبة في الهواء، بديعة الإحكام‌...".

 

هدم مقابر البقيع

قامت الدولة السعودية الأولى عام 1744 في منطقة الدرعية (قرب الرياض حاليا) وتمكنت من السيطرة على منطقة نجد، قبل أن يمتد نفوذها بعد ذلك إلى نواح متفرقة من أرض الحجاز وعسير واليمن فضلاً عن جنوبي العراق.

في سنة 1803، دخل أتباع آل سعود مكة بعد حصار دام لما يزيد عن الشهرين، ثم تحركوا بعدها صوب المدينة، وقاموا بحصارها لأكثر من 18 شهرا حتى تمكنوا من اقتحامها عام 1805، وذلك بحسب ما تذكره الباحثة إلهام محمود كاظم في دراستها "وصف الرحالة المستشرق جوهان لودفيج بوركهارت لقبور البقيع".

مدفوعين بعقيدتهم الدينية السلفية المعتمدة على أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أقدم المقتحمون على هدم جميع القباب المبنية على قبور البقيع، لا سيما قبور الأئمة الأربعة من آل البيت. عُرفت تلك الأحداث باسم "الهدم الأول".

وصف المستشرق السويسري جون لويس بوركهات -الذي كان يزور الحجاز في تلك الفترة- في كتابه "ملاحظات عن البدو والوهابيين" ما شاهده من آثار الخراب الذي لحق بمقابر البقيع على يد القوات السعودية. فقال: "هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي... وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسُحقت وهُشمت... كان منظر هذه المقبرة حين زرتها عبارة عن أكوام مبعثرة من التراب وحفر واسعة وأنواع من الزبل من دون شاهدة على أي قبر...".

تتفق تلك الشهادة مع ما جاء في كتاب "تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للمؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، الذي قال: "لمّا استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة، لكنهم لم يهدموا قبة النبي. وحملوا الناس على ما حملوهم عليه بمكة وأخذوا جميع ذخائر حجرة‌ النبوة وجواهرها حتى أنهم ملؤوا أربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس والياقوت عظيمة القدر...".

تسببت تلك الأحداث المتسارعة في عمل الدولة العثمانية لاستعادة سيطرتها على الأراضي المقدسة في الحجاز. ففي 1807، طلب العثمانيون من والي مصر محمد علي باشا، أن يحشد حملة عسكرية للقضاء على القوة السعودية.

نجح الوالي في مهمته. وبعد 7 سنوات تمت إعادة بناء بعض القباب بأمر من السلطان العثماني محمود الثاني.

في عام 1925 وقع ما عُرف باسم "الهدم الثاني". كانت الدولة السعودية في تلك الفترة قد تمكنت من الصعود مرة أخرى، حيث تمكن عبد العزيز بن سعود من دخول المدينة ، وقام عندها بتدمير جميع القبور والقباب المرتفعة عن الأرض.

في هذه الأحداث دُمرت مراقد أئمة آل البيت، كما تم تدمير وتخريب قبور العديد من أعلام المذهب السني كالخليفة الثالث عثمان بن عفان والإمام مالك بن أنس.

اعتبر يوم الثامن من شهر شوال -الذي وافق عملية الهدم- يوماً حزيناً لدى المسلمين الشيعة على وجه الخصوص.

في ذلك المعنى يقول حسن الأمين في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: "لم يتعرض البقيع للأذى ولرفات هؤلاء -المدفونين به- بالانتقاص والامتهان إلا في عهد الوهابيين، وبقي البقيع على حاله هذه تقريباً مع ملاحظة تعميره بين مدة وأخرى... إلى أن جاءت نكبة الوهابيين في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، فدمروا المشاهد، وأهانوا الموتى والشهداء والصالحين، وتعرضوا لبقية المسلمين بالتكفير والحرب والقتال بما لم يفعله مسلم ولا كافر في التاريخ من قبل...".

رغم هدم قباب قبور الأئمة، بقيت تلك البقعة مقدسة لدى الطائفة الشيعية، ووقعت العديد من الأحداث التي أثارت الجدل في السنين التي تلت الهدم.

على سبيل المثال، في فبراير سنة 2009، شهدت مقابر البقيع اشتباكات عنيفة بين المئات من الزوار الشيعة وقوات الأمن السعودية، وتم إلقاء القبض على عشرات الزوار، بتهمة مخالفة تعليمات الزيارة وإثارة الشغب.

على أثر تلك الأحداث تظاهر مئات من السعوديين الشيعة في منطقة القطيف التي تتركز فيها الأقلية الشيعية في السعودية، وانتهى الأمر بالإفراج عن جميع المعتقلين.

مواضيع ذات صلة:

الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.
الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمالي العراق وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا. وعلى مر السنين حاولوا تأسيس وطن قومي لهم، وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم الزعماء التاريخيين للأكراد الذين سعوا لإقامة دولة كردية، سواء من خلال الكفاح المسلّح أو عبر حلول سلمية، ونستعرض جوانب من حياتهم والعوامل التي أسهمت في صعودهم سياسياً.

 

في العراق

عرف أكراد العراق ظهور العديد من الشخصيات الهامة التي حاولت تأسيس وطن قومي للشعب الكردي، من بينها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي.

ولد البرزنجي لأسرة كردية مشهورة في منطقة السليمانية، وبدأ حياته السياسية حليفاً للأتراك العثمانيين الذين أمدّوه بالسلاح ضد القوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، كما وضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية.

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب، انضم البرزنجي إلى الإنجليز، وأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية، فقوبل هذا التصرف بتعيينه حاكماً للسليمانية.

بعد فترة من الهدوء، دخل البرزنجي في خصومة مع الإنجليز، لأنه أراد أن يوسع سلطاته في مناطق سكن الأكراد ما أدى لاشتعال الحرب بينه وبين الجيش الإنجليزي.

انتهت المعارك بالقبض على البرزنجي ومحاكمته، وصدر حكم الإعدام بحقّه،  ثم خُفف لاحقاً إلى السجن مدة عشر سنوات مع النفي إلى الهند.

في عام 1922 سمح الإنجليز بعودة البرزنجي إلى العراق مرة أخرى للتصدي للنفوذ التركي، حينذاك  أعلن البرزنجي نفسه ملكاً على كردستان، ودخل في معارك متعددة ضد الحكومة العراقية.

في مايو 1931، أُسدل الستار على ذلك الصراع الطويل بعد تمكّن القوات العراقية من الانتصار على قوات البرزنجي، فانتهت ثورته وسلم نفسه. ت

فرضت عليه الإقامة الجبرية في جنوب العراق. وفي عام 1941 تمكن من العودة للسليمانية وظل بها حتى توفي في 1956.

من القادة الآخرين ملا مصطفى البارزاني. ولد في مارس 1903 بمنطقة بارزان التابعة لمحافظة دهوك شمالي العراق.

في صغره، درس القرآن والحديث والعلوم الدينية في السليمانية وتأثر بالحركة الكردية التي قادها الشيخ البرزنجي. وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي، خاض مصطفى مع أخيه أحمد بعض المعارك ضد القوات العراقية والإنجليزية، واضطرّ في عام 1932 للسفر  إلى تركيا، ليعود بعدها بعامين على أثر عفو الدولة عنه.

يذكر فاضل البراك في كتابه "مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة" أنه كان على صلة قوية بكافة القيادات الكردية في العراق وخارجه ولذلك اختاره قاضي محمد ليكون وزير الدفاع في جمهورية مهاباد في إيران، وهي الجمهورية التي سرعان ما سقطت بعد شهور قليلة من تأسيسها.

في أغسطس 1946، أسس مصطفى البارزاني "الحزب الديمقراطي الكردستاني" واُنتخب رئيساً له. عقب الكثير من المصادمات بين الأكراد وبغداد شهد يوم 11 مارس 1970 عقد اتفاق الحكم الذاتي العراقي–الكردي بينه وبين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، وبموجبها اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكردي ومُنح الأكراد حكماً ذاتياً في محافظات كردستان الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك).

لم تلتزم بغداد ببنود الاتفاق، وفي 1975 عقدت "اتفاقية الجزائر" مع إيران، وتخلت طهران بموجبها عن دعم الأقلية الكردية في العراق. على أثر ذلك، خرج مصطفى البارزاني من العراق إلى إيران ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج من مرض السرطان ومكث فيها 4 سنوات حتى توفي في مارس 1979.

بشكل عام، ترك الزعيم الكردي أثراً كبيراً في وجدان قومه، واعتبر واحداً من أهم رموز القضية الكردية في العصر الحديث، حتى أُطلق عليه لقب "أبو القضية الكردية".

كذلك، اشتهر جلال الطالباني، الذي يُعدّ أول رئيس كردي للعراق. ولد جلال حسام الدين طالباني في 1933 بقرية كلكان التابعة لمحافظة السليمانية. درس المرحلة الابتدائية في كركوك والتحق بكلية الحقوق في بغداد في المرحلة الجامعية.

في نهاية الأربعينيات، التحق طالباني بصفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الستينيات أصبح أحد قادة البيشمركة، كما شارك في المعارك التي دارت بين الأكراد وحكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. وخلال الثمانينيات قاد الطالباني المعارضة الكردية ضد صدام حسين.

عقب خسارة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، تهيأت الظروف لإقامة إقليم كردي شبه مستقل في كردستان العراق. وفي هذا السياق، وقع التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وأُدير الإقليم بقيادة مشتركة من الحزبين، لكن سرعان ما وقعت المواجهة المسلحة بينهما.

لم ينته الصراع بينهما حتى توقيع اتفاقية السلام بين البارزاني والطالباني في العاصمة الأميركية واشنطن عام 1998.

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، سُمح للأكراد بدخول الساحة السياسية العراقية. وفي 2005م، انتخب البرلمان طالباني رئيساً للعراق بعد حصوله على غالبية الأصوات. وفي أكتوبر 2017، توفي الزعيم الكردي عن عمر ناهز 84 عاماً.

 

في إيران

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران. قاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.

ولد سمكو آغا عام 1895، وفي شبابه قاد عشيرة الشكاك الكردية التي استوطنت مساحات واسعة في الأراضي الواقعة غربي بحيرة أرومية، وطالب بتأسيس دولة قومية للأكراد.

في سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد العديد من الاجتماعات مع قيادات الأكراد في كل من إيران والعراق، ثم أعلن الثورة على الدولة القاجارية الحاكمة في إيران، ودخل في العديد من المعارك ضدها بين (1918- 1922).

وفي 1930 تمكنت السلطة القاجارية من القضاء على تمرد سمكو آغا بشكل كامل بعدما نجحت في استدراجه ثم قامت باغتياله.

تجدد حلم إقامة الدولة الكردية أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران وسمح السوفييت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبية فيها.

على أثر ذلك تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان" وقام زعماء الحزب بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، واختيار قاضي محمد زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة. لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة.

في ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية إلى مهاباد وسيطرت على جميع مدنها. كما قامت بحظر اللغة الكردية. وتم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.

زعيم آخر كردي، هو عبد الرحمن قاسملو. وُلد عام 1930م في مدينة أورمية وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي، قبل أن يرحل إلى تركيا ليتابع دراساته في المرحلة الجامعية بإسطنبول.

يذكر الدكتور محمد علي الصويركي في كتابه "تراجم أعلام الكورد" أن قاسملو بدأ نشاطه السياسي في 1945، ولعب دوراً مهماً في تشكيل "اتحاد الشباب الديمقراطيين" في كردستان، الذي كان أحد مؤسسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد فترة قصيرة أصبح قاسملو عضواً رسمياً في الحزب، واُنتخب سكرتيراً عاماً له، ثم ترقى فيه حتى وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان ينادي بالاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان الشرقية.

بعد ذلك رحل قاسملو إلى أوروبا لدراسة علم السياسة والاقتصاد. فدرس في فرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. ثم عمل بعدها على تدريس اللغة الكردية والتاريخ الكردي في بعض الجامعات الأوروبية.

في 1950، عاد إلى إيران وانتخب رئيساً للجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وعرف بمعارضته لسياسات الدولة الإيرانية الشاهنشاهية، فتعرض للحبس عدة مرات.

مع تزايد المعارضة ضد الحكم البهلوي، عاد قاسملو إلى كردستان في أواخر 1978، وقام برفقة 20 ألف مقاتل من قوات البيشمركة بحملة ضد جيش الشاه، واستولى أتباعه على السلاح من الجيش والشرطة في إيران خلال الاضطرابات التي عمت البلاد، وسيطرت البيشمركة على ثماني مدن وعشرين بلدة في كردستان الشرقية، وبذلك وضع الشعب الكردي حجر الأساس لدولته، وأسس فروعاً لحزبه في أنحاء البلاد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، تم تهميش الدور الكردي إلى حد بعيد واضطر قاسملو للهجرة إلى أوروبا. وفي يوليو 1989 اغتيل في العاصمة النمساوية فيينا، ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الإيرانية.

كيف أثّر حزب العمال الكردستاني تاريخياً على العلاقات العراقية التركية؟
خلال الشهر الماضي فقط، صنف العراق حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، لأول مرة منذ الصراع بين الحزب وتركيا. وخلال زيارته للعراق، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يأمل رؤية "نتائج ملموسة" لهذا التصنيف، مضيفا أنه يتطلع إلى "المساعدة العراقية في هذه المعركة". ماذا نعرف عن حزب العمال الكردستاني؟ وكيف أثر تاريخيا على العلاقة بين بغداد وأنقرة؟
 

في تركيا

من أبرز زعماء الكرد في تركيا، كان الشيخ سعيد بيران، الذي ولد عام 1865. درس في صغره العلوم الدينية كما اعتنق التصوف على الطريقة النقشبندية، وحظي بمكانة معتبرة بين الأكراد في منطقة الأناضول وشمال سوريا.

وضح الدور القومي للشيخ سعيد في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتهج مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة نهجاً متشدداً ضد الأقلية الكردية، واتبع سياسة التتريك في المناطق التي يقطنها الأكراد.

في فبراير 1925، اجتمع ممثلون عن أكراد تركيا وسوريا في مدينة حلب. واتفقوا على الوقوف ضد سياسة تركيا الكمالية، كما توافق المجتمعون على انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً لهم. في مارس من العام ذاته، بدأت الثورة الكردية -تحديداً يوم عيد النوروز-  في مناطق عديدة من جنوب شرق تركيا.

في بداية الأمر، حقق الثوار الأكراد بعض الانتصارات، وتمكنوا من فرض الحصار على مدينة ديار بكر. وفي أبريل هُزموا أمام الجيش التركي، كما أُسر الشيخ سعيد بيران مع عدد من أتباعه.

في يونيو من السنة نفسها، حوكم الشيخ سعيد أمام محكمة تركية بتهمة الخيانة. وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ في آخر شهر يونيو ضمن ساحة المسجد الكبير في ديار بكر.

مثال آخر، هو عدد من القادة الأكراد من عائلة بدرخان. وتُنسب إلى عميدها الأمير بدرخان باشا حاكم جزيرة بوتان جنوبي شرق الأناضول.

تولى الأمير بدرخان الحكم في سنة 1812 وتمكن من توحيد القبائل الكردية تحت رايته، ومدّ سلطته حتى وصلت حدود دولته إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً.

في عام 1847، تمكن العثمانيون من اجتياح دولة بدرخان باشا وأسروا الأمير ثم نقلوه إلى إسطنبول، ومنها إلى جزيرة كريت، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى دمشق ليقضي فيها السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفى عام 1869.

لم ينته تأثير الأسرة البدرخانية بوفاة بدرخان باشا، إذ تمكن أبناؤه وأحفاده من إذكاء الروح القومية لدى الأكراد بطرق متعددة. على سبيل المثال، قام عبد الرزاق بدرخان في 1913 بتأسيس أول جمعية ثقافية كردية باسم "كيهاندن" في مدينة خوي في إيران، كما قاد الانتفاضة الكردية لسنوات بدعم من روسيا حتى قُبض عليه وتم إعدامه من قِبل الأتراك في نهاية المطاف.

كذلك، قام جلادت بدرخان بتأليف الأبجدية الكردية اللاتينية، فيما أصدرت زوجته، روشن بدرخان مجلة هاوار من سوريا عام 1932، وعملت من خلالها على نشر الأبجدية الكردية في جميع أنحاء كردستان.

أيضاً كان منهم الأمير مقداد مدحت بدرخان، الذي أصدر صحيفة "كردستان" من القاهرة في عام 1898 وعمل من خلالها على تسليط الضوء على القضية الكردية.

ويُعدّ عبد الله أوجلان من أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقضية الكردية في العصر الحديث. ولد في 1948 في محافظة أورفة التركية. وفي بداية السبعينيات التحق بكلية الحقوق في جامعة إسطنبول ثم تحول لدراسة العلوم السياسية بجامعة أنقرة.

في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني بهدف تأسيس دولة كردية على أجزاء من إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه اضطر عام 1980 للرحيل إلى سوريا، وهناك أقام معسكرات لتدريب أعضاء حزبه. بعدها بأربع سنوات قام الحزب بعمليات عسكرية مختلفة في كل من إيران والعراق وتركيا.

في 1998، طالبت سوريا أوجلان بمغادرة أراضيها بعد أن تعرضت دمشق لضغوط من قِبل أنقرة.

إثر ذلك، تنقل بين روسيا وإيطاليا وكينيا. وفي فبراير 1999 قُبض عليه في كينيا وتم تسليمه للسلطات التركية ليُحاكم بتهمة الإرهاب، فصدر بحقه حكم بالإعدام تحوّل لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، وما زال فيه حتى اليوم.

خلال مسيرته، دخل حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان، في مواجهات دامية مع القوات التركية، نفذ أعضاؤه هجمات داخل الأراضي التركية وخارجه، ما وضعه في قائمة الإرهاب في أكثر من دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.