وقعت معركة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61هـ، وتحتل مكانة كبيرة في الوجدان الشيعي على وجه الخصوص- من مشهد تمثيلي
وقعت معركة كربلاء في العاشر من محرم سنة 61ه هجرية- من مشهد تمثيلي

يمتد تاريخ الحضارة في بلاد الرافدين لأكثر من خمسة آلاف سنة، حيث تمكن الإنسان العراقي القديم من استغلال خصوبة أراضيه فأقام مجتمعاً زراعياً متطوراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وعرف السومريون الكتابة، وأسس البابليون والآشوريون إمبراطوريات عظيمة.

أما العباسيون فحكموا دولة الخلافة الإسلامية من عاصمتهم المزدهرة في بغداد، قبل أن يتعرض العراق لصدمات عنيفة على يد كل من المغول والصفويين والعثمانيين والإنجليز. 

على مر هذا التاريخ الحافل، شهدت البلاد معارك حربية دامية تسببت في سقوط العديد من الإمبراطوريات الواسعة، كما أعلنت عن تأسيس إمبراطوريات أخرى. من جهة أخرى، احتفظت بعض المعارك لنفسها بذكرى قوية في الوجدان الشعبي والمذهبي، فماذا نعرف عنها؟ ولماذا حظيت باهتمام كبير وأرّخ لها المؤرّخون؟

 

معركة كركميش

وقعت تلك المعركة في بلدة كركميش الواقعة على نهر الفرات في سنة 605 قبل الميلاد. في تلك الفترة كان الآشوريون يفرضون سيطرتهم على مساحات واسعة من العراق، بينما كان المصريون يحتفظون لأنفسهم بنفوذ قوي في سوريا.

كانت قوة البابليين تتصاعد شيئاً فشيئاً حتى تمكنوا من الانتصار على الآشوريين في بعض المعارك، ثم قاموا بالاستيلاء على نينوى -عاصمة الآشوريين- في 612 ق.م. بعد ثلاث سنوات احتلّوا مدينة حران -العاصمة الثانية للآشوريين- ليُفتح أمامهم الباب للسيطرة على بلاد الرافدين وسوريا.

لم يكن نخاو الثاني حاكم مصر ليقبل باستئثار البابليين بالسيطرة الكاملة على المنطقة، فتحرك على رأس قواته شمالًا متحالفاً مع بقايا الجيش الآشوري المهزوم.

وحاول أن يستخلص حران من يد البابليين. ولمّا عجز عن ذلك جمع قواته وقاتل البابليين وحلفاءهم من الفرس والميديين في كركميش. انتهت المعركة بهزيمة المصريين والآشوريين وتدمير جيوشهم وانفراد البابليين بالسيطرة على بلاد العراق والشام.

يمكن القول إن نتائج تلك المعركة تسببت في تغيير خريطة القوى السياسية في منطقة الشرق الأدنى القديم، كما مهدت السبل لتأسيس الإمبراطورية البابلية.

 

معركة غوغميلا

وقعت في 331ق.م بمنطقة غوغميلا شمالي العراق الحالي. وكان الإسكندر المقدوني تمكن قبلها بسنوات من توحيد بلاد اليونان تحت رايته، وعزم على الاستيلاء على أملاك الإمبراطورية الفارسية الإخمينية الواسعة في منطقة الشرق الأدنى القديم.

تمكن الإسكندر من دحر جيوش الفرس في مصر وفلسطين وسوريا، ووصل في تقدمه إلى العراق. وفي قرية غوغميلا القديمة دارت رحى الحرب الأخيرة الحاسمة بينه وغريمه دارا الثالث إمبراطور الفرس.

في تلك المعركة، اقترب تعداد اليونانيين من خمسين ألف مقاتل، فيما تشكل الجيش الفارسي من مئات الآلاف الذين تم جمعهم بشكل سريع من جميع أنحاء الإمبراطورية.

كذلك استعان الفرس بالعشرات من الفيلة الحربية المُدربة التي اعتادت أن تشارك في الحروب الآسيوية.

رغم التفوق العددي للفرس، تمكن الإسكندر من الانتصار بفضل خططه الحربية المتطورة التي لم يتمكن دارا الثالث من مجاراتها. يقول المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" واصفاً انتصار اليونانيين في تلك المعركة: "كان نصره -أي الإسكندر- مؤزراً حاسماً، فلم تستطع جيوش دارا المختلة النظام أن تصمد أمام فيالق الإسكندر المتراصة، ولم تعرف كيف تدافع عن نفسها أمام هجمات الفرسان المقدونيين السريعة المتكررة، فتبدد شملها وولت الأدبار...".

فتح الانتصار الباب واسعاً أمام وصول الإسكندر المقدوني إلى بابل عاصمة العراق، ولعبت هذه المعركة دوراً مهماً في تأسيس الإمبراطورية اليونانية القديمة، ونشر الحضارة الهيلينية في معظم بلدان الشرق الأدنى.

 

معركة القادسية

وقعت تلك المعركة في سنة 15 هجرية (636 ميلادية) في قرية القادسية على بعد 27 كيلومتر غربي مدينة الكوفة القديمة. تذكر المصادر التاريخية الإسلامية أن الجيوش العربية استغلت الإضراب الواقع في بيت الحكم الساساني، وتوغلت في الأراضي العراقية زمن الخليفة الأول أبي بكر .

بعد ذلك، تمكن العرب من تحقيق العديد من الانتصارات على الإمبراطورية الفارسية الساسانية زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.

في السنة الخامسة عشر من الهجرة، حاول الفرس أن يضعوا حداً للخطر العربي على نفوذهم في العراق، فجمعوا جيشاً قوياً يزيد عن مئة ألف فارسي. وتمركزوا قرب القادسية انتظاراً لقتال العرب.

على الجانب الآخر، عمل عمر بن الخطاب على جمع المقاتلين من كافة القبائل العربية. يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أن الخليفة أرسل إلى رؤساء القبائل "يأمرهم ألا يدعوا أحداً له سلاح أو فرس، أو نجدة أو رأي، إلا انتخبتموه، ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل".

على إثر تلك التعبئة، نجح المسلمون في تكوين جيش يناهز 40 ألف مقاتل وتوجه الجيش تحت قيادة سعد بن أبي وقاص لقتال الفرس في موقعة القادسية.

دارت أحداث المعركة على مدار أربعة أيام كاملة، وتبادل الطرفان التفوق. في النهاية، انتصر المسلمون ونجحوا في تشتيت الجيش الفارسي؛ لينفتح أمامهم الطريق نحو غزو الهضبة الإيرانية والقضاء على الإمبراطورية الساسانية.

من جهة أخرى، بقيت ذكرى المعركة حاضرة في الوجدان الإسلامي وارتبطت بالتفوق العربي على الفرس.

في العصر الحديث، تم استعادة ذكرى المعركة أثناء الحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين، وفي سنة 1981 قدمت السينما العراقية فيلماً عن أحداث المعركة باسم "القادسية"، قُدرت تكاليف إنتاجه بحوالي أربعة ملايين دينار عراقي (حوالي 15 مليون دولار وقتها)، وكانت ميزانية الفيلم هي الأعلى في تاريخ السينما العربية حتى توقيت عرضه.

 

معركة كربلاء

توفي الحسن بن علي بن أبي طالب في سنة 50هـ. وتصدر بعدها أخوه الحسين بن علي المشهد السياسي بوصفه قائداً روحياً للمعسكر العلوي المعارض للسلطة الأموية الحاكمة.

بقي الحسين محافظاً على شروط الصلح الذي أبرمه الحسن مع معاوية بن أبي سفيان. ولكن بعد وفاة معاوية في 60 هـ، واعتلاء ابنه يزيد لكرسي السلطة، سادت روح التذمر والسخط في المعسكر العلوي؛ لما عُرف عن يزيد من طباع سيئة. بالإضافة إلى أن الصلح الذي عُقد ما بين الحسن ومعاوية، كان قد نص على أن يُترك أمر الخلافة شورى بين المسلمين بعد وفاة معاوية، بحسب ما يذكر الطبري في تاريخه.

تطورت الأحداث بسرعة بعد ذلك، فقد رفض الحسين مبايعة يزيد بن معاوية بالخلافة. وترك المدينة متوجهاً إلى مكة، وهناك وردته كتب مؤيديه في العراق يطلبون منه القدوم عليهم ويتعهدون له بالنصرة والحماية.

تقول إحدى الرسائل التي أرسلوها إليه: "أما بعد، فقد اخضرت الجنان، وأينعت الثمار، فإن شئت فأقدم على جند لك مجندة"، كما ورد في كتاب "تاريخ اليعقوبي".

أرسل الحسين بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتثبت من الأمر، ولمّا جاءه رد مسلم مؤكداً له عزم الكوفيين على نصره، تحرك حفيد الرسول إلى العراق. في الوقت ذاته، كان والي الكوفة عُبيد الله بن زياد، قد تمكن من إخضاع الكوفة بشكل كامل للسلطة الأموية.

في كربلاء، في العاشر من محرم سنة 61 هـ، واجه الحسين الجيش الأموي. تقول المصادر الشيعية مثل "التتمة في تواريخ الأئمة" لتاج الدين العاملي، إن أنصار الحسين في المعركة لم يتعدوا 150 رجلاً، بينما اقترب عدد الأمويين من 30 ألف رجل!

انتهت المعركة بوقوع مذبحة كبرى راح ضحيتها الحسين والعديد من أقاربه وأنصاره، ولم يسلم منها سوى النساء والأطفال وعدد من الرجال المصابين. 

احتلت تلك الموقعة مكانة كبرى في الوجدان الإسلامي بشكل عام، والشيعي منه على وجه الخصوص. كما أضحت ذكراها السنوية مناسبة مقدسة لدى الملايين من المسلمين الشيعة حول العالم.

 

معركة كوت العمارة

جرت أحداث تلك المعركة أثناء الحرب العالمية الأولى في مدينة الكوت الواقعة على ضفاف نهر دجلة جنوبي شرق العراق.

في تلك الفترة، خاض العثمانيون الحرب بجوار كل من ألمانيا والنمسا (دول المركز) ضد دول الائتلاف المكونة أساسا من روسيا وإنجلترا وفرنسا.

في 1915، أطلقت إنجلترا حملة عسكرية كبيرة بقيادة الجنرال تشارلز تاونسند لتطويق الجيش العثماني المتمركز في العراق. تمكن الإنجليز في بادئ الأمر من السيطرة على البصرة، ولكنهم فشلوا في دخول بغداد، ليضطروا بعدها للتراجع إلى مدينة الكوت.

على إثر ذلك التراجع قام العثمانيون بفرض الحصار على القوات الإنجليزية في الكوت وضربوها بالمدفعية لأيام طويلة. أثناء ذلك، نجح الجيش العثماني في إفشال العديد من المحاولات لفك الحصار، وتمكن من الانتصار على القوات الإنجليزية التي قادها الجنرال أيلمر في معارك "شيخ سعد" و"الوادي" و"أم حنة".

على مدار أكثر من أربعة أشهر عانى الإنجليز المُحاصرون من الجوع والمرض بعدما نفدت منهم المؤن والأغذية، واضطر 13 ألف جندي لإعلان استسلامهم في نهاية المطاف في 29 أبريل 1916.

اُعتبرت "كوت العمارة" من أكبر الهزائم التي لحقت بالقوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، ولا تزال المعركة موضع فخر وتمجيد من قِبل الأتراك حتى الآن، باعتبارها آخر الانتصارات الكبرى التي حققها العثمانيون على الدول الأوروبية.

مواضيع ذات صلة:

الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.
الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمالي العراق وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا. وعلى مر السنين حاولوا تأسيس وطن قومي لهم، وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم الزعماء التاريخيين للأكراد الذين سعوا لإقامة دولة كردية، سواء من خلال الكفاح المسلّح أو عبر حلول سلمية، ونستعرض جوانب من حياتهم والعوامل التي أسهمت في صعودهم سياسياً.

 

في العراق

عرف أكراد العراق ظهور العديد من الشخصيات الهامة التي حاولت تأسيس وطن قومي للشعب الكردي، من بينها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي.

ولد البرزنجي لأسرة كردية مشهورة في منطقة السليمانية، وبدأ حياته السياسية حليفاً للأتراك العثمانيين الذين أمدّوه بالسلاح ضد القوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، كما وضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية.

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب، انضم البرزنجي إلى الإنجليز، وأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية، فقوبل هذا التصرف بتعيينه حاكماً للسليمانية.

بعد فترة من الهدوء، دخل البرزنجي في خصومة مع الإنجليز، لأنه أراد أن يوسع سلطاته في مناطق سكن الأكراد ما أدى لاشتعال الحرب بينه وبين الجيش الإنجليزي.

انتهت المعارك بالقبض على البرزنجي ومحاكمته، وصدر حكم الإعدام بحقّه،  ثم خُفف لاحقاً إلى السجن مدة عشر سنوات مع النفي إلى الهند.

في عام 1922 سمح الإنجليز بعودة البرزنجي إلى العراق مرة أخرى للتصدي للنفوذ التركي، حينذاك  أعلن البرزنجي نفسه ملكاً على كردستان، ودخل في معارك متعددة ضد الحكومة العراقية.

في مايو 1931، أُسدل الستار على ذلك الصراع الطويل بعد تمكّن القوات العراقية من الانتصار على قوات البرزنجي، فانتهت ثورته وسلم نفسه. ت

فرضت عليه الإقامة الجبرية في جنوب العراق. وفي عام 1941 تمكن من العودة للسليمانية وظل بها حتى توفي في 1956.

من القادة الآخرين ملا مصطفى البارزاني. ولد في مارس 1903 بمنطقة بارزان التابعة لمحافظة دهوك شمالي العراق.

في صغره، درس القرآن والحديث والعلوم الدينية في السليمانية وتأثر بالحركة الكردية التي قادها الشيخ البرزنجي. وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي، خاض مصطفى مع أخيه أحمد بعض المعارك ضد القوات العراقية والإنجليزية، واضطرّ في عام 1932 للسفر  إلى تركيا، ليعود بعدها بعامين على أثر عفو الدولة عنه.

يذكر فاضل البراك في كتابه "مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة" أنه كان على صلة قوية بكافة القيادات الكردية في العراق وخارجه ولذلك اختاره قاضي محمد ليكون وزير الدفاع في جمهورية مهاباد في إيران، وهي الجمهورية التي سرعان ما سقطت بعد شهور قليلة من تأسيسها.

في أغسطس 1946، أسس مصطفى البارزاني "الحزب الديمقراطي الكردستاني" واُنتخب رئيساً له. عقب الكثير من المصادمات بين الأكراد وبغداد شهد يوم 11 مارس 1970 عقد اتفاق الحكم الذاتي العراقي–الكردي بينه وبين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، وبموجبها اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكردي ومُنح الأكراد حكماً ذاتياً في محافظات كردستان الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك).

لم تلتزم بغداد ببنود الاتفاق، وفي 1975 عقدت "اتفاقية الجزائر" مع إيران، وتخلت طهران بموجبها عن دعم الأقلية الكردية في العراق. على أثر ذلك، خرج مصطفى البارزاني من العراق إلى إيران ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج من مرض السرطان ومكث فيها 4 سنوات حتى توفي في مارس 1979.

بشكل عام، ترك الزعيم الكردي أثراً كبيراً في وجدان قومه، واعتبر واحداً من أهم رموز القضية الكردية في العصر الحديث، حتى أُطلق عليه لقب "أبو القضية الكردية".

كذلك، اشتهر جلال الطالباني، الذي يُعدّ أول رئيس كردي للعراق. ولد جلال حسام الدين طالباني في 1933 بقرية كلكان التابعة لمحافظة السليمانية. درس المرحلة الابتدائية في كركوك والتحق بكلية الحقوق في بغداد في المرحلة الجامعية.

في نهاية الأربعينيات، التحق طالباني بصفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الستينيات أصبح أحد قادة البيشمركة، كما شارك في المعارك التي دارت بين الأكراد وحكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. وخلال الثمانينيات قاد الطالباني المعارضة الكردية ضد صدام حسين.

عقب خسارة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، تهيأت الظروف لإقامة إقليم كردي شبه مستقل في كردستان العراق. وفي هذا السياق، وقع التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وأُدير الإقليم بقيادة مشتركة من الحزبين، لكن سرعان ما وقعت المواجهة المسلحة بينهما.

لم ينته الصراع بينهما حتى توقيع اتفاقية السلام بين البارزاني والطالباني في العاصمة الأميركية واشنطن عام 1998.

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، سُمح للأكراد بدخول الساحة السياسية العراقية. وفي 2005م، انتخب البرلمان طالباني رئيساً للعراق بعد حصوله على غالبية الأصوات. وفي أكتوبر 2017، توفي الزعيم الكردي عن عمر ناهز 84 عاماً.

 

في إيران

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران. قاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.

ولد سمكو آغا عام 1895، وفي شبابه قاد عشيرة الشكاك الكردية التي استوطنت مساحات واسعة في الأراضي الواقعة غربي بحيرة أرومية، وطالب بتأسيس دولة قومية للأكراد.

في سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد العديد من الاجتماعات مع قيادات الأكراد في كل من إيران والعراق، ثم أعلن الثورة على الدولة القاجارية الحاكمة في إيران، ودخل في العديد من المعارك ضدها بين (1918- 1922).

وفي 1930 تمكنت السلطة القاجارية من القضاء على تمرد سمكو آغا بشكل كامل بعدما نجحت في استدراجه ثم قامت باغتياله.

تجدد حلم إقامة الدولة الكردية أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران وسمح السوفييت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبية فيها.

على أثر ذلك تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان" وقام زعماء الحزب بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، واختيار قاضي محمد زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة. لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة.

في ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية إلى مهاباد وسيطرت على جميع مدنها. كما قامت بحظر اللغة الكردية. وتم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.

زعيم آخر كردي، هو عبد الرحمن قاسملو. وُلد عام 1930م في مدينة أورمية وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي، قبل أن يرحل إلى تركيا ليتابع دراساته في المرحلة الجامعية بإسطنبول.

يذكر الدكتور محمد علي الصويركي في كتابه "تراجم أعلام الكورد" أن قاسملو بدأ نشاطه السياسي في 1945، ولعب دوراً مهماً في تشكيل "اتحاد الشباب الديمقراطيين" في كردستان، الذي كان أحد مؤسسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد فترة قصيرة أصبح قاسملو عضواً رسمياً في الحزب، واُنتخب سكرتيراً عاماً له، ثم ترقى فيه حتى وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان ينادي بالاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان الشرقية.

بعد ذلك رحل قاسملو إلى أوروبا لدراسة علم السياسة والاقتصاد. فدرس في فرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. ثم عمل بعدها على تدريس اللغة الكردية والتاريخ الكردي في بعض الجامعات الأوروبية.

في 1950، عاد إلى إيران وانتخب رئيساً للجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وعرف بمعارضته لسياسات الدولة الإيرانية الشاهنشاهية، فتعرض للحبس عدة مرات.

مع تزايد المعارضة ضد الحكم البهلوي، عاد قاسملو إلى كردستان في أواخر 1978، وقام برفقة 20 ألف مقاتل من قوات البيشمركة بحملة ضد جيش الشاه، واستولى أتباعه على السلاح من الجيش والشرطة في إيران خلال الاضطرابات التي عمت البلاد، وسيطرت البيشمركة على ثماني مدن وعشرين بلدة في كردستان الشرقية، وبذلك وضع الشعب الكردي حجر الأساس لدولته، وأسس فروعاً لحزبه في أنحاء البلاد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، تم تهميش الدور الكردي إلى حد بعيد واضطر قاسملو للهجرة إلى أوروبا. وفي يوليو 1989 اغتيل في العاصمة النمساوية فيينا، ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الإيرانية.

كيف أثّر حزب العمال الكردستاني تاريخياً على العلاقات العراقية التركية؟
خلال الشهر الماضي فقط، صنف العراق حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، لأول مرة منذ الصراع بين الحزب وتركيا. وخلال زيارته للعراق، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يأمل رؤية "نتائج ملموسة" لهذا التصنيف، مضيفا أنه يتطلع إلى "المساعدة العراقية في هذه المعركة". ماذا نعرف عن حزب العمال الكردستاني؟ وكيف أثر تاريخيا على العلاقة بين بغداد وأنقرة؟
 

في تركيا

من أبرز زعماء الكرد في تركيا، كان الشيخ سعيد بيران، الذي ولد عام 1865. درس في صغره العلوم الدينية كما اعتنق التصوف على الطريقة النقشبندية، وحظي بمكانة معتبرة بين الأكراد في منطقة الأناضول وشمال سوريا.

وضح الدور القومي للشيخ سعيد في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتهج مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة نهجاً متشدداً ضد الأقلية الكردية، واتبع سياسة التتريك في المناطق التي يقطنها الأكراد.

في فبراير 1925، اجتمع ممثلون عن أكراد تركيا وسوريا في مدينة حلب. واتفقوا على الوقوف ضد سياسة تركيا الكمالية، كما توافق المجتمعون على انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً لهم. في مارس من العام ذاته، بدأت الثورة الكردية -تحديداً يوم عيد النوروز-  في مناطق عديدة من جنوب شرق تركيا.

في بداية الأمر، حقق الثوار الأكراد بعض الانتصارات، وتمكنوا من فرض الحصار على مدينة ديار بكر. وفي أبريل هُزموا أمام الجيش التركي، كما أُسر الشيخ سعيد بيران مع عدد من أتباعه.

في يونيو من السنة نفسها، حوكم الشيخ سعيد أمام محكمة تركية بتهمة الخيانة. وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ في آخر شهر يونيو ضمن ساحة المسجد الكبير في ديار بكر.

مثال آخر، هو عدد من القادة الأكراد من عائلة بدرخان. وتُنسب إلى عميدها الأمير بدرخان باشا حاكم جزيرة بوتان جنوبي شرق الأناضول.

تولى الأمير بدرخان الحكم في سنة 1812 وتمكن من توحيد القبائل الكردية تحت رايته، ومدّ سلطته حتى وصلت حدود دولته إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً.

في عام 1847، تمكن العثمانيون من اجتياح دولة بدرخان باشا وأسروا الأمير ثم نقلوه إلى إسطنبول، ومنها إلى جزيرة كريت، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى دمشق ليقضي فيها السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفى عام 1869.

لم ينته تأثير الأسرة البدرخانية بوفاة بدرخان باشا، إذ تمكن أبناؤه وأحفاده من إذكاء الروح القومية لدى الأكراد بطرق متعددة. على سبيل المثال، قام عبد الرزاق بدرخان في 1913 بتأسيس أول جمعية ثقافية كردية باسم "كيهاندن" في مدينة خوي في إيران، كما قاد الانتفاضة الكردية لسنوات بدعم من روسيا حتى قُبض عليه وتم إعدامه من قِبل الأتراك في نهاية المطاف.

كذلك، قام جلادت بدرخان بتأليف الأبجدية الكردية اللاتينية، فيما أصدرت زوجته، روشن بدرخان مجلة هاوار من سوريا عام 1932، وعملت من خلالها على نشر الأبجدية الكردية في جميع أنحاء كردستان.

أيضاً كان منهم الأمير مقداد مدحت بدرخان، الذي أصدر صحيفة "كردستان" من القاهرة في عام 1898 وعمل من خلالها على تسليط الضوء على القضية الكردية.

ويُعدّ عبد الله أوجلان من أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقضية الكردية في العصر الحديث. ولد في 1948 في محافظة أورفة التركية. وفي بداية السبعينيات التحق بكلية الحقوق في جامعة إسطنبول ثم تحول لدراسة العلوم السياسية بجامعة أنقرة.

في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني بهدف تأسيس دولة كردية على أجزاء من إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه اضطر عام 1980 للرحيل إلى سوريا، وهناك أقام معسكرات لتدريب أعضاء حزبه. بعدها بأربع سنوات قام الحزب بعمليات عسكرية مختلفة في كل من إيران والعراق وتركيا.

في 1998، طالبت سوريا أوجلان بمغادرة أراضيها بعد أن تعرضت دمشق لضغوط من قِبل أنقرة.

إثر ذلك، تنقل بين روسيا وإيطاليا وكينيا. وفي فبراير 1999 قُبض عليه في كينيا وتم تسليمه للسلطات التركية ليُحاكم بتهمة الإرهاب، فصدر بحقه حكم بالإعدام تحوّل لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، وما زال فيه حتى اليوم.

خلال مسيرته، دخل حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان، في مواجهات دامية مع القوات التركية، نفذ أعضاؤه هجمات داخل الأراضي التركية وخارجه، ما وضعه في قائمة الإرهاب في أكثر من دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.