حظيت مدينة النجف الأشرف باهتمام الرحالة الغربيين.

تقع مدينة النجف في الجزء الجنوبي الغربي من وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في الأوساط الشيعية باعتبارها المكان الذي دُفن فيه جثمان علي بن أبي طالب، الإمام الأول عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية.

على مر القرون، زار العديد من الرحالة الغربيين هذه البقعة المقدسة، ووصفوا ما فيها في كتاباتهم. من هم هؤلاء الرحالة؟ وما هي أبرز الملاحظات التي سجلوها أثناء مرورهم بتلك المدينة؟

 

بيدرو تكسيرا

يُعدّ الرحالة البرتغالي، بيدرو تكسيرا، واحدا من أشهر الرحالة في القرن السابع عشر الميلادي، وقد مر تكسيرا بمنطقة الخليج، فزار العديد من المدن الإيرانية، ثم عبر مضيق هرمز وتوجه نحو الأراضي العراقية، فوصل البصرة في شهر أغسطس سنة 1604، والتحق بإحدى القوافل المتوجهة إلى بغداد.

بعد سبعة أيام، وصلت القافلة إلى النجف، وسجل تكسيرا ما شاهده فيها من حقول واسعة للخضراوات، والشعير والحنطة، الأمر الذي يعبّر عن حالة الازدهار الاقتصادي الذي عاشته منطقة النجف في تلك الفترة.

ترك تكسيرا وصفاً دقيقاً لبحيرة النجف، فقال: "تستمد ماءها من الفرات، ولذلك تزداد مقادير الماء في موسم الطغيان، وليس لها شكل معين، لكنها تمتد بطولها حتى يبلغ محيطها خمسة وثلاثين إلى أربعين فرسخاً، وهناك فيما يقرب من منتصفها ممر ضحل تستطيع الحيوانات اجتيازه... والبحيرة شديدة الملوحة، ولذلك يُستخرج منها الملح للاستهلاك في بغداد والمناطق المجاورة".

نزل تكسيرا في أيامه الأولى في النجف ضيفاً على واحد من أهلها يُدعى "الشيخ علاوي"، وبعدها نزل في أحد الخانات الموجودة داخل البلدة. وأتاح له هذا التجول بين مبانيها الدينية العريقة أن يقدم وصفاً للروضة الحيدرية وأن يتحدث عن تطورها وعمرانها وما فيها من التحف والهدايا، كما أشار تكسيرا لأثر الحرب العثمانية الصفوية في تخريب النجف وإبعاد سكانها، فقال إن عدد المنازل المأهولة بالسكان في النجف لا يزيد على الـ600 منزل، في الوقت الذي كانت المدينة تضم فيه ما بين 6000 و7000 منزل حسنة الصنع.

من جهة أخرى، لم ينس تكسيرا أن يشير لطباع وصفات أهل النجف، فقال إنهم بيض الوجوه، وأشار أنهم "يحرمون التعامل مع اليهود والمسيحيين"، كما ذكر أن نشوب الحرب وغياب السلطة عن شوارع المدينة قد تسبب في كثرة الجرائم والمشكلات "فقد كان السكان أحرارا فيما يفعلون، حتى إنهم كانوا يرتكبون الكثير من أعمال العنف والتعدي من دون خوف أو حياء".

 

جان باتيست تافرنييه

زار الرحالة والتاجر الفرنسي، جان باتيست تافرنييه، النجف في القرن السابع عشر. واهتم تافرنييه بوصف ضريح الإمام علي بن أبي طالب فقال إن "من حوله أربع شمعدانات مضاءة، وقناديل مدلاة من السقف، كما كان هناك قارئان يتلوان القرآن الكريم على الدوام".

 

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

وفي سياق حديثه عن المرقد، تحدث تافرنييه عن منع الزوار الإيرانيين من زيارة النجف وغيرها من العتبات المقدسة في العراق من قِبل الشاه عباس الصفوي، وفسر ذلك بأن الزوار كان لا بد لهم من أن يمروا ببغداد قبل الوصول إلى النجف، وهناك كان يترتب على كل منهم أن يدفع رسماً قدره ثمانية قروش، وكان هذا الرسم في نظر الشاه تحدياً وإهانة لرعيته وحكومته، ولذلك عمد إلى تعمير ضريح الإمام علي الرضا في مشهد خراسان ليكتفي الإيرانيون بزيارته وينصرفوا عن زيارة العتبات الأخرى.

من جهة أخرى، تطرق تافرنييه إلى ماء الشرب المستخدم في النجف، فقال إنه ماء غير عذب يستقيه الناس من آبار أربعة موجودة في أنحاء البلدة. أما الطعام، فوصفه الرحالة الفرنسي بأنه كان شحيحاً، وكان أغلبه من التمر والعنب واللوز مما كان يباع بأسعار عالية.

 

كارستن نيبور

في سنة 1765، وصل الرحالة الألماني الشهير كارستن نيبور إلى النجف الأشرف. تحدث نيبور عما شاهده في مقبرة وادي السلام الشهيرة القريبة من النجف، ووصف وقائع نقل أربعة جثامين للدفن في المقبرة.

وأشار الرحالة الألماني إلى المكانة الكبيرة التي احتلتها مقبرة وادي السلام بين الشيعة العراقيين في القرن الثامن عشر الميلادي، وقال إن "الذين كانوا يريدون الدفن بالقرب من مرقد الإمام علي كان عليهم أن يدفعوا مبالغ كبيرة من المال، وأن الذين يدفعون مبالغ معتدلة كان يُسمح لهم بالدفن في داخل أسوار البلدة، أما الذين كانوا يدفعون مبالغ زهيدة فقد كانوا يدفنون موتاهم خارج السور".

أشار نيبور في وصفه للنجف لصعوبة الحصول على مياه الشرب، لأن البلدة تقع في منطقة مجدبة لا يتيسر فيها الماء بسهولة، وذكر أن الناس اعتادت أن تحصل على الماء الخاص بالشرب والاغتسال من قنوات خاصة تمتد في باطن الأرض، فيما كانوا يأتون بالماء الصالح للشرب محملاً على ظهور الحمير من مسافة ثلاث ساعات.

صورة أرشيفية لشط العرب في العراق- تعبيرية
البصرة وشطّ العرب في كتاب الرحالة الإيراني ناصر خسرو
ولد الرحالة ناصر خسرو علوي في منطقة قباديان الإيرانية لأسرة متوسطة الحال. ويُرجح أنه ولادته وقعت عام 1003. تلقى تعليماً جيداً في بدايات حياته ثم التحق بخدمة الغزنويين الذين كانوا يحكمون معظم أرجاء إيران في نهايات القرن الرابع وبدايات القرن الخامس الهجريين.

تطرق الرحالة الألماني أيضاً لبعض التقاليد المذهبية المعروفة في النجف، منها -على سبيل المثال- العلاقة بين أهل السنة والشيعة في النجف وكربلاء واصفا إياها بالحسنة.

وقال إن الشيعة اعتادوا على زيارة النجف في أوقات مخصوصة خلال السنة، ومنها أيام شهر رمضان، والعاشر من محرم، والسابع والعشرون من رجب. وذكر أن السبب في ذلك يعود إلى اعتقاد الشيعة بأن الله يستجيب الدعاء في تلك الأيام بالذات!.

 

بيلي فريزر

في سنة 1834، زار الرحالة الإنجليزي المستر بيلي فريزر النجف، وصادفت زيارته انتشار الطاعون في النجف، وفي مناطق أخرى من العراق.

قدم فريزر وصفاً دقيقاً لآثار الخراب المنتشرة في الكثير من الأماكن، وتحدث عن الفوضى التي أصابت طرق السفر بين المدن، وكيف أن المسافرين صاروا يتعرضون للسلب والنهب بكثرة وبصورة مؤسفة. يقول إن الكثيرين منهم كانوا يجازفون بالسفر إليها فيعودون إلى بغداد بعد أيام معدودة وقد سلبوا إلى حد العري، ومن دون أن يتسنى لهم الوصول إلى العتبات.

في السياق نفسه، أشار الرحالة الإنجليزي إلى الاضطراب الذي أصاب النجف في أيام الوالي العثماني داود باشا، وذكر أن بعض العصاة تجرأوا على التمرد على الحكم التركي، لدرجة أن الوالي قام باستدعاء الجيش إلى النجف للقضاء على التمرد.

 

لوفتس

في سنة 1853، زار النجف رحالة إنجليزي يدعى لوفتس، وكان عضواً من أعضاء لجنة الحدود التي تجولت في منطقة الحدود العراقية الإيرانية. اهتم لوفتس كثيراً بالروايات الفلكلورية الشائعة بين أهالي النجف.

في هذا السياق روى عدداً من الروايات التي سمعها من النجفيين الذين التقى بهم في رحلته، ومنها أن موقع الكوفة كان هو الموضع الذي نزل فيه جبريل إلى الأرض للمرة الأولى، وأن النجف هي المكان الذي انبثقت منه مياه الطوفان العظيم في عهد النبي نوح!.

اهتم الرحالة الإنجليزي أيضاً ببعض الأخبار التاريخية المرتبطة بتاريخ النجف. ومن ذلك قوله إن: المدينة أُسست على أنقاض مدينة الحيرة القديمة، والتي حكمت منها مملكة المناذرة ذات الشهرة الواسعة.

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

وصف لوفتس كذلك موقع النجف الجيولوجي وشكلها العام فقال إنها تقع فوق هضبة من الحجر الرملي الميال إلى اللون الأحمر، وترتفع إلى أربعين قدماً فوق السهول المحيطة بها، وأن أسوارها عامرة ممتازة، يحيط بها خندق عميق خال من الماء.

وتطرق إلى وصف بحر النجف فقال إنه يمتد نحو الجنوب الشرقي إلى مسافة أربعين ميلاً، وينشأ من نهايته السفلى نهران يقال لهما شط الخفيف وشط العطشان.

من جهة أخرى، اهتم لوفتس بوصف مرقد الإمام علي بن أبي طالب، فقال إنه لا يمكن أن يصف الشعور الذي يخالج الناظر إلى جميع ما كان في داخل الجامع من زينة في البناء وتناسق في الألوان، لأن ما يراه كان لا بد من أن يولد انطباعاً خالداً في نفسه.

وصف الرحالة الإنجليزي شكل الصحن والضريح الموجود في وسطه، وأشار إلى زينة القاشاني المحتوية على الرسوم المتناسقة للطيور والأوراق النباتية والكتابات المذهبة، كما وصف القبة الكبرى المكسوة بالذهب والتي تتوهج في نور الشمس حتى "تبدو للرائي من بعيد وكأنها تل من الذهب".

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.