بُني الجامع الأزهر على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله سنة 972 للميلاد.

بُني الجامع الأزهر في مصر سنة 362هـ/ 972م على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله. لم يمر وقت طويل على تأسيسه حتى أضحى جامعة دينية إسلامية مهمة، وهو بتلك الصفة، يُعدّ ثالث أقدم جامعة في العالم بعد جامعتي الزيتونة والقرويين.

حالياً، يحظى الأزهر بنفوذ قوي في شتى جنبات العالم الإسلامي، ويراه الكثيرون المرجعية الأهم في العالم السني.

 كيف تحوّل الأزهر من التشيع إلى المذهب السني؟ وكيف رسخ أقدامه في مختلف القارات عبر السنين؟ وما هي أبرز التصريحات التي صدرت عن مشيخته في الفترة الأخيرة؟.

 

من التشيّع إلى المذهب السنيّ

في سنة 362 للهجرة، وصل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، واتخذ من القاهرة عاصمة جديدة للدولة، ولم يمر وقت طويل، حتى أمر بتشييد جامع جديد في القاهرة، وأراد أن يكون هذا الجامع منبراً للدعوة الإسماعيلية الفاطمية.

عُرف هذا الجامع في بداية الأمر باسم "جامع القاهرة"، ثم تغير اسمه بعد فترة للجامع الأزهر، وذلك بحسب ما يذكر الباحث المصري، الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه "تاريخ مصر الإسلامية".

يرى البعض أن هذا الجامع عُرف بالأزهر نسبةً لقصور الزهراء التي بناها المعز لتكون مقراً لسكن الفاطميين في القاهرة، في ما يرجح آخرون أن التسمية ترجع للقب الزهراء، وهو اللقب الذي اشتهرت به السيدة فاطمة بنت النبي محمد في المصادر الشيعية.

يلقي الباحث المصري محمد عبد الله عنان في كتابه "تاريخ الجامع الأزهر في العصر الفاطمي" الضوء على تلك الفترة، فيقول: "لم يُنشأ –الأزهر- في الأصل ليكون جامعة أو معهداً للدرس، وليس ثمة في ظروف إنشائه ثم في ظروف حياته الأولى ما يدل على أنه أنشئ لمثل هذه الغاية، وإنما أنشئ ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها الدينية، ورمزاً لسيادتها الروحية".

بعد فترة من إنشائه، تحول الأزهر إلى مدرسة وجامعة كبيرة، ودُرست فيه مختلف المعارف والعلوم الشيعية الإسماعيلية.

في هذا المعنى يقول الباحث المصري محمد عبد المنعم خفاجي، في كتابه "الأزهر في ألف عام": "فلابد أن يكون الأزهر قد أسهم في الحركة العقلية والعلمية في عصر المعز والعزيز بالله، وأن يكون أعلام الدين واللغة والأدب قد اتخذوا منه حلقة علمية منظمة".

في هذا السياق، ارتبط الأزهر بأسماء مجموعة من كبار علماء الشيعة الإسماعيلية، من أمثال القاضي النعمان، ابن حيون المغربي، وأبنائه، ويعقوب بن كلس، وداعي الدعاة الشيرازي، والرحالة ناصر خسرو، وصاحب قلعة ألموت الحسن بن الصباح الحميري.

تأثر الأزهر كثيراً بالمتغيرات السياسية التي وقعت على أرض مصر، وأُغلق بعد سقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي في سنة 567هـ/ 1174م، وظل بعيداً عن المشهد حتى قيام الدولة المملوكية في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي.

في تلك الفترة، أُعيد افتتاح المسجد وتم صبغه بالصبغة السنية، ليتخذ مكانه واحدا من أهم الجامعات السنية المعروفة في الشرق الإسلامي.

وفي العصر العثماني، لم تتراجع مكانته، وبقي المؤسسة الدينية المنافسة لمشيخة الإسلام في إستنبول (إسطنبول)، وبعد سقوط الدولة العثمانية على يد الأتاتوركيين في سنة 1924م، أنفرد الأزهر بالمكانة العظمى، وصار المرجعية السنية الأكثر نفوذاً في العالم الإسلامي.

يظهر ذلك النفوذ من خلال ثلاثة أدلة رئيسية، وهي دوره في التعليم الديني المؤسسي المنتشر بين العديد من المسلمين حول العالم، وتأثيره في المراكز الإسلامية المختلفة، فضلاً عن المشاركة السياسية واسعة النطاق.

 

الأزهر والتعليم الديني

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي، -الباحثة بدار الوثائق القومية المصرية في دراستها "دور الأزهر في نشر الفكر الإسلامي الوسطي من واقع ملفات الخارجية المصرية"- أن الدولة المصرية أدركت دور الأزهر القادر على دعم علاقاتها الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 1952، لذا، عملت الدولة على الاستثمار في التعليم الأزهري، وساعدت في نشر هذا النوع من التعليم في مختلف دول العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق، ألقى الباحث المصري صبري محمد حمد في دراسته "النفوذ الجغرافي العالمي لجامعة الأزهر" الضوء على دور جامعة الأزهر في استقطاب الطلبة المسلمين من شتى دول العالم. يذكر حمد أن الجامعة نجحت في استقطاب الطلبة من أكثر من 100 دولة في مختلف قارات العالم.

ويشرح تطور أعداد الدارسين فيذكر أن أعداد ونسب الوافدين من دول الأقليات المسلمة كانت قليلة خلال الستينيات والسبعينيات، وتقل عن 10% في معظم السنوات، وكانت أعلى بين دول قارة آسيا نظراً لارتفاع عدد السكان بها بالمقارنة بالدول الأفريقية.

ويوضح حمد أنه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت أعداد الطلبة الوافدين في التزايد بشكل متدرج، فوصلت نسبتها إلى ما يزيد على 10% من مجموع الطلبة، وبلغت متوسط الـ 15 % في منتصف الثمانينيات، وظلت تتأرجح بين 15% وأقل من 20% في السنوات الأخيرة، وكانت أعلى الأعداد من قارة آسيا (تايلاند والفلبين وسيرلانكا والصين).

في السنوات السابقة، وضح نفوذ الأزهر في منطقة جنوب شرق آسيا على وجه التحديد في العديد من المواقف المثيرة للجدل، فعلى سبيل المثال في مايو 2023، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لرجل الدين المصري أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري للشؤون الدينية وأحد علماء الأزهر، مرفوعا على كرسي فوق جموع في إندونيسيا، الأمر الذي أثار تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، وبيّن المكانة العظيمة التي يتمتع بها الأزهر في تلك الأنحاء.

ولم يقتصر نفوذ الأزهر التعليمي على أسيا فحسب، بل امتد بأشكال مختلفة إلى قارة أوروبا أيضاً.

وفي سبتمبر 2021م، التقى شيخ الأزهر بسفير البوسنة في مصر، وقرر مضاعفة عدد المنح الدراسية مع تيسير الإجراءات لإلحاق الطلاب الراغبين والمؤهلين للدراسة فيه من البوسنة والهرسك.

من جهته، أعرب السفير البوسني عن شكره وتقديره لمؤسسة الأزهر، مؤكدا أن خريجيها يتبؤون مناصب قيادية في البوسنة ويتولون أمور الدعوة، الأمر الذي يعكس الحضور الأزهري المهم في منطقة البلقان وجنوبي أوروبا.

 

الأزهر والمراكز الإسلامية

نجح الأزهر في العقود الماضية في توطيد نفوذه  بالعديد من دول العالم من خلال دعم وتأسيس المراكز الإسلامية.

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي في دراستها بعض الأمثلة الواضحة على ذلك، ومنها الشيخ محمد عليش، الذي أسهم في نشر الدعوة الإسلامية بدولة تشاد، وأنشأ المعهد العلمي في مدينة أبشة، وأدخل إدارته ومناهجه الدراسية تحت إشراف الأزهر، يالإضافة إلى الشيخ أحمد ماهر إسماعيل مفتي كلونيا بألمانيا، الذي درس في الأزهر لفترة طويلة قبل أن يعود إلى ألمانيا ليتم اختياره في منصب الرئيس الأعلى لقضاة المحاكم الشرعية والإفتاء هناك.

في كتابه "الأزهر ودوره السياسي والحضاري في أفريقيا" ذكر الباحث المصري شوقي الجمل أسماء مجموعة من المراكز الإسلامية التي دعمها الأزهر في الآونة الأخيرة داخل القارة الأفريقية، ومنها كل من المركز الثقافي العربي في سيراليون، ومركز الثقافة العربية في نيجيريا، والمركز الإسلامي في دار السلام بتنزانيا، والمركز الثقافي الإسلامي في ساحل العاج.

لم تكتف مشيخة الأزهر بتقديم الدعم فحسب، بل قامت بإنشاء مجموعة من المراكز التابعة لها بشكل كامل.

على سبيل المثال أسس الأزهر مركزين ثقافيين جديدين في آسيا، أحدهما في إندونيسيا والآخر في باكستان، وتتكون نواتهما من مجموعة من علماء الأزهر الذين يجيدون لغات متعددة، ويساعدهم في أعمالهم عدد كبير من الدعاة الإندونيسيين والباكستانيين.

من جهة أخرى، في يونيو 2015، دعم الأزهر نفوذه خارج المنطقة العربية من خلال افتتاح "مرصد الأزهر لمكافحة التطرف".

يعمل المرصد بـ 12 لغة أجنبية حية، منها الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، واليونانية، والألمانية، والفارسية، والتركية، والأردية، وتتمثل مهمة المرصد في متابعة كل ما ينشر عن الإسلام والمسلمين على مواقع شبكة المعلومات الدولية وصفحات التواصل الاجتماعي.

كما يقدم المرصد دراسات دورية متخصصة في ظواهر التطرف والإسلاموفوبيا.

حظي المرصد باهتمام واسع النطاق من قِبل قطاعات كبيرة من المسلمين غير العرب، وتمكنوا من خلاله من التعرف على العديد من الفتاوى والآراء الفقهية والشرعية.

 

دور المشيخة في الأحداث السياسية

لعب الأزهر أدواراً سياسية مهمة في العقود الأخيرة، ففي خمسينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع وصول الضباط الأحرار للحكم في مصر، قدم الأزهر دعمه للحركات الوطنية في الدول الأفريقية كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، وحركة الشيخ عثمان بن فودي، وحركة الشيخ أحمد لوبو، وحركة الحاج عمر التكروري في غربي أفريقيا،

وفي سنة 2014، وبالتزامن مع سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر أعلنت أبو ظبي عن تشكيل تجمع تحت اسم "مجلس حكماء المسلمين"، واختير أحمد الطيب، شيخ الأزهر لرئاسته، وقد نُظر للتجمع وقتها باعتباره مؤسسة دينية منافسة "للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يرأسه يوسف القرضاوي، ويقع مقره في العاصمة القطرية الدوحة، الأمر الذي بيَن التوجه السياسي الأزهري المعادي لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وتيارات الإسلام السياسي.

من جهة أخرى، عبّر الأزهر في السنوات الأخيرة عن رأيه في العديد من الأحداث السياسية التي تمسّ العالم الإسلامي.

وفي فبراير 2016م قال أحمد الطيب إن: "الحرب في سوريا ليست بين السنة والشيعة بل بين أمريكا وروسيا، وأن الشيعة والسنة إخوة ولم يعرف التاريخ أي خلافات بينهما".

وفي سبتمبر 2017م، شارك الأزهر في مؤتمر "طرق السلام" الذي عقد بمدينة مونستر بألمانيا، والتقى أحمد الطيب المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، وناقش الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في بورما.

وفي فبراير 2019، شارك الأزهر -ممثلاً بشيخه- في إصدار "وثيقة أبو ظبي التاريخية للأخوة الإنسانية"، والتي وقع عليها أيضا البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان. وقد اشتملت الوثيقة على مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تهدف إلى نشر قيم الحوار والتسامح والتعايش المشترك.

وأخذت الوثيقة صيغة دولية بعد أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم توقيع الوثيقة يومًا دولياً للأخوة الإنسانية.

 

مؤخراً، عبّر شيخ الأزهر عن رأيه في الحرب الإسرائيلية على غزة، فقال منتقداً إن "ما يحدث في قطاع غزة ليس حرباً لكنها جريمة إبادة جماعية، كما دشن الأزهر حملة (أغيثوا غزة)، والتي قدمت المساعدات الغذائية والطبية للآلاف من المنكوبين الفلسطينيين عبر معبر رفح.

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.