بُني الجامع الأزهر على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله سنة 972 للميلاد.

بُني الجامع الأزهر في مصر سنة 362هـ/ 972م على يد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله. لم يمر وقت طويل على تأسيسه حتى أضحى جامعة دينية إسلامية مهمة، وهو بتلك الصفة، يُعدّ ثالث أقدم جامعة في العالم بعد جامعتي الزيتونة والقرويين.

حالياً، يحظى الأزهر بنفوذ قوي في شتى جنبات العالم الإسلامي، ويراه الكثيرون المرجعية الأهم في العالم السني.

 كيف تحوّل الأزهر من التشيع إلى المذهب السني؟ وكيف رسخ أقدامه في مختلف القارات عبر السنين؟ وما هي أبرز التصريحات التي صدرت عن مشيخته في الفترة الأخيرة؟.

 

من التشيّع إلى المذهب السنيّ

في سنة 362 للهجرة، وصل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، واتخذ من القاهرة عاصمة جديدة للدولة، ولم يمر وقت طويل، حتى أمر بتشييد جامع جديد في القاهرة، وأراد أن يكون هذا الجامع منبراً للدعوة الإسماعيلية الفاطمية.

عُرف هذا الجامع في بداية الأمر باسم "جامع القاهرة"، ثم تغير اسمه بعد فترة للجامع الأزهر، وذلك بحسب ما يذكر الباحث المصري، الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه "تاريخ مصر الإسلامية".

يرى البعض أن هذا الجامع عُرف بالأزهر نسبةً لقصور الزهراء التي بناها المعز لتكون مقراً لسكن الفاطميين في القاهرة، في ما يرجح آخرون أن التسمية ترجع للقب الزهراء، وهو اللقب الذي اشتهرت به السيدة فاطمة بنت النبي محمد في المصادر الشيعية.

يلقي الباحث المصري محمد عبد الله عنان في كتابه "تاريخ الجامع الأزهر في العصر الفاطمي" الضوء على تلك الفترة، فيقول: "لم يُنشأ –الأزهر- في الأصل ليكون جامعة أو معهداً للدرس، وليس ثمة في ظروف إنشائه ثم في ظروف حياته الأولى ما يدل على أنه أنشئ لمثل هذه الغاية، وإنما أنشئ ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها الدينية، ورمزاً لسيادتها الروحية".

بعد فترة من إنشائه، تحول الأزهر إلى مدرسة وجامعة كبيرة، ودُرست فيه مختلف المعارف والعلوم الشيعية الإسماعيلية.

في هذا المعنى يقول الباحث المصري محمد عبد المنعم خفاجي، في كتابه "الأزهر في ألف عام": "فلابد أن يكون الأزهر قد أسهم في الحركة العقلية والعلمية في عصر المعز والعزيز بالله، وأن يكون أعلام الدين واللغة والأدب قد اتخذوا منه حلقة علمية منظمة".

في هذا السياق، ارتبط الأزهر بأسماء مجموعة من كبار علماء الشيعة الإسماعيلية، من أمثال القاضي النعمان، ابن حيون المغربي، وأبنائه، ويعقوب بن كلس، وداعي الدعاة الشيرازي، والرحالة ناصر خسرو، وصاحب قلعة ألموت الحسن بن الصباح الحميري.

تأثر الأزهر كثيراً بالمتغيرات السياسية التي وقعت على أرض مصر، وأُغلق بعد سقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي في سنة 567هـ/ 1174م، وظل بعيداً عن المشهد حتى قيام الدولة المملوكية في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي.

في تلك الفترة، أُعيد افتتاح المسجد وتم صبغه بالصبغة السنية، ليتخذ مكانه واحدا من أهم الجامعات السنية المعروفة في الشرق الإسلامي.

وفي العصر العثماني، لم تتراجع مكانته، وبقي المؤسسة الدينية المنافسة لمشيخة الإسلام في إستنبول (إسطنبول)، وبعد سقوط الدولة العثمانية على يد الأتاتوركيين في سنة 1924م، أنفرد الأزهر بالمكانة العظمى، وصار المرجعية السنية الأكثر نفوذاً في العالم الإسلامي.

يظهر ذلك النفوذ من خلال ثلاثة أدلة رئيسية، وهي دوره في التعليم الديني المؤسسي المنتشر بين العديد من المسلمين حول العالم، وتأثيره في المراكز الإسلامية المختلفة، فضلاً عن المشاركة السياسية واسعة النطاق.

 

الأزهر والتعليم الديني

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي، -الباحثة بدار الوثائق القومية المصرية في دراستها "دور الأزهر في نشر الفكر الإسلامي الوسطي من واقع ملفات الخارجية المصرية"- أن الدولة المصرية أدركت دور الأزهر القادر على دعم علاقاتها الدبلوماسية الخارجية بعد ثورة 1952، لذا، عملت الدولة على الاستثمار في التعليم الأزهري، وساعدت في نشر هذا النوع من التعليم في مختلف دول العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق، ألقى الباحث المصري صبري محمد حمد في دراسته "النفوذ الجغرافي العالمي لجامعة الأزهر" الضوء على دور جامعة الأزهر في استقطاب الطلبة المسلمين من شتى دول العالم. يذكر حمد أن الجامعة نجحت في استقطاب الطلبة من أكثر من 100 دولة في مختلف قارات العالم.

ويشرح تطور أعداد الدارسين فيذكر أن أعداد ونسب الوافدين من دول الأقليات المسلمة كانت قليلة خلال الستينيات والسبعينيات، وتقل عن 10% في معظم السنوات، وكانت أعلى بين دول قارة آسيا نظراً لارتفاع عدد السكان بها بالمقارنة بالدول الأفريقية.

ويوضح حمد أنه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأت أعداد الطلبة الوافدين في التزايد بشكل متدرج، فوصلت نسبتها إلى ما يزيد على 10% من مجموع الطلبة، وبلغت متوسط الـ 15 % في منتصف الثمانينيات، وظلت تتأرجح بين 15% وأقل من 20% في السنوات الأخيرة، وكانت أعلى الأعداد من قارة آسيا (تايلاند والفلبين وسيرلانكا والصين).

في السنوات السابقة، وضح نفوذ الأزهر في منطقة جنوب شرق آسيا على وجه التحديد في العديد من المواقف المثيرة للجدل، فعلى سبيل المثال في مايو 2023، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لرجل الدين المصري أسامة الأزهري مستشار الرئيس المصري للشؤون الدينية وأحد علماء الأزهر، مرفوعا على كرسي فوق جموع في إندونيسيا، الأمر الذي أثار تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، وبيّن المكانة العظيمة التي يتمتع بها الأزهر في تلك الأنحاء.

ولم يقتصر نفوذ الأزهر التعليمي على أسيا فحسب، بل امتد بأشكال مختلفة إلى قارة أوروبا أيضاً.

وفي سبتمبر 2021م، التقى شيخ الأزهر بسفير البوسنة في مصر، وقرر مضاعفة عدد المنح الدراسية مع تيسير الإجراءات لإلحاق الطلاب الراغبين والمؤهلين للدراسة فيه من البوسنة والهرسك.

من جهته، أعرب السفير البوسني عن شكره وتقديره لمؤسسة الأزهر، مؤكدا أن خريجيها يتبؤون مناصب قيادية في البوسنة ويتولون أمور الدعوة، الأمر الذي يعكس الحضور الأزهري المهم في منطقة البلقان وجنوبي أوروبا.

 

الأزهر والمراكز الإسلامية

نجح الأزهر في العقود الماضية في توطيد نفوذه  بالعديد من دول العالم من خلال دعم وتأسيس المراكز الإسلامية.

تذكر مرفت فؤاد عبد المعطي في دراستها بعض الأمثلة الواضحة على ذلك، ومنها الشيخ محمد عليش، الذي أسهم في نشر الدعوة الإسلامية بدولة تشاد، وأنشأ المعهد العلمي في مدينة أبشة، وأدخل إدارته ومناهجه الدراسية تحت إشراف الأزهر، يالإضافة إلى الشيخ أحمد ماهر إسماعيل مفتي كلونيا بألمانيا، الذي درس في الأزهر لفترة طويلة قبل أن يعود إلى ألمانيا ليتم اختياره في منصب الرئيس الأعلى لقضاة المحاكم الشرعية والإفتاء هناك.

في كتابه "الأزهر ودوره السياسي والحضاري في أفريقيا" ذكر الباحث المصري شوقي الجمل أسماء مجموعة من المراكز الإسلامية التي دعمها الأزهر في الآونة الأخيرة داخل القارة الأفريقية، ومنها كل من المركز الثقافي العربي في سيراليون، ومركز الثقافة العربية في نيجيريا، والمركز الإسلامي في دار السلام بتنزانيا، والمركز الثقافي الإسلامي في ساحل العاج.

لم تكتف مشيخة الأزهر بتقديم الدعم فحسب، بل قامت بإنشاء مجموعة من المراكز التابعة لها بشكل كامل.

على سبيل المثال أسس الأزهر مركزين ثقافيين جديدين في آسيا، أحدهما في إندونيسيا والآخر في باكستان، وتتكون نواتهما من مجموعة من علماء الأزهر الذين يجيدون لغات متعددة، ويساعدهم في أعمالهم عدد كبير من الدعاة الإندونيسيين والباكستانيين.

من جهة أخرى، في يونيو 2015، دعم الأزهر نفوذه خارج المنطقة العربية من خلال افتتاح "مرصد الأزهر لمكافحة التطرف".

يعمل المرصد بـ 12 لغة أجنبية حية، منها الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، واليونانية، والألمانية، والفارسية، والتركية، والأردية، وتتمثل مهمة المرصد في متابعة كل ما ينشر عن الإسلام والمسلمين على مواقع شبكة المعلومات الدولية وصفحات التواصل الاجتماعي.

كما يقدم المرصد دراسات دورية متخصصة في ظواهر التطرف والإسلاموفوبيا.

حظي المرصد باهتمام واسع النطاق من قِبل قطاعات كبيرة من المسلمين غير العرب، وتمكنوا من خلاله من التعرف على العديد من الفتاوى والآراء الفقهية والشرعية.

 

دور المشيخة في الأحداث السياسية

لعب الأزهر أدواراً سياسية مهمة في العقود الأخيرة، ففي خمسينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع وصول الضباط الأحرار للحكم في مصر، قدم الأزهر دعمه للحركات الوطنية في الدول الأفريقية كالحركة السنوسية في ليبيا، والحركة المهدية في السودان، وحركة الشيخ عثمان بن فودي، وحركة الشيخ أحمد لوبو، وحركة الحاج عمر التكروري في غربي أفريقيا،

وفي سنة 2014، وبالتزامن مع سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر أعلنت أبو ظبي عن تشكيل تجمع تحت اسم "مجلس حكماء المسلمين"، واختير أحمد الطيب، شيخ الأزهر لرئاسته، وقد نُظر للتجمع وقتها باعتباره مؤسسة دينية منافسة "للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يرأسه يوسف القرضاوي، ويقع مقره في العاصمة القطرية الدوحة، الأمر الذي بيَن التوجه السياسي الأزهري المعادي لأفكار جماعة الإخوان المسلمين، وتيارات الإسلام السياسي.

من جهة أخرى، عبّر الأزهر في السنوات الأخيرة عن رأيه في العديد من الأحداث السياسية التي تمسّ العالم الإسلامي.

وفي فبراير 2016م قال أحمد الطيب إن: "الحرب في سوريا ليست بين السنة والشيعة بل بين أمريكا وروسيا، وأن الشيعة والسنة إخوة ولم يعرف التاريخ أي خلافات بينهما".

وفي سبتمبر 2017م، شارك الأزهر في مؤتمر "طرق السلام" الذي عقد بمدينة مونستر بألمانيا، والتقى أحمد الطيب المستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، وناقش الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في بورما.

وفي فبراير 2019، شارك الأزهر -ممثلاً بشيخه- في إصدار "وثيقة أبو ظبي التاريخية للأخوة الإنسانية"، والتي وقع عليها أيضا البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان. وقد اشتملت الوثيقة على مجموعة من المبادئ الإنسانية التي تهدف إلى نشر قيم الحوار والتسامح والتعايش المشترك.

وأخذت الوثيقة صيغة دولية بعد أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم توقيع الوثيقة يومًا دولياً للأخوة الإنسانية.

 

مؤخراً، عبّر شيخ الأزهر عن رأيه في الحرب الإسرائيلية على غزة، فقال منتقداً إن "ما يحدث في قطاع غزة ليس حرباً لكنها جريمة إبادة جماعية، كما دشن الأزهر حملة (أغيثوا غزة)، والتي قدمت المساعدات الغذائية والطبية للآلاف من المنكوبين الفلسطينيين عبر معبر رفح.

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.