Muslim worshippers pray during the Muslim holy fasting month of Ramadan at Hagia Sophia mosque in Istanbul, Turkey, Friday,…
مسلمون يقيمون الصلاة في "آية صوفيا" الكنيسة التاريخية التي حوّلها إردوغان مجدداً إلى جامع- تعبيرية

عاد الجدل حول تحويل كنيسة المخلّص في خورا التركية إلى مسجد للظهور إلى الواجهة بالتزامن مع زيارة رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى أنقرة ولقائه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

قبل أسبوع من الزيارة عبّر ميتسوتاكيس عن "استيائه الشديد"، قائلا "لا نقص في المساجد في المدينة، وهذه ليست طريقة للتعامل مع التراث الثقافي"، مذكّرا بأن إسطنبول "كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية والأرثوذكسية لأكثر من ألف عام".

واتخذت أنقرة قرار تحويل الكنيسة التي تحمل بعداً رمزياً كبيراً إلى مسجد في عام 2020، لكن القرار لم يكن قد نُفذ بعد، ورأى فيه ميتسوتاكيس "عملاً غير ضروري على الإطلاق" و"استفزازياً إلى حد ما" ليس فقط في ما يتعلق بالعلاقات اليونانية التركية، ولكن أيضاً بالنسبة للتراث العالمي و"احترام طابعه الخالد" وفق تعبيره.

تاريخياً تحولت الكثير من المساجد إلى كنائس والعكس بالعكس، خصوصاً في فترات الفتوحات الإسلامية، أو في مراحل الحملات الصليبية، حيث كان الغالب يفرض على المغلوب تغيير هوية دور العبادة. وبعض هذه الدور تنقّلت بين مراحل متعددة، كما هي الحال مثلاً مع المسجد الأموي في دمشق، الذي كان معبداً آرامياً، قبل أن يصير كنيسة القديس يوحنا المعمدان مع انتشار المسيحية في الشام، ويصير في ما بعد جامعاً على يد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

جامع قرطبة أيضاً، الذي يعتبر من أبرز صروح الحضارة الإسلامية في إسبانيا وبدأ بناؤه في الموجة الأولى لفتح المسلمين الأندلس، تحول لاحقاً إلى كاتدرائية، عندما عادت قرطبة للحكم المسيحي، في بدايات القرن الثالث عشر. وتتحدث الكثير من الروايات عن أن الجامع بني في الأصل على أنقاض كنيسة كانت موجودة في مكانه.

"هدم الكنائس" و"مصادرة الأملاك".. مسيحيون تحت حكم الخلفاء
طاعترف الدين الإسلامي بالمسيحية بوصفها إحدى الديانات الكتابية ذات الأصل الإلهي. واتسمت العلاقة بين النبي والمسيحيين بالود والتسامح في أغلب فتراتها. على الطرف الآخر، حظي المسلمون المهاجرون إلى الحبشة بدعم النجاشي. وتمتع نصارى نجران بهامش واسع من الحرية، التي سمحت بها الدولة الإسلامية في العهد النبوي.

يستغرب المتخصص في الرسوم والتصاوير الإسلامية والمسيحية، الباحث محمود الزيباوي، سلوك أردوغان مع دور العبادة "في وقت يجب أن يكون العالم قد تخطى مسألة مصادرة دور العبادة وتحويلها من دين إلى آخر، وأن هناك اتفاقاً ضمنياً بين الجميع على التعامل مع المعابد التاريخية بحسب ما انتهت إليه في القرن الواحد والعشرين، والمحافظة على قيمتها التاريخية والأثرية كجزء من التراث العالمي".

يعطي زيباوي مثلاً عن ترميم الكثير من المعابد اليهودية في الدول العربية، رغم الصراع والعداوة مع إسرائيل، ورغم عدم وجود يهود في هذه الدول، لكن جرى الحفاظ على المعابد وترميمها وحراستها كآثار ومتاحف تاريخية يجب ألا يتم التفريط بها.

ولا تبدو هذه المشكلة مطروحة في أوروبا والولايات المتحدة على سبيل المثال، عند الحديث عن تحويل معلم ديني حديث من دين إلى آخر. فحين تغيب القيمة التراثية للمعلم، ويكون مملوكاً لجهة خاصة، لا مشكلة في بيعه وتغيير وظيفته، والتعامل معه كعقار ليس إلا. 

وهناك الكثير من الجوامع في الولايات المتحدة كانت كنائس اشتراها مسلمون وحوّلوها إلى دور عبادة خاصة بهم، وقد يحدث أن تتحول دار عبادة بعد شرائها إلى معلم تجاري أو ترفيهي، ولا يمثّل هذا الأمر أي استهجان في المجتمعات التي تحدث فيها، طالما أن الأمر لا يشكل تعدياً على التراث الإنساني، ولا يُقرأ في سياق الحساسيات التاريخية للتاريخ الدموي بين الأديان.

وكانت رمزية هذا النوع من السلوك مع المعابد، بحسب زيباوي، ترتبط بتأكيد انتصار الغازي أو الفاتح الذي دخل مدينة معينة، فيسيطر على معابدها ويقوم بالتصرف بها. وفي كثير من حالات الفتح الإسلامي، كان الفاتح حينما يصادر كنيسة ويحولها إلى جامع، يدفع تعويضات للمسيحيين، على أساس أنهم أهل ذمة.

"أما في عالم اليوم فلم يعد هذا الأمر مقبولاً، ويجب ألا يكون مطروحاً للنقاش في القرن الواحد والعشرين"، يتابع زيباوي لـ"ارفع صوتك"، لافتاً إلى أن "تنظيم داعش لدى سيطرته على مدينة الموصل في العراق، حوّل بعض الكنائس إلى جوامع ورفع الأذان فيها كسلوك استفزازي يعود إلى القرون المظلمة، وإلى تصرّفات عفا عليها الزمن".

حطام وآثار رصاص.. أطلال كنائس الموصل تستقبل بابا الفاتيكان
في الموصل، المجاورة لمدينة نينوى التوراتية، تحتل أربع كنائس تمثل طوائف مختلفة ساحة صغيرة محاطة بمنازل منخفضة الارتفاع، مما يدل على الدور الذي لعبه المجتمع المسيحي المزدهر في العراق.

واليوم، تضررت الكنائس الأربع أو دمرت بعد أن احتل مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية المدينة من 2014-2017، ودنسوا العديد من المباني واستخدموها لإدارة

يتفق الباحث في الشأن السياسي وتاريخ الأفكار الأستاذ الجامعي وسام سعادة مع زيباوي في أن مصير دور العبادة تاريخيا كان بيد المنتصر.

ويفنّد في حديثه مع "ارفع صوتك" الخيارات التي كانت متاحة "فإما أن يهدم الغالب المعابد، أو يقرر ما إذا كان سيسمح للمهزوم بترك دور العبادة والتصرف بها ومنعه من بناء دور عبادة جديدة، أو يذهب إلى خيار ثالث، يقوم معه بمصادرة دور العبادة لاستبدالها بشيء آخر، فإما تستخدم على أنها مكان مدنّس ولم تعد مكاناً للمقدس، أو على العكس تماماً، يُصار إلى اعتبار أن المقدس في هذا المكان لا يزال مستمراً ولكن بحلة أخرى ودين آخر".

ويشرح سعادة أن الإسلام لم يتصرف بنمط واحد مع دور العبادة المسيحية واليهودية، في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات "فهناك ما هُدم وهناك ما أبقي عليه وسُمح لأتباع الديانتين المسيحية او اليهودية أن يمارسوها فيه، وهناك مناطق سمح المسلمون فيها ببناء دور عبادة جديدة للديانات الأخرى".

ويضيف "غالبا إذا لم تستسلم المنطقة التي يغزوها جيش المسلمين، يصار إلى التعامل معها بقسوة، بعد فتحها عنوة، ويقدم المسلمون على تحويل كنائسها إلى جوامع، وهذا ما حدث مع كنيسة آية صوفيا".

ويعتقد سعادة أن القسطنطينية "لو لم تستسلم عنوة، لما تم تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، والتعنّت في رفض التسليم هو الذي تسبب في تحويلها إلى مسجد".

أما مرحلة مصطفى كمال أتاتورك، فكانت مختلفة في التعامل مع دور العبادة. باني تركيا الحديثة، المعروف بعلمانيته وقوميته، حوّل آية صوفيا إلى متحف. وهذا لا يعني، كما يوضح سعادة، أن "منطق أتاتورك كان يعتبر أن المقدس تحول إلى مدنّس بنزع وظيفته منه، بل في استمرارية للمقدس. والمتاحف بالنسبة لأتاتورك تمثل معابد الدولة القومية الحديثة، فالقومية هي دين الحداثة وتمجيد ذاكرة الأمة يكون في المتاحف".

ويستذكر سعادة أحد الأمثلة على تحويل دور العبادة، وهو ما حدث مع هدم مسجد بابري في الهند عام 1992 من قبل آلاف الغاضبين الهندوس، حينها أجاز القضاء الهندي بناء معبد هندوسي للإله راما في مكانه.

يقول "هذا حدث بتشريع من قبل آليات مؤسسة قضائية هندية، بمعنى أن الهدم حدث من الناس الغاضبين، لكن تحوُّل المسجد إلى دار عبادة للإله راما اتخذ بعداً مؤسساتياً مع القرار القضائي".

وهذا الحدث الجلل لم يثر ضجة ولا استفز المسلمين في الشرق الأوسط، مع أنه طبع في ذاكرة جيل كبير في شبه القارة الهندية، ولا يستبعد سعادة أن يكون تدمير تماثيل بوذا في باميان في أفغانسان عام 2001 من قبل طالبان مرتبطاً ضمنياً بهدم مسجد بابري.

مواضيع ذات صلة:

الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.
الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمالي العراق وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا. وعلى مر السنين حاولوا تأسيس وطن قومي لهم، وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم الزعماء التاريخيين للأكراد الذين سعوا لإقامة دولة كردية، سواء من خلال الكفاح المسلّح أو عبر حلول سلمية، ونستعرض جوانب من حياتهم والعوامل التي أسهمت في صعودهم سياسياً.

 

في العراق

عرف أكراد العراق ظهور العديد من الشخصيات الهامة التي حاولت تأسيس وطن قومي للشعب الكردي، من بينها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي.

ولد البرزنجي لأسرة كردية مشهورة في منطقة السليمانية، وبدأ حياته السياسية حليفاً للأتراك العثمانيين الذين أمدّوه بالسلاح ضد القوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، كما وضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية.

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب، انضم البرزنجي إلى الإنجليز، وأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية، فقوبل هذا التصرف بتعيينه حاكماً للسليمانية.

بعد فترة من الهدوء، دخل البرزنجي في خصومة مع الإنجليز، لأنه أراد أن يوسع سلطاته في مناطق سكن الأكراد ما أدى لاشتعال الحرب بينه وبين الجيش الإنجليزي.

انتهت المعارك بالقبض على البرزنجي ومحاكمته، وصدر حكم الإعدام بحقّه،  ثم خُفف لاحقاً إلى السجن مدة عشر سنوات مع النفي إلى الهند.

في عام 1922 سمح الإنجليز بعودة البرزنجي إلى العراق مرة أخرى للتصدي للنفوذ التركي، حينذاك  أعلن البرزنجي نفسه ملكاً على كردستان، ودخل في معارك متعددة ضد الحكومة العراقية.

في مايو 1931، أُسدل الستار على ذلك الصراع الطويل بعد تمكّن القوات العراقية من الانتصار على قوات البرزنجي، فانتهت ثورته وسلم نفسه. ت

فرضت عليه الإقامة الجبرية في جنوب العراق. وفي عام 1941 تمكن من العودة للسليمانية وظل بها حتى توفي في 1956.

من القادة الآخرين ملا مصطفى البارزاني. ولد في مارس 1903 بمنطقة بارزان التابعة لمحافظة دهوك شمالي العراق.

في صغره، درس القرآن والحديث والعلوم الدينية في السليمانية وتأثر بالحركة الكردية التي قادها الشيخ البرزنجي. وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي، خاض مصطفى مع أخيه أحمد بعض المعارك ضد القوات العراقية والإنجليزية، واضطرّ في عام 1932 للسفر  إلى تركيا، ليعود بعدها بعامين على أثر عفو الدولة عنه.

يذكر فاضل البراك في كتابه "مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة" أنه كان على صلة قوية بكافة القيادات الكردية في العراق وخارجه ولذلك اختاره قاضي محمد ليكون وزير الدفاع في جمهورية مهاباد في إيران، وهي الجمهورية التي سرعان ما سقطت بعد شهور قليلة من تأسيسها.

في أغسطس 1946، أسس مصطفى البارزاني "الحزب الديمقراطي الكردستاني" واُنتخب رئيساً له. عقب الكثير من المصادمات بين الأكراد وبغداد شهد يوم 11 مارس 1970 عقد اتفاق الحكم الذاتي العراقي–الكردي بينه وبين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، وبموجبها اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكردي ومُنح الأكراد حكماً ذاتياً في محافظات كردستان الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك).

لم تلتزم بغداد ببنود الاتفاق، وفي 1975 عقدت "اتفاقية الجزائر" مع إيران، وتخلت طهران بموجبها عن دعم الأقلية الكردية في العراق. على أثر ذلك، خرج مصطفى البارزاني من العراق إلى إيران ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج من مرض السرطان ومكث فيها 4 سنوات حتى توفي في مارس 1979.

بشكل عام، ترك الزعيم الكردي أثراً كبيراً في وجدان قومه، واعتبر واحداً من أهم رموز القضية الكردية في العصر الحديث، حتى أُطلق عليه لقب "أبو القضية الكردية".

كذلك، اشتهر جلال الطالباني، الذي يُعدّ أول رئيس كردي للعراق. ولد جلال حسام الدين طالباني في 1933 بقرية كلكان التابعة لمحافظة السليمانية. درس المرحلة الابتدائية في كركوك والتحق بكلية الحقوق في بغداد في المرحلة الجامعية.

في نهاية الأربعينيات، التحق طالباني بصفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الستينيات أصبح أحد قادة البيشمركة، كما شارك في المعارك التي دارت بين الأكراد وحكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. وخلال الثمانينيات قاد الطالباني المعارضة الكردية ضد صدام حسين.

عقب خسارة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، تهيأت الظروف لإقامة إقليم كردي شبه مستقل في كردستان العراق. وفي هذا السياق، وقع التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وأُدير الإقليم بقيادة مشتركة من الحزبين، لكن سرعان ما وقعت المواجهة المسلحة بينهما.

لم ينته الصراع بينهما حتى توقيع اتفاقية السلام بين البارزاني والطالباني في العاصمة الأميركية واشنطن عام 1998.

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، سُمح للأكراد بدخول الساحة السياسية العراقية. وفي 2005م، انتخب البرلمان طالباني رئيساً للعراق بعد حصوله على غالبية الأصوات. وفي أكتوبر 2017، توفي الزعيم الكردي عن عمر ناهز 84 عاماً.

 

في إيران

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران. قاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.

ولد سمكو آغا عام 1895، وفي شبابه قاد عشيرة الشكاك الكردية التي استوطنت مساحات واسعة في الأراضي الواقعة غربي بحيرة أرومية، وطالب بتأسيس دولة قومية للأكراد.

في سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد العديد من الاجتماعات مع قيادات الأكراد في كل من إيران والعراق، ثم أعلن الثورة على الدولة القاجارية الحاكمة في إيران، ودخل في العديد من المعارك ضدها بين (1918- 1922).

وفي 1930 تمكنت السلطة القاجارية من القضاء على تمرد سمكو آغا بشكل كامل بعدما نجحت في استدراجه ثم قامت باغتياله.

تجدد حلم إقامة الدولة الكردية أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران وسمح السوفييت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبية فيها.

على أثر ذلك تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان" وقام زعماء الحزب بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، واختيار قاضي محمد زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة. لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة.

في ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية إلى مهاباد وسيطرت على جميع مدنها. كما قامت بحظر اللغة الكردية. وتم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.

زعيم آخر كردي، هو عبد الرحمن قاسملو. وُلد عام 1930م في مدينة أورمية وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي، قبل أن يرحل إلى تركيا ليتابع دراساته في المرحلة الجامعية بإسطنبول.

يذكر الدكتور محمد علي الصويركي في كتابه "تراجم أعلام الكورد" أن قاسملو بدأ نشاطه السياسي في 1945، ولعب دوراً مهماً في تشكيل "اتحاد الشباب الديمقراطيين" في كردستان، الذي كان أحد مؤسسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد فترة قصيرة أصبح قاسملو عضواً رسمياً في الحزب، واُنتخب سكرتيراً عاماً له، ثم ترقى فيه حتى وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان ينادي بالاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان الشرقية.

بعد ذلك رحل قاسملو إلى أوروبا لدراسة علم السياسة والاقتصاد. فدرس في فرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. ثم عمل بعدها على تدريس اللغة الكردية والتاريخ الكردي في بعض الجامعات الأوروبية.

في 1950، عاد إلى إيران وانتخب رئيساً للجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وعرف بمعارضته لسياسات الدولة الإيرانية الشاهنشاهية، فتعرض للحبس عدة مرات.

مع تزايد المعارضة ضد الحكم البهلوي، عاد قاسملو إلى كردستان في أواخر 1978، وقام برفقة 20 ألف مقاتل من قوات البيشمركة بحملة ضد جيش الشاه، واستولى أتباعه على السلاح من الجيش والشرطة في إيران خلال الاضطرابات التي عمت البلاد، وسيطرت البيشمركة على ثماني مدن وعشرين بلدة في كردستان الشرقية، وبذلك وضع الشعب الكردي حجر الأساس لدولته، وأسس فروعاً لحزبه في أنحاء البلاد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، تم تهميش الدور الكردي إلى حد بعيد واضطر قاسملو للهجرة إلى أوروبا. وفي يوليو 1989 اغتيل في العاصمة النمساوية فيينا، ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الإيرانية.

كيف أثّر حزب العمال الكردستاني تاريخياً على العلاقات العراقية التركية؟
خلال الشهر الماضي فقط، صنف العراق حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، لأول مرة منذ الصراع بين الحزب وتركيا. وخلال زيارته للعراق، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يأمل رؤية "نتائج ملموسة" لهذا التصنيف، مضيفا أنه يتطلع إلى "المساعدة العراقية في هذه المعركة". ماذا نعرف عن حزب العمال الكردستاني؟ وكيف أثر تاريخيا على العلاقة بين بغداد وأنقرة؟
 

في تركيا

من أبرز زعماء الكرد في تركيا، كان الشيخ سعيد بيران، الذي ولد عام 1865. درس في صغره العلوم الدينية كما اعتنق التصوف على الطريقة النقشبندية، وحظي بمكانة معتبرة بين الأكراد في منطقة الأناضول وشمال سوريا.

وضح الدور القومي للشيخ سعيد في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتهج مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة نهجاً متشدداً ضد الأقلية الكردية، واتبع سياسة التتريك في المناطق التي يقطنها الأكراد.

في فبراير 1925، اجتمع ممثلون عن أكراد تركيا وسوريا في مدينة حلب. واتفقوا على الوقوف ضد سياسة تركيا الكمالية، كما توافق المجتمعون على انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً لهم. في مارس من العام ذاته، بدأت الثورة الكردية -تحديداً يوم عيد النوروز-  في مناطق عديدة من جنوب شرق تركيا.

في بداية الأمر، حقق الثوار الأكراد بعض الانتصارات، وتمكنوا من فرض الحصار على مدينة ديار بكر. وفي أبريل هُزموا أمام الجيش التركي، كما أُسر الشيخ سعيد بيران مع عدد من أتباعه.

في يونيو من السنة نفسها، حوكم الشيخ سعيد أمام محكمة تركية بتهمة الخيانة. وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ في آخر شهر يونيو ضمن ساحة المسجد الكبير في ديار بكر.

مثال آخر، هو عدد من القادة الأكراد من عائلة بدرخان. وتُنسب إلى عميدها الأمير بدرخان باشا حاكم جزيرة بوتان جنوبي شرق الأناضول.

تولى الأمير بدرخان الحكم في سنة 1812 وتمكن من توحيد القبائل الكردية تحت رايته، ومدّ سلطته حتى وصلت حدود دولته إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً.

في عام 1847، تمكن العثمانيون من اجتياح دولة بدرخان باشا وأسروا الأمير ثم نقلوه إلى إسطنبول، ومنها إلى جزيرة كريت، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى دمشق ليقضي فيها السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفى عام 1869.

لم ينته تأثير الأسرة البدرخانية بوفاة بدرخان باشا، إذ تمكن أبناؤه وأحفاده من إذكاء الروح القومية لدى الأكراد بطرق متعددة. على سبيل المثال، قام عبد الرزاق بدرخان في 1913 بتأسيس أول جمعية ثقافية كردية باسم "كيهاندن" في مدينة خوي في إيران، كما قاد الانتفاضة الكردية لسنوات بدعم من روسيا حتى قُبض عليه وتم إعدامه من قِبل الأتراك في نهاية المطاف.

كذلك، قام جلادت بدرخان بتأليف الأبجدية الكردية اللاتينية، فيما أصدرت زوجته، روشن بدرخان مجلة هاوار من سوريا عام 1932، وعملت من خلالها على نشر الأبجدية الكردية في جميع أنحاء كردستان.

أيضاً كان منهم الأمير مقداد مدحت بدرخان، الذي أصدر صحيفة "كردستان" من القاهرة في عام 1898 وعمل من خلالها على تسليط الضوء على القضية الكردية.

ويُعدّ عبد الله أوجلان من أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقضية الكردية في العصر الحديث. ولد في 1948 في محافظة أورفة التركية. وفي بداية السبعينيات التحق بكلية الحقوق في جامعة إسطنبول ثم تحول لدراسة العلوم السياسية بجامعة أنقرة.

في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني بهدف تأسيس دولة كردية على أجزاء من إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه اضطر عام 1980 للرحيل إلى سوريا، وهناك أقام معسكرات لتدريب أعضاء حزبه. بعدها بأربع سنوات قام الحزب بعمليات عسكرية مختلفة في كل من إيران والعراق وتركيا.

في 1998، طالبت سوريا أوجلان بمغادرة أراضيها بعد أن تعرضت دمشق لضغوط من قِبل أنقرة.

إثر ذلك، تنقل بين روسيا وإيطاليا وكينيا. وفي فبراير 1999 قُبض عليه في كينيا وتم تسليمه للسلطات التركية ليُحاكم بتهمة الإرهاب، فصدر بحقه حكم بالإعدام تحوّل لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، وما زال فيه حتى اليوم.

خلال مسيرته، دخل حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان، في مواجهات دامية مع القوات التركية، نفذ أعضاؤه هجمات داخل الأراضي التركية وخارجه، ما وضعه في قائمة الإرهاب في أكثر من دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.