Shiite Muslim worshippers gather at the holy shrine of Imam Hussein in Karbala, Iraq, Friday, Jan, 12, 2024. (AP Photo/Hadi…
صورة تعبيرية من مرقد الإمام الحسين في مدينة كربلاء في العراق

تقع مدينة كربلاء على بعد 100 كيلومتر جنوب غرب العاصمة بغداد، وتشغل أهمية كبرى بالنسبة للشيعة لارتباطها بذكرى مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وعدد من أقاربه وأتباعه عام 61 هجرية.

وعلى مرّ القرون زار العديد من الرحالة الغربيين كربلاء ووصفوها في كتاباتهم. فمن هم هؤلاء الرحالة؟ وما أبرز الملاحظات التي سجلوها أثناء مرورهم بتلك المدينة؟

 

بيدرو تكسيرا

يُعدّ البرتغالي بيدرو تكسيرا أحد من أشهر الرحالة الأوربيين في القرن السابع عشر الميلادي. مرّ بمنطقة الخليج، فزار العديد من المدن الإيرانية، ثم عبر مضيق هرمز وتوجه نحو الأراضي العراقية، وقدم وصفاً ممتعاً للعديد من المدن.

بعد مغادرته للنجف الأشرف، سارت القافلة التي التحق بها تكسيرا صوب كربلاء ووصلتها في سبتمبر عام 1604. ووصف كربلاء بأنها "كانت تحتوي على أربعة آلاف بيت وسكانها خليط من العرب والإيرانيين والأتراك وكانت مهمة الأتراك الإشراف على المناطق المحيطة بكربلاء لكنهم انسحبوا في ذلك الوقت إلى بغداد بسبب الحرب مع الإيرانيين، كما غادر كربلاء الإيرانيون بسبب هذه الحرب أيضاً لأنهم لم يعودوا يشعرون بالطمأنينة والأمان".

كما اهتم تكسيرا بوصف النواحي العمرانية والاقتصادية، بقوله إن أسواق كربلاء "مبنية بناءً محكماً بالطابوق، ومليئة بالسلع والحاجيات التجارية، ومحال للحوم والفواكه والحبوب المتوفرة فيها، فضلاً عن السقاة الذين كانوا يسقون ماء السبيل طلباً للأجر، وهم يحملون القرب الجلدية، بأيديهم الكؤوس النحاسية الجميلة...".

من جهة أخرى، أبدى الرحالة البرتغالي إعجابه ببساتين المدينة حيث قال "المدينة تحيطها النخيل والأشجار الكثيرة التي تُسقى من الجداول المتفرعة من نهر الفرات الذي يبعد ثمانية فراسخ عن البلدة...".

في السياق نفسه، تحدث تكسيرا عن "لطف الهواء فيها -أي كربلاء- وأن الجو فيها أحسن منه في جميع الأماكن التي زارها" دون أن ينسى الإشارة لبعض المباني الدينية المقدسة في المدينة، فتطرق للحديث عن الروضة الحسينية، التي "يتوافد إليها المسلمون لزيارتها من جميع الأنحاء". كما أشار لـ"بئر العباس"، الذي "يفيض منه ماءً يتبرك منه الناس، اعتقاداً منهم ببركة العباس بن علي بن أبي طالب".

 

كارستن نيبور

في عام 1765، وصل الرحالة الألماني الشهير كارستن نيبور إلى كربلاء قادماً من مدينة الحلة،  ووصف الطريق للمدينة بأنه مليء بأشجار النخيل، مشيراً إلى دور السلاطين الصفويين في إحياء تلك النواحي وعمرانها.

بعدها، تطرق الرحالة الألماني لتاريخ كربلاء، فقال "لم تكن منطقة كربلاء مأهولة بعد عندما فقد الحسين والكثير من أقاربه وأصدقائه حياتهم هناك، غير أن تلك الموقعة سببت إعمار هذه المنطقة، حيث جُلب الماء من الفرات إلى هناك...".

كذلك، أسهب نيبور في وصف بعض مظاهر العمران بالمدينة، فأشار إلى السور العظيم الذي يحيط بها والأبواب الخمسة الموجودة فيه، كما تحدث عن "مذبح الحسين"، وهو المسجد الذي شُيد في المكان الذي شهد مقتل الحسين.

يروي موضحاً ما بذله من جهد لتقديم صورة جليّة عن ذلك المسجد: "وجدت أن محاولة وضع رسم تخطيطي لهذا الجامع أخطر عاقبة من سابقه في مشهد علي، ولم أتمكن من التجاسر بالدخول إلى صحنه حتى في وضح النهار، وقد قمت في هذه الأثناء بالذهاب إلى هناك ليلاً مرتدياً عمامة تركية برفقة زميلي في الرحلة، وحيث أن كافة الأطراف كانت مضاءة احتفالاً بالعيد، فقد رسمت بعد عودتي رسماً لها، كي أعطي للقارئ فكرة على الأقل عن طراز إنشاء هذا الجامع".

كما أشار نيبور إلى المنارات المحيطة بمرقد الحسين وإلى مساكن العلماء والدراويش التي تقع بالقرب من المشهد الحسيني. ولم يفته الحديث عن مرقد أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب، وذكر القصة الشهيرة عن مقتل العباس أثناء محاولته الحصول على الماء لسقي العطشى في جيش الحسين.

وحكى عن تأثير تلك القصص في نفوس العراقيين، فذكر أنه لمّا أخبر صاحبة الدار التي كان يسكن فيها بخبر زيارته لمقام العباس "سرت كثيراً... فقد كان هذا الأخير وليّها المفضل. وقد تحدثت إلي والدموع تملأ عينيها عن أن هذا الشاب الشجاع كان على أهبة الزواج، أي أن القاضي كان قد عقد قرانه بحضور الشهود، حين استشهد بمعية الحسين والشهداء الآخرين، في النهار الذي سبق ليلة زفافه، وقد كانت هذه المرأة الطيبة القلب ملمة بكل كلمة تبادلها كلا المحبين بينهما، قبيل نشوب القتال" بحسب ما ورد في كتاباته.

من جهة أخرى، تحدث نيبور عن بعض أفراد الجيش الإنكشاري المطرودين من الخدمة العسكرية الذين اعتادوا أن يضيقوا الخناق على الزائرين القادمين من أرمينيا وإيران طمعاً في الحصول على بعض المال.

كذلك، تحدث عن الإقبال الشديد على شراء المسابح والتربة الحسينية التي يتم تجهيزها في بعض المصانع المملوكة لأحد السادة الأشراف من أحفاد الحسين بن علي. ووصف الرحالة الألماني الأشكال الفنية البديعة المرسومة على تلك المنتجات فقال "...جميع هذه الأشكال مرسومة بصورة بدائية وملونة دون اقتصاد في تذهيبها وطلائها بالفضي. ومنها الحصان (البراق) الذي اتخذ محمد طريقه إلى السماء عليه، والجمل المحمل بالستار الثمين الذي يُرسل كل سنة من القاهرة إلى مكة، والأسد ويُراد تمثيل علي به، وجواد علي الملون الشهير (دلدل)، وعبده الصادق (عنبر)، وسيفه الشهير (ذو الفقار)، والختم الذي كان على ظهر النبي محمد...".

 

جيمس بيلي فريزر

قام الرحالة الإسكتلندي جيمس بيلي فريزر برحلة واسعة في أنحاء الهند وتركيا وإيران والعراق في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الميلادي.

في 1834، وصل فريزر إلى كربلاء وقدم وصفاً مقتضباً لأحوالها السياسية المضطربة، حيث أشار إلى ضعف السلطة العثمانية في المدينة، وقال إن "جميع العتبات التي لها قدسية خاصة تقريباً قد جُعلت ملاذاً لشر الناس في المجتمع... كما هو الحال في محلة الشيخ عبد القادر ببغداد نفسها، وقد حصل مثل هذا الوضع في النجف وكربلاء معاً، ولكن بمقياس أوسع وحالة أسوأ بكثير، إذ ازداد عدد المتردين المتجمعين هناك بحيث لم يعد من الممكن لحكام المنطقة ولا لسلطنة الباشا أن تسيطر عليهم".

شرح فريزر الجرائم التي ارتكبها هؤلاء بحق زوار الحسين، فقال إنهم "لا يفعلون ما يشاؤون فحسب، بل كانوا يطلبون من الزوار الذين يأتون لزيارة العتبات المقدسة الإذعان لأوحش الطلبات وأبعدها عن المألوف والمعقول، وفي حالة عدم الانصياع للطلبات، كانوا ينهبون أمتعتهم ويجردونهم حتى من ألبستهم، كما يسلبوهم زوجاتهم وبناتهم في بعض الأحيان...".

بشكل عام، يتفق وصف فريزر مع الأوصاف التي أوردها نيبور في رحلته، الأمر الذي يعكس الفوضى التي سادت في كربلاء لفترات طويلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.

 

جان مكر ديولافوا

في عام 1881، سافرت الأديبة الفرنسية جان مكر ديولافوا إلى إيران بصحبة زوجها المهندس الآثاري مارسيل ديولافوا.

وفي ديسمبر من ذات العام بعد فترة من التجوال، توجهت ديولافوا إلى كربلاء، وقدمت وصفاً مقتضباً للطريق الذي اتخذته للوصول للمدينة، فقالت "ولقد تغيرت المناظر منذ وطئت أقدامنا هذه الطرق فبدل تلك الصحراء القاحلة الكتيبة أخذت تطالعنا بساتين وحدائق مزدهرة يانعة مكتظة بأشجار الليمون وبالنخل والأزهار البديعة مختلفة الألوان".

عند وصولها لكربلاء، بدأت الأديبة الفرنسية في رصد مختلف الأنشطة الإنسانية التي لاحظتها. على سبيل المثال، تحدثت عن باب المدينة والساحة الواسعة الموجودة أمامه، وهي الساحة التي "كان يشغلها عدد من الحجارين المنهمكين في قطع وصقل الأحجار والصخور المستعملة في تشييد المقابر وما شابه ذلك. وكان قسم من هذه الصخور مصقولة ومهيأة للبيع والقسم الآخر في طريق إكمالها وعرضها على الطالبين..." على حدّ تعبيرها.

وأضافت أن الحجارين كانوا يستقبلون القوافل القادمة إلى كربلاء لدفن الموتى، فيعرضون عليهم الصخور المصقولة ليتم نصبها على القبور، ويقضون فترات طويلة للنقاش حول السعر حتى يصلوا إلى اتفاق في نهاية المطاف.

من جهة أخرى، أشارت ديولافوا للزائرين الفقراء الذين لم يمنعهم فقرهم من تلبية نداء حفيد الرسول محمد، كتبت: "...مررنا بجماعات كبيرة من الناس كانوا قد أقاموا معسكرات، ولقد علمنا أن هؤلاء كانوا من الزوار الذين وفدوا على المدينة المقدسة ولضعف حالتهم المادية لم يستطيعوا الإقامة في الخانات والمنازل التي في الداخل، لذلك اضطروا إلى الإقامة في الخارج على شكل معسكرات أو مضارب من الخيم. ورأيت كلاً من هؤلاء الزوار المساكين يقيم بجانب أثاثه الساذج وأمام دابته الواهنة وهو في حالة تعبّد وتهجّد، وفريق منهم منهمك في مضغ التمر الذي نواته أكبر من شحمه ومواده...".

استغرقت بعد ذلك في وصف الجهود التي قامت بها مع زوجها لزيارة مرقد الإمام الحسين، إذ  توجهت لمقابلة القنصل الإيراني في كربلاء، وعرضت عليه طلبها، فأخبرها بصعوبة تحقق هذا الطلب لأن زيارة المرقد ممنوعة على المسيحيين، ولكنه -أي القنصل- أرسل في طلب كليدار الحضرة الحسينية، وهو الخادم المُكلف بالإشراف على أمور المرقد الشريف.

لمّا قدم الكليدار قابل ديولافوا وزوجها "وشرح لهما عظمة وجلال المرقد المطهر الذي زاره شاه إيران مشياً على قدمه عندما كان في هذه المدينة. وفي الأخير قال إنه ينبغي لنا أن نكون في غاية الشكر والاعتراف لأنه لم يُسمح لقبلنا من الأجانب بزيارة الضريح الشريف وأن نعدّ هذه الزيارة فرصة ذهبية قيمة..." وفق قولها.

بعد نقاش طويل، تم السماح للزائرين الفرنسيين بمشاهدة قبر الحسين في الصباح الباكر من أعلى أحد المنازل القريبة منه، لكن لم يف الكليدار بوعده ولم يتسنّ لديولافوا أن تزور المرقد الحسيني.

في طريقها لمغادرة كربلاء، وصفت ديولافوا الفتيات اللاتي رأتهن في شوارع المدينة وللمكانة العلمية الكبيرة التي نالتها كربلاء، لدرجة أنها كانت "بمثابة جامعة كبيرة يؤمها الطلاب من مختلف أصقاع البلاد الاسلامية لتلقي علوم الدين ويقضون فيها لهذا الغرض أكثر سني حياتهم. ويعيش هؤلاء الطلاب جميعاً الصغير والكبير الشاب والهرم على التبرعات التي يتبرع بها الزوار ووجوه المسلمين الذين يعيشون خارج هذه المدينة...".

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.